المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام أبي عبدالله الحسين وآل البيت شهداء كربلاء


الفرماوي
20-12-2004, 12:06
بسم الله الرحمن الرحيم تحدثت السيدة فاطمة بنت الحسين (ع) فقالت سمعت أبى يقول سمعت رسول الله (ص) يقول ( ما مسلم ولا مسلمة تصيبه مصيبة وان قدم عهدها فيحدث لها استرجاعآ الا أحدث الله ثواب ذلك وأعطاه ثواب ما وعده بها يوم أصيب بها . ومن أجل ذلك اليكم أحبائى : الحسين وآل البيت شهداء كربلاء الفصل الأول :الإمام في مكة المكرمة بلغ الحسين أن يزيد قد عزل والى المدينة لتهاونه في شأن الحسين وبن الزبير ، وولى بدلا منه عمرو بن سعيد بن العاص ـــ وكان جبارا قاسيا وقد حاول فعلا استباحة البلد الحرام في سبيل إرغام بن الزبير وأخذه أسيرا وإكراهه على مبايعة يزيد ، وكان لهذه الأحداث أثر عميق في نفس الإمام ومن أهم البواعث التي جعلته يفكر بالخروج من مكة خشية على أههلها وحجاج بيت الله من أن يكون بقائه فيها سببا فى هتك حرمتها وإهدار قدسية البيت العتيق فأشفق على أهلها الآمنين المسالمين من أن تهدر دمائهم وتستباح أموالهم ومن ثم أخذ يفكر ويدبر فى نفسه الأمر على وجوهه حتى انتهى به التفكير إلى مغادرة مكة حفاظا لحرمة البيت وحقنا لدماء المسلمين . .. وروى أن بن عباس قال : استشارني الحسين بن علي (ع) فى الخروج من مكة فقلت له : لولا أن يزرى بى وبك لنشبت يدى فى رأسك فلا أتركك تذهب . فكان رد الحسين لأن أقتل فى أى مكان كذا وكذا أحب الى من أن أقتل بمكة وتستحل بى .! فكان هذا الذى سلى نفسى عنه . وهذا عبدالله بن الزبير يأتى الحسين (ع) وقد بلغه التفكير فى الخروج من مكة ــ فيقول : أين تذهب ؟ إلى قوم قتلوا أباك ووضعوا السم لآخاك ؟! فلا يجبه الحسين إلا بما أجاب به بن عباس . وفى رواية اخرى : بقوله : إن أبى حدثنى أن لها (أى مكة ) كبشا به تستحل حرمتها ، فما أحب أن أكون ذلك الكبش . والله لأن أقتل خارجا منها بشبر أحب الى من أن أقتل فيها . ولأن أقتل خارجا منها بشبرين أحب إلى أن أقتل خارجا عنها بشبر . وأيم الله ، لو كنت فى جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجونى حتى يقضوا بى حاجتهم . والله ، ليعتدن على كما اعتدت اليهود فى السبت .. هكذا فكر الإمام فى الحروج من مكة .. ولكنه رأى أن يتريث قليلا ريثما تنجلى الأمور . فقد كانت تصل إليه بين أمونة وأخرى رسائل المسلمين من شتى بقاع الأرض ــ لاسيما أهل الكوفة وغيرها من بلاد العراق ــ يلحون عليه ويرجونه فى القدوم عليهم .. ومن ذلك أن زعيم الشيعة بالكوفة ــ سليمان بن صرد ــ جمع أتباعه وأتباع الإمام علي (ع) وكتبوا إليه رسالة يقولون فيها :ــ أما بعد فانه ليس علينا إمام ، فأقدم علينا لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى فان النعمان بن بشير فى قصر الامارة ولسنا نجتمع معه فى جمعة ولانخرج معه فى عيد ولو قد بلغنا انك قد أقبلت علينا أخرجناه من الكوفة وألحقناه بالشام ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة . وقد وفد عليه وفد كبير من أعيان الكوفة ومعهم نحو مائة وخمسون صحيفة . وكان مما كتبوه له قولهم :.. أما بعد فحيهلا (1) فان الناس ينتظرونك ولا رأى فى غيرك فالعجل العجل ... والسلام .... وأخيرا رد الإمام الحسين (ع) على هذه الصرخات المستنجدة التى تستحثه فى الخروج إليهم بأن أوفد ابن عمه ــ مسلم بن عقيل بن أبى طالب ــ حتى يزداد يقينا واستطلاعا . وكتب معه رسالة إلى أهل الكوفة قائلا : أما بعد فقد أتتنى كتبكم وفهمت ماذكرتم من محبتكم لقدومى عليكم . وقد بعثت إليكم أخى وابن عمى وثقتى من أهل بيتى مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إلى بحالكم وأمركم ورئيكم فأن كتب إلى انه قد أجمع رأى ملئكم وذوا الفضل والحجى منكم على مثل ماقدمت به رسلكم وقرأت فى كتبكم أقدم عليكم وشيكا ان شاء الله . فلعمرى ما الإمام إلا العامل بالكتاب والأخذ بالقسط والدائن بالحق والحابس نفسه على ذات الله والسلام .............. وما أن وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة ــ وكان ذلك فى شهر ذى القعدة سنة ستين من الهجرة ــ وعلم أهلها بقدومه حتى هرعوا إليه وبايعوه على إمرة الإمام الحسين (ع) وأقسموا لينصرنه بأرواحهم وأموالهم . وقد بلغ تعداد من بايعوه اثنى عشر ألفا وقيل ثمانية عشر ألفا وقيل أربعون ألفا . فرأى مسلم بن عقيل أن يكتب الى الإمام الحسين (ع) يقول :... أما بعد فان الرائد لايكذب أهله وان جميع أهل الكوفة معك فأقبل حين تقرأ كتابى هذا والسلام .... وهنا رأى الإمام الحسين أن يبادر بالخروج من مكة قبل أن يتفرق هذا الجمع الهائل من الناس وقد كان خروجه قدرا مقدورا ما كان له أن يتأخر عنه أو يتردد فيه وأظهر عزمه هذا لخاصته وأهل بيته فاختلفوا فى رأيهم . وفى هذه الأثناء وبعد أن أرسل مسلم بن عقيل خطابه إلى الإمام الحسين كتب أنصار يزيد وعيونه يخبرونه بما فعل مسلم بن عقيل واستجابة الناس له وضعف والى الكوفة النعمان بن بشير أمام جموع الشيعة الذين تجمعوا حول مسلم وتحمسوا لمبايعة الإمام الحسين ونصرته ... فولى يزيد بن معاوية ، عبيد الله بن زياد على الكوفة إلى جانب ولايته للبصرة حتى يستطيع أن يخمد هذه الحركة ويوقف هذا التيار الجارف الذى يستعد للقاء الإمام الحسين (ع) فخرج عبيد الله هذا متنكرا متلثما يوهم الناس بأنه الحسين وكلما مر بجماعة منهم سلم عليهم فى خشوع فيردون السلام فرحين متهللين قائلين مرحبا بابن بنت رسول الله (ص) واستمر على ذلك وهو لايتحدث إلى أحد حتى انتهى إلى قصر الإمارة بالكوفة فدخل ثم كشف اللثام عن وجهه وأظهر حقيقته فاضطرب أمر الناس وتفرقوا عن مسلم بن عقيل ونقضوا بيعتهم له خوفا على حياتهم من بطش هذا الجبار الفاسق الذى لايرعى حقوق الله أو العباد وأن أبسط شيئ عنده هو إهدار الدماء واستباحة الأعراض .. وأخذ عبيد الله يبحث عن مسلم بن عقيل من دار إلى دار ويتعقبه ويرصد له الجواسيس ويخطب فى الناس محذرا ومتوعدا ومغريا لهم بالأموال والعطاء حتى استطاع آخر الأمر أن يحمل الناس الذين تجمعوا لمبايعة الإمام الحسين على التفرق تحت تهديده ووعيده أو رغبة فى نيل العطايا . وأخيرا عرف مكان مسلم بن عقيل فتجمع الناس حول الدار التى هو فيها فقاومهم ثم اضطر للأستسلام بعد أن أمنوه وأتى ببغلة فحمل عليها وجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه من عنقه . فكأنه عند ذلك أيس من نفسه فدمعت عيناه ثم قال هذا أول الغدر . فقال محمد بن الأشعث : أرجو أن لايكون عليك بأس . فقال له : ماهو إلا الرجاء . أين أمانكم ؟ إنا لله وإنا إليه راحعون . ثم بكى فقال له أحدهم إن الذى يطلب مثل ما تطلب لايبكى . قال : أنى والله ما لنفسى أبكى وإنما أبكى لأهلى المقبلين إلى أبكى الحسين وآل الحسين . ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال : ياعبد الله هل تبعث إلى الحسين رجلا من عندك يخبر الحسين بأن لايقدم فوالله ما أره إلا قد خرج إليكم اليوم مقبلا أو سيخرج غدا هو وأهل بيته . فأرسل إليه من يقول له ارجع بأهل بيتك ولا يغرك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذى كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل . إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني ... فقال ا بن الأشعث والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أنى قد أمنته فلما علم ابن زياد بتأمين محمد بن الأشعث له غضب وأمر بإحضاره . فدخل مسلم بن عقيل قصر ابن زياد وأدرك أنه مقتول لا محالة فأوصى أحد الحاضرين بأن يؤدى عنه دينا لأهل الكوفة وأن يوارى جثته التراب بعد أن يستو هبها من ابن زياد وأن يرسل إلى الإمام الحسين من يره عن المجيئ . ثم أمر ابن زياد بأن يصعد مسلم بن عقيل الى أعلى القصر وأن تضرب عنقه ثم يقذف بجسمه فيتبعها الرأس . فلما صعدوا به أخذ يكبر ويستغفر ويصلى على ملائكة الله ورسوله ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وأذلونا . ثم نفذ به ما أمر به ابن زياد ... وأمر ابن زياد بعد ذلك بقتل كبار القوم الذين بايعوا مسلم بن عقيل . وكتب إلى سيده الملعون يزيد بن معاوية بكل ما حدث . وأخبره بانتصاره على مسلم بن عقيل وأعوانه وأرسل إليه برؤسهم . فرد عليه يزيد شاكرا له جهوده ومغتبطا بكفاءته ومقدرا حسن صنيعه ومحذرا له مما بلغه من قدوم الإمام الحسين (ع) إلى العراق وأمره بأن يحتاط كل الأحتياط وأن يبث العيون والجواسيس وأن يأخذ بالظنة ويشتد على من تدور حوله شبهة وأن يخبره بكل شيئ ,,,
و لا حولا ولاقوة إلا بالله ** وللحديث بقية إن شاء الله حتى قمة المأساة في كربلاء

الفرماوي
20-12-2004, 12:07
الفصل الثاني مسير الإمام الحسين (ع) إلى الكوفة لم يكن قد بلغه شيء من الأحداث التي حدثت بالكوفة بعد أن انتهى إليه خطاب مسلم بن عقيل ومن ثم صح عزمه على الخروج من مكة . فقد آثر أولا : أن لا تستباح مكة بسببه كما حدث بسبب عبد الله بن الزبير . وآثر ثانيا : أن ينجو بدينه وكرامته . وثالثا : أراد أن يستجيب لهؤلاء المسلمين بالعراق الذين استنجدوا به وأجمعوا عليه وألحوا في طلبه فلم يشاء أن يخيب أمالهم ويضيعهم ويسلمهم لهؤلاء الذين حولوا الخلافة إلى ملك عضود يتوارثه من لا يستحقونه ومن ليسوا أعلا له ومن لا يعرفون لدين الله حقآ ولا يرعون له ذمة أما السبب الرابع : فهو تلك القوة الدافعة الخفية التي حملته على أن يستخير الله ويسلم آمره لمشيئته وقدرته.
وهكذا لم يكن بد من أن يسارع إلى الخروج من مكة قبل أن يحال بينه وبين ذلك . خرج سيدنا ومولانا الإمام الحسين (ع) من مكة ظهيرة يوم الثلاثاء الموافق للثامن من ذي الحجة عام 60هجرية ـــ وهو يوم التروية ولم يجد فرصة للبقاء بمكة حتى يؤدى شعائر الحج فأحرم بالعمرة فطاف بالبيت الحرام سبعا داعيا ومتضرعا إلى الله عز وجل ، وسعى بين الصفا والمروة سبعا ثم قصر شعره وأحل من عمرته . ولم ينتظر أن يتم شعائر الحج كما سبق . خرج على بركة الله وفى سبيله ومعه أهل بيته وستون رجلا من أهل الكوفة الذين قدموا عليه ولما علم أمير مكة بخروجه بعث في أثره نفرا من رجاله يعترضون سبيله إلا أن الإمام الحسين امتنع عليهم وواصل مسيرته. وحين علم عبد الله بن جعفر بن أبى طالب (زوج شقيقته السيدة زينب (ع) بخروجه أرسل في أثره ابنيه (عونآ ومحمدا ) بكتاب يقول فيه : أما بعد فانى أسألك بالله لما انصرفت حتى تنظر كتابي هذا ، فانى مشفق عليك من الوجه الذى توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك . إن هلكت اليوم أطفئ نور الإسلام ، فانك علم المهتدين ورجاء المؤمنين . فلا تعجل بالسير فانى فى أثر كتابى . والسلام .
ومما يروى أن إحدى السيدات المؤمنات بعثت له تقول : أشهد الله أنى سمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله (ص) يقول (يقتل الحسين بأرض بابل ) ولما قرأ سيدنا الحسين كتابها قال : فلابد من مصرعى واستمر فى سبيله .
وتوجه عبد الله بن جعفر إلى حاكم مكة (عمر بن سعيد بن العاص ) وأخبره بأن الذي دفع الحسين للخروج من مكة هو خوفه من البطش به أو إرغامه وانه لو كان أمنا لما فكر فى الخروج بأهله . ثم طلب منه أن يكتب إلى الحسين يسأله الرجوع لعله يطمئن ويرجع . فرحب بذلك عمرو بن سعيد وقال له : اكتب عنى ما شئت وآ تنى به حتى أختمه . ولكن الإمام الحسين (ع) لم يطمئن إلى وعد هذا الأمير أو يثق بأمانه بعد أن رأى مطاردته له ومحاولة إرغامه على العودة ولم يأمن على نفسه من أن يغدر به أو يسلمه ليزيد بن معاوية.
ومن هنا واصل المسير ... وفى طريقه لقيه الفرزدق فقال له : بأبى أنت وامى يابن رسول الله ما أعجلك عن الحج ؟ قال :لو لم أعجل لأخذت . ثم سأله سيدنا الحسين قائلا :أخبرنى عن الناس خلفك .؟ فأجابه الفرزدق : قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بنى أمية ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء . إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر . وان حال القضاء دون الرجاء ، فلن يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته . وحينما أ لحق به أحد أبناء عمومته وقال له : أنشد الله لما انصرفت راجعا ، فوالله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك أو يقاتل معك ، وإنما أنت والله قادم على الأسنة والسيوف ! فأجابه عليه السلام قائلا : انه ليس يخفى على ما قلت وما رأيت ، ولكن الله لايغلب على أمره .
والحقيقة أن الإمام الحسين (ع) لو لم يعجل بالخروج لحيل بينه وبين ذلك ، ولوقع أسيرآ فى أيدى أعدائه، ولأحدق الخطر به من كل ناحية .
كما أنه كان مدفوعا إلى السير بتأثير قوة خفية ، والى قدر لايعلمه إلا الله ولا راد لقضاء الله ولا معقب لحكمه. ولعل إصراره على مواصلة السير كان لأسرار ربانية وحكم خفية ، ولا يدركها إلا أهل البصائر والأنوار ممن هم فى درجته ... ولقد سبق أن قال (ع) : انه رأى جده (ص) يأمره بأمر ، ولم يفصح للناس عنه . وحينما يقول الإمام انه رأى جده ، فقوله الحق وكلامه الصدق ، وحينما يحدثه جده (ص) ويأمره بأمر ، فهو (ص) يحثه بلسان الحق ، من دار الحق ، وما على الحسين (ع) إلا أن يصدع بما يؤمر . واصل الإمام سيره متجها إلى الكوفة وهو لا يدرى ما وقع بها ولاتطور الأحداث فيها . وأرسل رسوله قيس بن مسهر الصيداوى إلى أهل البصرة ليخبرهم عن مقدمه . وما أن وصل الصيداوى إلى القادسية حتى قبض عليه ووضعت الأغلال فى عنقه ويديه ، واقتيد إلى عبيد الله بن زياد ، الذى أمره أن يصعد إلى أعلى القصر ويسب عليا بن أبى طالب وابنه الحسين . فصعد قيس وهو يعتزم عدم تنفيذ ما أمر به على الرغم من علمه بما سيناله من البطش والتنكيل . ولما وصل إلى أعلى القصر حمد الله وأثنى عليه . ثم قال مخاطبا الجموع المحتشدة حول القصر : أيها الناس ، إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله (ص) وأنا رسوله إليكم ، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذى الرمة ، فأجيبوه واسمعوا له وأطيعوا .... ثم لعن عبيد الله ابن زياد وأباه ويزيد وأباه .، واستغفر لعلي وابنه (ع) ... وهنا استشاط غضب ابن زياد فأمر به فألقى من أعلى القصر فتهشم جسده وتكسرت عظامه، وبقى به بعض الرمق ، فقام إليه أحد الناس فذبحه رحمة به وشفقة عليه .
واستمر الإمام فى سيره حتى انتهى إلى موضع ماء عليه عبد الله بن مطيع العدوى ، الذى ماكاد يراه حتى اندفع إليه يحيه ويسأله بأبى أنت وأمى يا ابن بنت رسول الله ما أقدمك ؟ فأجابه رضى الله عنه : كتب الى أهل العراق يدعوننى إلى أنفسهم . ففزع ابن مطيع إشفاقا عليه وقال : أذكرك الله يا ابن بنت رسول الله أن تنتهك حرمة الإسلام ، وأنشدك الله فى حرمة رسول الله ، وأنشدك الله فى حرمة العرب . فوالله لئن طلبت ما فى أيدى بنى أمية ليقتلنك . ولئن قتلوك لا يهابون بعد أحد أبدآ . فلا تفعل ، ولا تأت الكوفة . ثم انه رضى الله عنه واصل المسير ، استسلاما لقضاء الله ، ومفوضا الأمر إليه وحده يقضى فيه بما يشاء ، ويحكم بما يريد . وسبحانه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. واقترب سيدنا ومولانا الحسين (ع) بموكبه من الكوفة ، فقابل أناسا من القادمين منها ، وقصوا عليه ما حدث .... وبدأت تطورات الأحداث تظهر أمامه... وعلم منهم ماأصاب مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة ، وقيس بن مسهر وغيرهم من رسله وأعوانه ، فأخذ يسترجع ويردد قوله تعالى (إنا لله وإنا إليه راجعون ) لاخير فى العيش بعدهم ... واغرورقت عيناه بالدموع ، وانحدرت منهما دمعتان كبيرتان ما لبثتا أن توارتا فى لحيته الكثة ، وجعل يردد قول الحق تبارك وتعالى : ( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من يبتظر وما بدلوا تبديلا ) ثم رفع يديه ضارعا إلى الله ( اللهم اجعل لنا ولهم الجنة نزلا واجمع بيننا وبينهم فى مستقر رحمتك وساحة رضوانك ) . ثم التفت إلى من حوله وصارحهم بالحقيقة المرة المؤلمة وقال لهم : خذلتنا شيعتنا ..... فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج ، ليس عليه منا ذمام .
فأخذ الناس يتفرقون هنا وهناك ، حتى لم يبق معه سوى قلة من أصحابه وأهل بيته من النساء والأطفال ــ وكانو جميعا زهاء مائة نفس أو يزيدون قليلا . ثم إن أحد أصحابه قال له : ياأبا عبد الله ألا ما رجعت من موضعك هذا فليس لك فى الكوفة ناصر ولا معين .؟ فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب وصاحوا قائلين : لا والله لانرجع حتى ندرك ثأرنا أو نذق ما ذاق أخونا . فأعاد سيدنا ومولانا الإمام الحسين (ع) قوله : لاخير فى العيش بعدهم .
وتأكد له أنه يسير إلى نهاية محتومة ، ويسرع إلى الشهادة فى سبيل الله ، تلك الشهادة التى اشتاقت روحه اليها . ثم وجد نفسه أخيرا فى أرض فلاة مقفرة ، سأل عنها فقالوا إنها ((كربلاء)). وللحديث باقيه إن شاء الله

الفرماوي
20-12-2004, 12:13
الحسين وآل البيت شهداء كربلاء الفصل الثالث:الإمام في ساحة كربلاء وجد الإمام الحسين (ع) نفسه فى هذه الأرض الفلاة الموحشة وليس معه غير عدد قليل ممن ثبت معه ومن رافقه من أبنائه وإخوته وآل بيته وفى مقدمتهم السيدة زينب (ع) وما لبس غير قليل حتى بدأت طلائع جيش العدو تصل إلى هذه الأرض التي انتهى إليها الإمام الحسين وعلى رأس هذه القوات الحر بن يزيد يقود ألفا من الفرسان . وعند ئذ أمر الإمام الحسين بضرب الخيام ووقف مع أصحابه استعدادا لمواجهة هذا الجيش الكثيف فى جلد وصبر وإيمان ــ وكان قد سيطر على منابع الماء فى هذه الأرض المقفرة وحين أقبل جيش الحر بن يزيد أدرك الإمام ما يعانيه هذا الجيش من ظمأ وعطش شديد فأمر فتيانه بملء الأواني لسقى أعدائه ودوابهم .... وهنا ندرك طبيعة الإمام النقية وإنسانيته الرفيعة التي استعلت على كل اعتبار فقد كان من حقه وفى استطاعته أن يحرم هذا الجيش الزاحف لقتاله والحريص على قتله من الماء ولكنه كان كما قال المؤرخون مستجيبا لطبيعته التي غلبت عليه كداعية للهدى وساع للخير والرحمة بل انه لم يكتف بذلك وإنما قام بنفسه يسقى الناس ويروى الدواب ولما حان وقت الظهر أذن لها مؤذنه ثم خطب فى الناس جميعا من رجاله وأعدائه موضحا حقيقة موقفه وأنه لم يأت لحربهم وإنما جاء بناء على دعوة أهل الكوفة له حيث كان مما بعثوا به إليه ( أقدم علينا فانه ليس علينا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى ) ثم قال فان كنتم على ذلك فقد جئتكم وان كنتم لمقدمى كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذى أقبلت منه إليكم فسكتوا وقالوا للمؤذن : أقم الصلاة فأقم وقال الحسين للحر : أتريد أن تصلى أنت بأصحابك ؟ قال بل صل أنت ونصلى بصلاتك فصلى بهم جميعا أى لأصحابه ومن جاءوا لحربه فلما كان العصر صلى بهم كذلك ثم خطب فيهم فحمد الله وأثنى عليه وقال لهم مثل ما قاله لهم ظهرا وعرض عليهم خرجين مملؤين بصحف أهل الكوفة إليه فقال الحر بن زيد لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد فأجاب سيدنا الحسين فى شمم وإباء : الموت أدنى من ذلك وكيف يعقل أن يسلم نفسه إليهم وهو من هو فى شرفه وحسبه ونسبه وشجاعته ورباطة جأشه وقوة ايمانه أن يقع فى أيديهم أسيرا ذليلا فالموت عنده أحب إليه من ذلك وعندئذ هم الإمام بالانصراف وأمر صحبه بالركوب ولكن الحر بن يزيد حال بينه وبين انصرافه وأخبره بأنه لم يأت لقتاله وإنما جاء ليقتاده إلى عبيد الله بن زياد فان أبى فليأخذ مع صحبه طريقا لا ينتهى به إلى الكوفة ولا يرده إلى المدينة ثم قال الحر بن يزيد وأنى أذكرك الله فى نفسك فانى أشهد لئن قاتلت لتقاتلن ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى فأجابه الإمام (ع) أفبالموت تخوفنى ؟! ما أدرى ما أقول لكم ولكنى أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه حين أراد نصرة رسول الله (ص) فسأله : أين تذهب فانك مقتول ؟! فقال :
سأمضى وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه *** وفارق خوفا أن يعيش ويرغما
فتنحى القوم عنه ولكنهم ظلوا يتابعونه........ ثم جاء الطرماح بن عدى ( أحد زعماء الكوفة ) فى أربعة نفر من أهل الكوفة فسألهم الإمام عن خبر الناس بالكوفة فأجابه أحدهم : أما أشراف الناس فقد أعظمت رشوتهم وملئت بالمال غرائرهم يستمال به ودهم وتستخلص نصيحتهم فهم متألبون عليك وأما سائر الناس بعد فان أفئدتهم معك تهوى إليك وسيوفهم غدا مشهرة عليك . ثم قال له الطرماح : والله أنى لأنظر فما أرى معك أحدا إلا هذه الشرذمة اليسيرة وهى ليست بكفء لأعدائك وكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش اجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحون إليك فأنشدك الله إن قدرت أن لاتتقدم إليهم شبرا فأفعل . فان أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به فسر حتى أنزلك فى منعه من جبلنا الذى امتنعنا به من ملوك غسان وحمير ومن النعمان بن المنذر ومن الأسود والأحمر . والله مادخل علينا ذ ل قط فان شئت فأسير معك فانه لا يأتى عشرة أيام حتى تأتيك طئ رجالا وركبانا ثم أقم فينا ما بدا لك فان هاجك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائى يضربون بين يديك بأسيافهم .... والله لايوصل إليك أبدا وفيهم عين تطرف
ولكن الإمام الحسين (ع) لم يقبل ذلك ضنا منه بدماء المسلمين أن يتسع مجال سفكها وأبى إلا يكون هو وأصحابه فداء لوحدة امة المسلمين وسلامتها .
رفض سيدنا وإمامنا الحسين (ع) ما عرضه عليه الطرماح ثم مضى فى طريقه وواصل المسير فأخذته سنة من النوم ثم أفاق من غفوته وهو يسترجع ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين . رأيت فارسا يقول : القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم ... فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا !. ثم صلى الفجر بأصحابه وأسرع فى مواصلة المسير حتى انتهى إلى نينوى . وكان ذلك فى الثالث من المحرم سنة 61هـ ولم يمض قليل حتى أقبل جيش ا بن زياد فى أربعة آلاف مقاتل بقيادة عمر بن سعد بن أبى وقاص . وقد بدأت هذه القوات تنضم إلى مقدمتها التي سبقتها بقيادة الحر بن يزيد وأخذت مواقعها وقد أحاطت بالإمام الحسين (ع) ومن معه . وأول ما فعلته من خسة ونذالة وقسوة هو أن حالت بين الإمام وبين ماء الفرات تنفيذا لأوامر ابن زياد وكانت هذه القوات من الرعاع الأجلاف والسفلة والجهلاء ليس فيهم عابد أو فقيه أو ورع أو من له نصيب فى حب رسول الله (ص) وآل بيته (ع) ولما اشتد على سيدنا الحسين وأصحابه العطش دعا أخاه العباس فبعثه فى ثلاثين فارسآ وعشرين رجلا وبعث معهم بعشرين قربة فجاءوا حتى دنوا من الماء وكان معهم أحد أصحاب الحسين الذى رفض أن يذوق الماء رغم شدة عطشه وقال لا أشرب منه قطرة وحسين عطشان ومن نرى من أصحابه .
ولما ضاق الأمر بالإمام واشتد عليه الكرب وانفض أكثر الناس من حوله وحيل بينه وبين الماء فحرم منه الأطفال والنساء اضطر إلى أن يجتمع بقائد جيش ابن زياد ليعرض عليه اختيار أحد أمرين : ــــ اما أن يعود من حيث جاء طلبا للسلام وحقنا للدماء .
ــــ : وإما أن يدعه يضرب فى الأرض حتى يبظر ما ينتهى إليه أمر الناس .
فكتب عمر بن سعد بذلك إلى ابن زياد وحينما وصله الخطاب كان بمجلسه شمر بن ذى الجوشن فاستشاره فقال له : (والله لئن رحل من بلدك ولم يضع يده فى يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز ، ولكن لينزل على حكمك فان عاقبت فأنت أولى بالعقوبة وان غفرت كان ذلك لك ) فارتاح ابن زياد لهذا الرآى ووجد عنده رضا وقبول حيث التقى مع شمر فى الخبث واللؤم فبعث الى عمر بن سعد بن أبى وقاص يأمره بالهجوم ومقاتلة الإمام الحسين (ع) ومن معه ويقول له فى خطابه مانصه : أما بعد فانى لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندى شافعا انظر فان نزل الحسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم الى سلما وان أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون فان أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع وان أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر بن ذى الجوشن وبين العسكر والسلام .
وحينما علم سيدنا الحسين بخطاب ابن زياد هذا أيقن بأن المعركة لاشك فيها وأنه لابد من خوضها إيثارا للكرامة ودفاعا عن النفس وتسليما لأمر الله ورفضا للذلة والمهانة بتسليم نفسه ومن معه أسرى لابن زياد . وهنا أرسل إليهم أخاه العباس بن علي وقال له ارجع فارددهم هذه العشية لعلنا نصلى لربنا هذه اليلة ونستغفره وندعوه فقد علم الله منى أنى أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والأستغفار .
وفى هذه اللية أحس الإمام بأن موعده مع الشهادة هو اليوم التالى فاطمأن قلبه للقاء ربه والفوز برضوانه واللحاق بجده (ص) فاجتمع بمن بقى معه من أصحابه وخطب فيهم قائلا : أثنى على الله تبارك وتعالى أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء . اللهم انى أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا فى الدين .... أما بعد فأنى لاأعلم أصحابا خيرا ولا أولى من أصحابى ولا أهل بيت أبر من أهل بيتى فجزاكم الله عنى خيرا ألا وأنى أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ألا وأنى قد رأيت لكم فانطلقوا جميعا فى حل ليس عليكم منى ذمام هذا ليل قد غشيكم فاتخذوه جملا فان القوم إنما يريدوننى فان أصابونى لهوا عن طلب غيرى . انظروا إلى سيدنا وبن سيدنا هذا القائد الكريم الذى يحرص على أن يفتدى بحياته حياة أهل بيته وأصحابه ويؤثرهم على نفسه ويطلب منهم أن يتركوه وحيدا كما فعل أهل العراق حتى يظفر بالشهادة فان أصابه الأعداء لهوا عن طلبهم إلا أنه كان لهذه الخطبة تأثيرها القوى فى نفوسهم وصداها العميق فى مشاعرهم حيث أججت فى قلوبهم نار الحماس وأشعلت فى نفوسهم نور الإيمان فهتفوا صائحين فى قوة وبأس : معاذ الله أن نتخلى عنك فلا بقاء لنا بعدك ولا أرانا الله فيك مانكره .... وأصروا على أن يبقوا معه وأن يفتدوه بأرواحهم أو يستشهدوا معه .
غير أن الإمام (ع) عاد يقول لهم : اذهبوا فقد أذنت لكم . ولكنهم ردوا عليه قائلين : ماذا نقول للناس ؟ أنقول لهم : لقد تركنا شيخنا وإمامنا وسيدنا وبنى عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن برمح ولم نجالد بسيف وإنما أسلمناهم دون أن ندرى عنهم شيئا وانصرفنا رغبة فى الحياة الدنيا !؟ لاوالله لايكون ذلك منا ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى موردك فقبح الله العيش بعدك !!!
وهكذا أخذ هؤلاء الرجال المخلصون يصرون على البقاء مع الإمام ويؤكدون فى إيمان قوى حرصهم على افتدائه والتضحية معه وبذل أرواحهم فى سبيل نصرته ومجابهة أعدائه .
فهذا (1) ( مسلم بن عوسجة الأسدى ) يقول مستنكرا : أنحن نخلى عنك ولما نعذر إلى الله فى أداء حقك !؟ أما والله حتى أكسر فى صدورهم رمحى وأضربهم بسيفى ما ثبت قائمه فى يدى ولا أفارقك ولو لم يكن معى سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك .
(2) وهذا بطل أخر هو ( سعيد بن عبد الله الحفنى ) يقسم على أن يفديه بحياته إلى أخر نفس من عمره ويقول للإمام : والله لو علمت أنى أقتل ثم أحيا ثم أحرق حيا ثن أذر ، ويفعل ذلك بى سبعين مرة ما فارقتك حتى القى حمامى دونك فكيف لا أفعل ذلك وإنما هى قتلة واحدة ثم هى الكرامة التى لاانقضاء لها أبدا !!!
(3) وهذا أسد آخر من أسود الله هو (زهير بن القين ) يؤكد قسمه على أن يفدى بروحه سيدنا الحسين ومن معه من أهل البيت الطيبين فيقول : والله لوددت أنى قتلت ثم نشرت ثم قتلت حتى أقتل كذا قتلة وأن يرفع الله بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك !!!!
وللحديث باقيه بأذن الله

الفرماوي
20-12-2004, 12:14
واستمر هؤلاء الرجال المخلصون واحدا تلو الأخر يعبرون عما فى قلوبهم من محبة وإيثار وتضحية لسيدنا الحسين ومن معه .
وهكذا نقرأ من أمثلة البطولة والتضحية والإيمان القوى والعزيمة الصادقة ما يجعلنا نغبط هؤلاء الأبطال الذين سعدوا بصحبة الإمام الحسين وناصروه فى أشد أوقات حياته حرجا فنتمنى من كل قلوبنا لو كنا معه نبذل أرواحنا ودمائنا فداء له ولآل بيته الطاهرين .
ألا ونحن نستعيد الذكريات ونقلب الصفحات لا يسعنا إلا أن ندعو لهم بالفردوس الأعلى من الجنة إننا لنراهم يقولون من قلوبهم العامرة بالتقوى والتضحية: والله لا نفارقك وأنفسنا الفداء لك نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا وأبداننا فان نحن قتلنا كنا قد وفينا وقضينا ما علينا !!!
وفى هذا الوقت الذى اتحدت فيه الكلمة على الفداء والوقوف إلى جانب الإمام والأصرار على ملازمته والجهاد معه ظهرت مكيدة جديدة دبرها ابن زياد حيث أراد بها أن يفرق بين الإمام وإخوته من أبيه فكتب كتابا بالأمان لهم من دونهم بإيعاز من أمهم بالكوفة . وجاء شمر بن ذى الجوشن يحمل هذا الخطاب إلى كل من العباس وجعفر وعثمان وعبد الله أولاد الإمام علي (ع) من أم البنين ابنة خزام ... ولكنهم رفضوا هذا الأمان ولم ينخدعوا به ولم يتحولوا عن موقفهم المناصر لأخيهم الإمام وقالوا له لعنك الله ولعن أمانك . أتؤمننا وابن رسول الله (ص) لاأمان له !؟ لاحاجة بنا إلى أمانكم . أمان الله خير من أمان بن سمية !!!
وهكذا صمم هؤلاء الفتية على أن يفتدوا أخاهم الأكبر بأرواحهم وأن لا يدعوه وحده مهما كانت المخاطر التى تحيط بهم .
واعتزل سيدنا الحسين (ع) أصحابه ــ بعد أن شكرهم لصدقهم ووفائهم ــ وجلس أمام خبائه وهو يعالج سيفه وقد ظهر عليه الأجهاد وأنهكه السفر فأخذته سنة من النوم وخفق برأسه على ركبتيه فرأى فى منامه جده رسول الله (ص) يبشره بالشهادة فى سبيل الله ويقول له بلسان الحق ( انك تروح إلينا ) ثم انتبه من غفوته وهو يقول إنا لله وإنا إليه راجعون ثم أخذ يردد هذه الأبيات الخالدة التى تعبر عما يجيش فى صدره :

يا دهر أف لك من خليل
كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل
والدهر لايقنع بالبد يل
وإنما الأمر إلى الجليل
وكل حى سالك السبيل
وفى هذه اللحظات كان ابنه علي زين زين العابدين مريضا يرقد داخل الخباء وحينما سمع هذه الأبيات وأدرك معناها خنقته العبرات إلا انه آثر الصمت وكانت تجلس بجواره عمته السيدة زينب (ع) ولم تكد تسمع ما قاله شقيقها حتى فهمت مغزاه وتملكها الحزن والجزع ثم وثبت تجر ثوبها إلى أن وصلت إلى مجاسه وهى تصرخ وتقول : واثكلاه ! ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم ماتت أمى فاطمة وعلي أبى وحسن أخى ... ياخليفة الماضى وثمالة الباقى .... وخرت (ع) مغشيا عليها فأسرع اليها شقيقها يخفف من جزعها ويصب على وجهها الماء فلما أفاقت قال لها : يأخية لايذهبن حلمك الشيطان ! واغرورقت عيناه ثم قال لها : يأخية اتقى الله واصبري وتعزى بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأن أهل السماء لايبقون وأن كل شيئ هالك إلا وجه الله الذى خلق الخلق بقدرته ويميتهم نقهره وعزته . واعلمي أن أبى خير منى وأمى خير منى وأخى خير منى ولى ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة .
ثم قال لها (ع) موصيا : يأخية أنى أقسم عليك فأبرى قسمى . لاتشقى على جيبا ولا تخمشى على وحها ولا تدعى بالويل والثبور إذا أنا هلكت ... ثم أدخلها خبائها وهى تنشج بالبكاء . ثم أخذ الإمام وأصحابه يصلون ويستغفرون طوال الليل ــ وكانت ليلة عاشوراء العاشر من محرم سنة 61من الهجرة ولما طلع الفجر صلى بأصحابه جماعه ثم أمرهم بادناء خيامهم بعضها من بعض وأن لايجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من ناحية واحدة وأن يحفروا وراء الخيام خندقا يملأونه حطبا ويضرمون فيه النار حتى لايخلص إليهم أحد من ورائهم .
وكان عدد قواته (ع) اثنين وثلاثين فارسا وأربعين راجلا فأخذ يصفهم وينظمهم ويخطط للمعركة فجعل على الميمنة زهير بن القين وعلى الميسرة حبيب بن مظاهر وأعطى الراية أخاه العباس بن علي (ع) ثم أخذ (ع) يغتسل ويتطيب بالمسك . وحذا حذوه بعض أصحابه استعدادا للشهادة فى سبيل الله وقد زاد شوقهم جميعا إلى الاستشهاد فى ميدان الجهاد ... ويتحدث أحد أصحابه وهو يزيد بن حصين فيقول : والله لقد علم قومى أنى ماأحببت الباطل شابا ولاكهلا . والله أنى لمستبشر بما نحن لاحقون : والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم بأسيافهم . ثم ركب الإمام الحسين (ع) فرسه وبين يديه كتاب الله فاستقبل القوم الزاحفين إليه وهو فى هذه القلة القليلة من أصحابه الصادقين وأهله الطيبين الطاهرين .. ووجه نصيحة إلى هؤلاء القوم يذكرهم نسبه الشريف ومكانته من الرسول (ص) ويشرح لهم حقيقة موقفه فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : أيها الناس اسمعوا منى نصيحة أقولها لكم : أيها الناس إن قبلتم منى وأنصفتمونى كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم على سبيل وان لم تقبلوا منى فاجمعوا أمركم وشركائكم ثم لايكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون إن ولى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . واستمر (ع) يقول : راجعوا أنفسكم وحاسبوها .... هل يصلح لكم قتال مثلى ؟ أنا ابن بنت نبيكم وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيرى وعلي أبى وجعفر ذو الجناحين عمي وحمزة سيد الشهداء عم أبى وقال لى رسول الله (ص) ولأخى ( هذان سيدا شباب أهل الجنة ) ... أما تتقون الله فى ؟ أما فى هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟.. أيها الناس إذا كرهتمونى فدعونى أنصرف عنكم إلى مأمنى فى الأرض ... أخبرونى أتطالبونى بقتيل لكم قتلته ؟ أو مال لكم أكلته ؟.. أو بقصاصة من جراحة ؟.. أنى عذ ت بربى وربكم أن ترجمون ... أعوذ بربى وربكم من كل متكبر لايؤمن بيوم الحساب !!!
وعلى الرغم مما فى هذه الخطبة من تأثير بالغ تهتز له القلوب وتقشعر منه الأبدان إلا أن الأعداء كانت قلوبهم أشد قسوة من الحجارة فاستمروا على عنادهم وتصميمهم على محاربته . . غير أن كلمات الإمام وجدت صدى فى نفس أحد الأبطال وهزت شغاف قلبه ـ ذلك هو ( الحر بن يزيد ) قائد مقدمة جيش الأعداء الذى قال لعمر بن سعد بن أبى وقاص : أصلحك الله أمقاتل أنت هذا الرجل ؟ فأجابه عمر : اى والله ..... قتالا أيسره أن تسقط الرؤس وتطيح الأيدى . فقال له الحر : أفما لكم فى واحدة من الخصال التى عرض عليكم رضا ؟ فرد عمر قائلا : أما والله لو كان الأمر لى لفعلت ولكن أميرك قد أبى ذلك . فارتعد الحر بن يزيد إذا أيقن بأن الحسين سيقتل فى هذه المعركة هو ومن معه وتملكه جزع شديد . ورآه فى حالته هذه أحد رجاله فسأله : ما هذا الذى أرى منك ؟ فأجاب : أنى والله خيرت نفسى بين الجنة وبين النار ووالله لاأختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت . ولكز فرسه وأطلق لها العنان وأسرع إلى الإمام (ع) وانحنى أمامه مستغفرا تائبا نادما وقال له : جعلنى الله فداك يا ابن رسول الله .... أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك فى الطريق وألجأتك الى هذا المكان والله الذى لاﺇله إلا هو ماظننت أن القوم يردون ما عرضت عليهم أبدا ولا يبلغون منك هذه المنزلة وأنى قد جئتك تائبا مما كان منى إلى ربى وموسيا لك بنفسى حتى أموت بين يديك أفترى ذلك لى توبة ؟!!!
أعجب الإمام الحسين (ع) ببطولة هذا الفارس ونخوته وشجاعته فى نصرة الحق فقال له : نعم يتوب الله عليك ويغفر لك ما اسمك ؟ قال : أنا الحر بن يزيد . فقال له : أنت الحر كما أسمتك أمك .. أنت الحر إن شاء الله فى الدنيا والأخرة ثم دعاه إلى النزول . فقال له الحر : أنا لك فارسا خير منى راجلا فقال له الإمام (ع) : فاصنع يرحمك الله ما بدالك ثم عاد الحر إلى أصحابه الذين كانوا معه من جنود أهل الكوفة وقال لهم : يأهل الكوفة أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا أتاكم أسلمتموه ؟ وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟ وأحطتم به من كل جانب ومنعتموه من التوجه فى بلاد الله العريضة الوسيعة حتى يأمن ويأمن أهل بيته وحلتم بينه وبين ماء الفرات الجارى الذى يشرب منه خنازير السواد وكلابه ! بئسما خلفتم محمدا (ص) فى ذريته ! ! لاسقاكم الله يوم الظمأ الأكبر إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه فى يومكم هذا .. فى ساعتكم هذه .
واذاء هذه الكلمات المؤثرة انضم إلى الحر بن يزيد فى انتصاره لسيدنا وإمامنا الحسين (ع) جماعة من جنود وأعيان الكوفة وفرسانها يقدر عددهم بثلاثين فارسا ــ وقد شرح الله صدورهم لنور الحق وسبقت لهم العناية الإلهية بنجاتهم من دم الإمام ثم نهض زهير بن القين أحد قواد الحسين (ع) مخاطبا أهل الكوفة وهو يقول : إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ونحن حتى الآن إخوة وعلى دين واحد وملة واحدة مالم يقع بيننا وبينكم السيف فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا أمة وأنتم أمة إن الله ابتلانا بذرية نبيه (ص) لينظر ما نحن وأنتم عاملون .. فان لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم .
فرماه شمر بن ذى الجوشن بسهم وقال له إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة فقال له زهير : أفبالموت تخوفنى ؟ فوالله للموت معه أحب إلى من الخلد معكم . ثم أقبل على الناس رافعا صوته فقال : عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافى وأشباهه ..فوالله لاتنال شفاعة محمد(ص) قوما هرقوا دماء ذريته وأهل بيته وقتلوا من نصرهم ودافع عن حريمهم .
ورآى سيدنا الحسين أنه لافائدة من نصيحة هؤلاء الأعداء فقد أصم الله أسماعهم وأعمى بصائرهم فأرسل من ينادى على زهير ويقول له على لسان مولانا الإمام الحسين (ع) : أقبل فلعمرى لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ فى الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت ، لو نفع النصح والإبلاغ .. وللحديث باقيه إن شاء الله

الفرماوي
20-12-2004, 12:17
الحسين وآل البيت شهداء كربلاء الفصل الرابع: اشتعال المعركة بسم الله الرحمن الرحيم(ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) بسم الله الرحمن الرحيم ( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) صدق الله العظيم
أصدر عمر بن سعد بن أبى وقاص أوامره للقوات بأن تستعد للهجوم ، وتقدم نحو الإمام الحسين (ع) ومن معه ، ثم رمى بسهم نحوهم إيذانا ببدء القتال واشتعال المعركة ، وهو يصيح مفاخرا : اشهدوا أنى أول من رمى القوم . ثم ترامى الفريقان بالنبال ، وتتابعت الأحدث ..
وصاح الأعداء منادين بالمبارزة ، وخرج من بينهم رجلان يتحديان صائحين : هل من مبارز ؟ فخرج لهم (عبد الله بن عمير الكلبى ) من صفوف الإمام مسرعا وهو يصيح قائلا : أبا عبد الله ، الله ائذن لى فى أن أخرج ﺇليهما .
وعبد الله بن عمير الكلبى هذا هو الذى قال مقالته المشهورة : والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصا . وأنى لأرجو أن لايكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثوابا عند الله من ثوابه ﺇياى فى جهاد المشركين .
ونظر الإمام إلى الرجل فوجده مغوارا قوى الجسم ، فقال له : أنى لأحسبك للأقران قتالا ... اخرج إن شئت . فخرج الكلبى يصول ويجول وشد على أحدهما فضربه بالسيف فقتله ... وبينما كان مشغولا بالاجهاز عليه هجم عليه الرجل الآخر وفاجأه بضربة خائنة فاتقاها الكلبى بيده اليسرى فطارت أصابع كفه ولكنه عاجله بضربة قضت عليه وألحقته برفيقه السابق . وحينما رأت زوجة الكلبى ماحل بزوجها اندفعت لنصرته وقد حملت عامودا لتضرب به وهى تصيح بزوجها قائلة: فداك أبى وأمى !! قاتل دون الطيبين ذرية محمد (ص) واستمرت فى اندفاعها نحوه وهى تقول : دعنى أكون معك ... أنى لن أدعك دون أن أموت معك . الا أنه أقبل على زوجته يردها إلى النساء .وتقدم سيدنا الحسين فنادى المرأة قائلا : جزيتم من أهل البيت خيرا ... ارجعى يرحمك الله إلى النساء فاجلسى معهن فانه ليس على النساء قتال . واستمر عبد الله الكلبى ــ رغم بتر أصابعه ــ يقاتل بكل بسالة حتى صرع رجلين آخرين قبل أن يلقى ربه شهيدا ، فأسرعت امرأته حتى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب وتقول له : هنيئا لك الجنة .. هنيئا لك الجنة .... ولكن شمر بن ذى الجوشن أرسل اليها غلاما له فضرب رأسها بعمود فشرخه ولحقت بزوجها مع الشهداء والأبرار .
ثم تقدم يزيد بن معقل وهو من قوات الأعداء فنادى على أحد أصحاب الحسين (ع) وهو : ( بربر بن خضير ) وقال له متحديا : كيف ترى صنع الله بك ؟ فأجابه بربر : صنع الله والله بى خيرا وصنع بك شرا ... فتحداه يزيد فدعاه بربر إلى المباهله وبعد أن تباهلا تبارزا فتقدم بربر وضربه ضربة قدت مغفره وبلغت دماغه فخر كأنما هوى من حالق . وبينما كان بربر يخرج سيفه من رأس عدوه فاجأه أحد الأعداء واعتنقه فصرعه بربر وأخذ فى الإجهاز عليه إلا أن أحد جنود الأعداء وهو كعب بن جابر فاجأه برمح فى ظهره فلما أحسه بربر لم يبال بالألم وبرك على خصمه يعض وجهه ويقطع أنفه . ولكن كعبا غيب السنان فى ظهر بربر وأخذ يضربه بسيفه حتى لقى ربه شهيدا . ولما عاد كعب هذا إلى بيته قالت له امرأته فى احتقار وازدراء: أعنت على ابن فاطمة (تريد الحسين (ع) وقتلت سيد القراء (تريد بربربن خضير ) لقد أتيت عظيما من الأمر ... والله لا أكلمك أبدا .
وظلت المعركة علي هذا الحال من المبارزة ، حتى ضاق الأعداء بذلك ، و فزعوا من فدائيه أصحاب الإمام الحسين ، و تفانيهم في التضحية ، و استماتتهم في الدفاع .
فطلب إليهم عمر بن سعد أن يكفوا عن المبارزة ، لأن أنصار سيدنا الحسين قليلون لا يكادون
يتحملون هجوما واحدا .
ثم أصدر عمر بن سعد أوامره لقواته بالهجوم على سيدنا الحسين و أصحابه ، فتقدم جيشه الذي كان يربو على أربعه آلاف مقاتل ، منهم ألف فارس و خمسمائة من الرماة ، بينما كان أصحاب سيدنا الحسين لا يتجاوزون السبعين رجلا بقليل ، منهم اثنان و ثلاثون فارسا .
و حينما التقى الجمعان ، ثبت أصحاب سيدنا الحسين بقوة إيمانهم و رسوخ عقيدتهم ، و تراشق الفريقان بالنبل ، و شرع أصحابهم الإمام الرماح على الأعداء ، فتراجعت خيلهم حيث أصيب منهم عدد غير قليل و جرح آخرون ، إلا أنهم استمروا في زحفهم ، و بدأ الشهداء من أصحاب سيدنا الحسين يتساقطون .
و كان أول شهيد منهم هو ( مسلم بن عوسجه ) ، و هو البطل الذي أصر على البقاء مع الإمام رضي الله عنة . و قد أسرع إلية سيدنا الحسين و هو يجود بآخر أنفاسه و قال له : رحمك ربك يا مسلم ابن عوسجه، ثم تلا قوله تعالي : ( فمنهم من قضي نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا) . وتقدم حبيب بن مظاهر ــ قائد الميسرة وقال له : أبشر بالجنة ولولا أنى أعلم أنى على أثرك لاحق بك فى ساعتى هذه لأحببت أن توصينى بما تحب . فقال له الشهيد وهو يشير إلى الإمام (ع) أوصيك بهذا رحمك الله إلى أن تموت دونه . فقال : أفعل ورب الكعبة .
ثم اندفعت قوات من ميسرة العدو تهاجم قوات الإمام الحسين فثبتوا لهم وتغلبوا عليهم مع قلتهم حتى أشاعوا الاضطراب فى صفوف هؤلاء الأعداء . فاستنجد قائدهم بعمر بن سعد بن أبى وقاص الذى أرسل خمسمائة من الرماة أخذوا يرشقون خيول قوات الإمام الحسين (ع) بالنبل حتى عقرت جميعها ــ وصار أصحاب سيدنا الحسين راجلين . ولكن ذلك لم يزدهم الا تفانيا واستبسالا وأخذوا يقاتلون راجلين حتى انتصف ذلك اليوم (وهو يوم الجمعة الموافق للعاشر من المحرم سنة 61من الهجرة ) واستمر القتال سجلا بين الفريقين إلى أن أمر قائد الأعداء بإحراق خيام مولانا الإمام (ع) حتى يتمكنوا من الاحاطة به وبأصحابه فأحرقوها بعد أن استبسل أصحاب الإمام فى الدفاع عنها وقتل كل من اقترب منها . وبالرغم من ذلك فان أصحاب الحسين ثبتوا للأعداء وقاتلوهم قتالا عنيفا . وأخذ (حبيب بن مظاهر ) يصول ويجول وهو يرتجز :
أقسم لو كنا لكم أعدادا
أو شطركم وليتمو أكناد (أكناد : جبناء)
ياشر قوم حسبا وآدا . ( آدا :قوة)
وبقى على ذلك حتى أصابته طعنة وقع على أثرها . ولم يكد ينهض حتى فوجئ بضربة سيف قضت عليه . ثم احتز الأعداء رأسه . وهكذا لحق بصاحبه وحزن عليه الإمام وقال : أحتسب عند الله نفسى وحماتى من أصحابى .
أما (الحر بن يزيد ) الذى خرج من صفوف الأعداء منضما الى صف الإمام مدافعا عنه فقد أخذ يصول ويجول ويفتديه مرتجزا :
آليت لاتقتل حتى أقتلا
ولن أصاب اليوم الا مقبلا
أضربهم بالسيف ضربا مقصلا
ومكث على ذلك وهو يجندل الأعداء الواحد تلو الآخر حتى فاجأته جماعة منهم فضربوه بسوفهم حتى سقط يتخبط فى دمه ويسطر به أروع صفحة فى تاريخ الاستشهاد دفاعا عن ابن بنت رسول الله (ص) . وهذا بطل آخر هو (زهير بن القين ) أخذ يصول ويجول مستبسلا مستبشرا بالقاء الأحبه . وقد راح يربت على منكب سيدنا الحسين مشجعا له ومبشرا بالجنة وهو يقول :
أقدم هديت هاديا مهديا
فاليوم تلقى جدك النبيا
وحسنا والمرتضى عليا
وذا الجناحين الفتى الكميا 0 (الكميا . الشجاع)
وأسد الله الشهيد الحيا
وما زال يقاتل حتى هجم عليه اثنان من جنود الأعداء فأردياه شهيدا . أما (نافع بن هلال الجملى ) فانه يكتب صفحة فريدة من صفحات الفداء والجهاد فقد أعد أسهما مسمومة كتب عليها اسمه وأخذ يرمى بها العدو حتى قتل اثنا عشر منهم . فاجتمع عليه الأعداء حتى كسروا عضديه وأخذوه أسيرا إلى قائدهم عمر بن سعد الذى قال له : ويحك يانافع ما حملك على ما صنعت بنفسك ؟ فأجابه والدم ينزف منه إن ربى يعلم ما أردت . والله لقد قتلت منكم اثنى عشر ولو بقيت لى عضد وساعد ما أسرتمونى . وهنا رفع شمر بن ذى الجوشن سيفه ليجهز عليه فقال له نافع : أما والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا . فالحمد لله الذى جعل منايانا على يد شرار خلقه .
فأجهز عليه شمر ، و لحق سبقه من الشهداء الأبرار . ووسط لهيب المعركه ظهرت صوره أخرى من صور البسالة و التضحيه و الفداء ، فقد أبصر الإمام الحسين شابين يبكيان فسالهما : ( مايبكيكما ؟ ) فقالا : ( و الله ما نبكى على أنفسنا _ جعلنا الله فداك _ و إنما نبكى لأنة قد أحيط بك ، و لا نقدر أن نمنعك .
فقال رضى الله عنة : جزاكما الله يا ابنى عنى خير الجزاء . و ودعاة و انصرفا إلى القتال فاستبسلا حتى وقعا شهيدين .
و هذا ( حنظلة بن اسعد ) ، يروعه أن الاعداء قد القوا بثقلهم فى المعركة ، و ضيقوا الحصار على الإمام الحسين و من بقى معة ، فاتجة إلى الاعداء و اخذ يناديهم مذكرا لهم بمقام الإمام الحسين ، و محذرا لهم من خطورة ما هم مقدمون علية من القضاء على ابن بنت سيدنا رسول الله (ص) فلم يستجيبوا له فقال سيدنا الحسين له : رحمك الله ، إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إلية من الحق ، فكيف بهم الآن و قد قتلوا إخوانك الصالحين ؟ فأجابه حنظلة : جعلت فداك ، أنت أفقة منى و أحق بذلك ، أفلا نروح إلى الآخرة و نلحق بإخواننا ؟ فإجابة سيدنا الحسين : رح إلى خير من الدنيا و ما فيها ، و إلى ملك لا يبلى . فرد عليه حنظلة مودعا : السلام عليك أبا عبد الله ، صلى الله على جدك و عليك و على أهل بيتك ، و جمع بيننا و بينك فى جنتة ... و اخذ يقاتل حتى تكاثروا علية ، و أكرمة الله بالشهادة . أما الأسد الهصور العابس ، الشديد الباس ، القوى الشكيمة ، فهو ( عابس بن أبى شكيب ) ،ذلك الرجل الذى أرهب الأعداء ببأسه وأفزعهم بشجاعته حتى لم يجرؤ أحد على مبارزته خوفا من بطشه وشدة بأسه لقد أخذ يرمى الأعداء ويرمونه حتى أصيب فى فى جبهته فجاء إلى الإمام الحسين وقال له : ياأبا عبد الله أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريب ولا بعيد أعز على ولا أحب إلى منك ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشئ أعزمن نفسى ودمى لفعلت . السلام عليك ياأبا عبد الله ، اشهد بأنى على هديك وهدي أبيك وجدك ... واندفع بحماس نحو العدو متحديا وطالبا المبارزة فلم يجرؤ أحد على مواجهته ولكنهم أخذوا يقذفونه من كل ناحية بالحجارة حتى أثخنته الجراح فتجمعوا عليه بعد أن وهنت قواه وأجهزوا عليه فلقى الله شهيدا . وهناك بطل آخر كان فى صفوف الأعداء قبل ذلك ثم انضم إلى صف الإمام ذلك هو (أبو الشعثاء الكندى ) الذى كان من أمهر الرماة وقد أخذ يرمى الأعداء فيصيبهم . وكان الإمام الحسين يدعو له فى كل رمية قائلا : اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة ولما نفذت سهامه استل سيفه وتقدم إلى الأعداء واقتحم صفوفهم وراح يضرب فيهم بسيفه حتى تجمعوا عليه فسقط شهيدا . أما ( رويد بن عمر بن أبى المطاع ) فقد كان من الذين تقدموا بين يدى الإمام الحسين ليستشهدوا من دونه ويفتدوه بأرواحهم الطاهرة لقد أصيب بين يدي الإمام حتى أغمي عليه ثم أفاق بعد انتهاء المعركة فوجد بجانبه سكينا استله واندفع به وراء الأعداء يتبعهم ويضرب من رآه منهم إلى أن تجمعوا عليه وقتلوه فلحق بمن سبقه من الشهداء والأبرار . وهكذا تتابعت صور الفداء والتضحية والاستشهاد التى سقط فيها معظم أصحاب الإمام الذين تسابقوا لافتدائه بأرواحهم فلم يبقى معه إلا القليل . ....

الفرماوي
20-12-2004, 12:18
أما آل بيت سيدنا الحسين رضى الله عنهم أجمعين فقد أخذوا يتساقطون فى ميدان القتال والاستشهاد واحدا تلو الآخر بعد أن أبلوا بلاء حسنا فى قتال الأعداء . فهذا (علي الأكبر ) بن سيدنا الحسين أخذ يصول ويجول دفاعا عن والده شاهرا سيفه ومفاخرا بنسبه الشريف وهو ينشد قول أبيه :
أنا بن علي الحبر من آل هاشم **** كفاني بهذا مفخرا حين أفخر
وجدى رسول الله أكرم من مشى ** ونحن سراج الله فى الناس يزهر
وفاطمة أمى سلالة أحمد *** وعمى ذا الجناحين جعفر
وفينا كتاب الله أنزل صادقا *** وفينا الهدى والوحي والخير يذكر
ومرة أخرى ينشد :
أنا علي بن الحسين بن علي
نحن ورب البيت أولى بالنبي
تالله لايحكم فينا ابن الدعي
واستمر يجول ويصول على الأعداء حتى امتلأت قلوبهم غيظا منه . وفى إحدى هجماته على العدو اعترضه أحد الأشقياء وهو ( مرة بن منقذ ) فطعنه طعنة أوقعته على الأرض وحمل عليه جنود العدو من كل جانب فقطعوه إربا .
وقد ترك استشهاده على هذا النحو أثرا عميقا فى نفس الإمام (ع) فرفع يديه إلى السماء وأخذ يدعو على الأعداء قائلا : قتل الله قوما قتلوك يابنى . ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة رسول الله ! ! فعلى الدنيا بعدك العفاء .
ولما علمت السيدة زينب (ع) باستشهاد ابن شقيقها اندفعت من خبائها وألقت بنفسها عليه تحتضنه وتقبله إلا أن الإمام كان رابط الجأش ثابت الجنان فأخذ بيدها وأعادها إلى فسطاطه وأمر فتيانه بحمله فحملوه حتى وضعوه بين الفسطاط الذى كانوا يقاتلون أمامه . ثم تبعه (عبد الله بن مسلم بن عقيل ) الذى سقط شهيدا بعد أن أصيب بسهم فى جبهته وآخر فى قلبه . وهو الذى كان أبوه رسولا من قبل الإمام إلى أهل الكوفة . أما (محمد بن عبد الله بن جعفر ) فقد أخذ يقتحم صفوف الأعداء ويضربهم بسيفه وهو يقول :
أشكو الى الله من العدوان
فعال قوم فى الردى عميان
قد بدلوا معالم القرآن
ومحكم التنزيل والتبيان
واستمر رضى الله عنه فى هجومه على الأعداء حتى أحاطوا به وتجمعوا عليه فقتلوه.
ولما رأى أخوه (عون الأكبر ) وهو ابن السيدة زينب (ع) ما فعله الأعداء بأخيه اندفع إليهم فى بأس وغضب وأخذ يضرب فيهم بسيفه وهو ينشد :
إن تنكرونى فأنا ابن جعفر
شهيد صدق فى الجنان أزهر
يطير فيها بجناح أخضر
كفى بهذا شرفا فى المحشر
وأخذ يصرع جنود العدو حتى طوقوه وأحاطوا به وأنهالوا عليه بسيوفهم الى أن استشهد . وفى مجال هذا الشريف والحماس الجارف يتقدم (القاسم بن الإمام الحسن ) (ع) وهو فتى حديث السن . وقد شهر سيفه دفاعا عن عمه (ع) إلا أن أحد فرسان العدو وهو ــ عمرو بن سعد الأزدى ـــ فاجأه بضربة سيف فى رأسه فسقط على الأرض وهو يستغيث قائلا : واعماه . وهنا وثب الإمام الحسين وثبة الليث الغاضب وضرب عمرا بسيفه فاتقى الضربة بساعده فقطعها السيف فاستغاث عمرو بأصحابه ليستنقذوه فأقبلت خيلهم ولكنها وطئته بأقدامها فمات . وانجلت الغبرة فاذا الإمام قائم على رأس ابن أخيه وهو يفحص الأرض برجليه ويجود بنفسه فيقول له بعدا لقوم قتلوك ! عز على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لاينفعك ! صوت والله كثر واتره وقل ناصره ... واحتمله الإمام الحسين (ع) على صدره حتى وضعه بجوار ابنه علي الأكبر ومن استشهد من أهل البيت . وللحديث باقيه إن شاء الله

الفرماوي
20-12-2004, 12:21
شهداء آل البيت الفصل الخامس
قمة المأساة واستشهاد الإمام الحسين (ع)
ظل الإمام الحسين يقاوم الأعداء ويواجههم جماعة بعد جماعة فى بأس شديد وتجلد كبير بعد أن سقط معظم أصحابه وآل بيته الطيبين الطاهرين .
وهان نصل إلى ذروة الفجيعة وقمة المأساة فقد أعمى الله بصائر أعدائه وختم على قلوبهم وكتب عليهم الشقاء الأبدي والخلود فى النار فقد غافله (مالك بن البشير ) الكافر الملعون فضربه بسيفه ضربة قطعت البرنس وأصابت رأسه فامتلاء البرنس دما فقال الإمام لمالك : لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين وبدأ الإمام يشعر بالإعياء بعد ما عاناه من جهد وجهاد وما نزف من دمائه الطاهرة وفى الوقت نفسه ارتفع صراخ صبى من أبنائه من شدة العطش ــ وهو عبد الله بن الحسين فاتجه الإمام إلى فسطاطه وأجلسه فى حجره وأخذ يحتضنه ويقبله وكأنه يودعه وبينما كان يوصى أهله نفذ إليه سهم من سهام العدو فأصاب ابنه وأرداه شهيدا فرفع الإمام يديه المخضبتين بدماء ابنه وهو يقول : رب إن تك حبست عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين واشتد العطش بسيدنا الحسين (ع) وكان قد حيل بينه وبين ماء الفرات ولكنه احتال للوصول إليه واستطاع أن يغترف شربة منه وهنا فاجأه (حصين بن تميم ) بسهم وقع فى فمه فانتزعه بيديه ورفعهما إلى السماء وهو يقول : اللهم أنى أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على الأرض منهم أحدا .
وظلت مجموعات الأعداء تهاجم فسطاطه وفيه أهل بيته وعياله محاولة الفتك به والقضاء عليه وكان يقود هذه المجموعات (شمر بن ذى الجوشن ) الذى أخذ يحرض جنوده قائلا : ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ؟ اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم ـ فنظر اليه الإمام الحسين (ع) فوجده قبيح الصورة أشبه ما يكون بالكلب الأبقع فأدرك أنه هو الكلب الأبقع الذى سبق أن تنبأ به جده رسول الله (ص) حين قال : كأنى أنظر الى كلب أبقع يلغ فى دماء أهل بيتى . واشتدت ضراوة القتال وتتابعت هجمات الأعداء وسيدنا الحسين يصدهم بكل ما استطاع من بأس وقوة حتى رآى ابن أخيه الحسن وهو غلام صغير أن عمه يقاتل وحده فانفلت من الفسطاط على الرغم من محاولات عمته السيدة زينب منعه ووقف بجوار عمه وصاح بأحد المعتدين : يابن الخبيثة أتقتل عمى فضربه الشقي بسيفه فاتقاه الغلام بيده فقطعها فصاح الغلام : ياأمتاه فاحتضنه الحسين وقال له : يا ابن أخى اصبر على ما نزل بك واحتسب فى ذلك الخير فان الله يلحقك بآبائك الصالحين : برسول الله (ص) وعلي وحمزة وجعفر والحسن بن علي عليهما السلام أجمعين . وظل الإمام رضى الله عنه يقاوم ويناضل وهو يتقى وحده ضربات الأعداء فيرهم مرة ويصيبونه أخرى وهو يصيح فيهم قائلا : أعلى قتلى تجتمعون ؟ أما والله لاتقتلون بعدى عبدا من عباد الله أسخط عليكم بقتله منى وأيم الله أنى لاأرجو أن يكرمنى الله بهوانكم ثم ينتقم الله لى منكم من حيث لاتشعرون أما والله لوقد قتلتمونى ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دمائكم ثم لايرضى لكم بذلك حتى يضاعف لكم العذاب الأليم . وهنا خرجت السيدة زينب (ع) وصاحت تقول : ليت السماء تطابقت على الأرض ! ثم قالت لعمر بن سعد وقد دنا من الحسين : أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه !؟ فصرف وجهه عنها وهو يكاد يحس الخزى لفداحة ما هو قادم عليه .
كل ذلك وسيدنا الحسين يعانى من شدة العطش وجهد النضال وألم الجراح وما نزف من الدماء مما جعله يحس وطأة الاعياء وشدة الضعف وقد زاد من ضعفه وإعيائه تلك الضربة التى وجهها إليه (زرعة بن شريك ) فأصايب بها فى كتفه وعلى الرغم من شدة الضربة هجم عليه الإمام وضربه ضربة صرعته ولكن الإمام رضى الله عنه أخذ يكبو وينوء من شدة الإعياء والضعف . وظل الأعداء وقتا طويلا وهم يترددون فى الإجهاز عليه استشعارا لهذا الذنب العظيم وأخذ بعضهم يقدم البعض الأخر ويتقى به ويود أن يكفيه مؤونة هذا الجرم الفظيع فلما طال ذلك بهم صاح شمر فى الناس قائلا : ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ؟ ثكلتكم أمهاتكم !
فحملوا عليه من كل جانب وقد شجعهم ما أصابه من شدة الإعياء والضعف وأخذوا يضربون كفه اليسرى تارة وعاتقه تارة أخرى إلى أن حمل عليه الغادر (سنان بن أنس ) فطعنه بالرمح فوقع على الأرض ثم قال سنان ( لخولى بن يزيد الأصبحى ) احتز رأسه فجبن وأصابته رعدة فقال له سنان : فت الله عضديك وأبان يديك ثم نزل إليه بنفسه فأجهز عليه واحتز رأسه ووقف يشد بسيفه على كل من يدنو منه مخافة أن يغلبه على غنيمته التى يجو أن تحقق له ما تطمع فيه نفسه الخبيثة لدى سادته ـ من مال وجاه فلما اطمأن رفع بالرأس الشريف الى صاحبه خولى بن يزيد وأمره أن يحملها ويتحفظ عليها ثم اندفع إليه بقية الأعداء فسلبوه وجردوه من سلاحه كما سلبوا خباءه ولم يتركوا حتى ثياب النساء من أهل بيته حيث كانوا ينتزعونها انتزاعا لاتجد معه النساء بدا من تركه ! وقد وجد فى جسده الشريف ثلاث وثلاثون طعنة رمح وأربع وثلاثون ضربة من سيف وكان موعده مع لقاء ربه بين الظهر والعصر من يوم الجمعة الموافق للعاشر من الحرم سنة 61من الهجرة وكان عمره إذ ذاك 56 عام وذلك بعد استيلاء يزيد بن معاوية (لعن) بستة أشهر وهكذا انتهت المأساة باستشهاد الإمام الحسين (ع) واستشهاد معظم أصحابه وكان كل عددهم اثنين وسبعين رجلا ــ بينما قتل من الأعداء ثمانية وثمانون شقي بخلاف مئات الجرحى منهم . ولم يبقى من أحفاد سيدنا رسول الله (ص) غير (علي الأصغر بن الحسين ) المسمى زين العابدين بسبب مرضه إبان اشتداد المعركة وكأنما شاءت العناية الالهيه أن ينجو من هذه الأخطار والكوارث التى اجتاحت البيت النبوي الكريم ليبقى امتدادا للدوحة النبوية وليظل النسب النبوي الشريف متصلا فى ذريته . رضى الله عنهم أجمعين وقبل أن تغيب شمس ذلك اليوم القاتم الكئيب أمر عمر بن سعد بن أبى وقاص بدفن القتلى من جنود الشر الآثمون . أما سيدنا الحسين (ع) فقد أمر عمر بن سعد (لعنه الله ) عشرة من فرسانه جنود الشيطان أن يدوسوا جسده الشريف الطاهر بحوافر خيلهم حتى ألصقوه بالأرض ! ثم أخذ هؤلاء المجرمون يحزون رؤس الشهداء الأبرار من أصحاب الإمام (ع) وفى اليوم التالى للمعركة دفنت هذه الأجساد الطاهره فى مكانها بكربلاء حيث أقيم عليها بعد ذلك مشهد عظيم لايزال حتى الآن مقصدا للملاين من المسلمين .
وسيق آل البيت أسرى إلى قصر ابن زياد بالكوفة فلما مر الموكب بجثث الشهداء تطلعت السيدة زينب إليها فى أسى ولوعة ولما وقع بصر ها على جثة شقيقها صرخت متفجعة تنادى على جدها رسول الله (ص) وهى تقول : يامحمداه يامحمداه صلى عليك الله وملائكة السماء هذا الحسين بالعراء مزمل بالدماء مقطع الأعضاء يامحمداه وبناتك سبايا وذريتك مقتلة تسفى عليها الصبا فأنشج الجميع بالبكاء .
شهداء آل البيت : لعل من الخير أن نسجل بالفخر والاعتزاز أسماء آل البيت الطاهرين الذين استشهدوا فى معركة الحهاد والشرف بكربلاء :
أولا ــــ سيدنا أبو عبدالله الحسين بن علي عليه السلام
ووالدته السيدة فاطمة الزهراء بنت سيدنا رسول الله (ص)
ثانيا ـــ إخوته لأبيه :
العباس بن علي ووالدته أم البنين ابنة خزام بن خالد
جعفر بن علي ووالدته أم البنين ابنة خزام بن خالد
عثمان بن علي ووالدته أم البنين ابنة خزام بن خالد
محمد بن علي ووالدته أم ولد
أبو بكر بن علي ووالدته ليلى ابنة مسعود بن خالد
ثالثا ــــ أبناؤه :
علي بن الحسين ووالدته ليلى ابنة أبى مرة
عبد الله بن الحسين ووالدتة الرباب ابنة امرؤ القيس
رابعا ــ : أبناء إخوته :
أبو بكر بن الحسن بن علي ووالدته أم ولد
عبد الله بن الحسن بن علي ووالدته أم ولد القاسم بن الحسن بن علي ووالدته أم ولد
خامسا ــ : أبناء أخواته :
عون الأكبر بن عبد الله بن جعفر ووالدته السيدة زينب بنت علي (ع)
محمد بن عبد الله بن جعفر ووالدته الخوصاء بنت حصفة بن ثقيف
وهو أخ لعون الأكبر من أبيه
سادسا ــ: أبماء عمه :
جعفر بن عقيل بن أبى طالب ووالدته أم البنين ابنة الشقر بن الهضاب عبد الرحمن بن عقيل بن أبى طالب ووالدته أم ولد
عبد الله بن عقيل بن أبى طالب ووالدته أم ولد
مسلم بن عقيل بن أبى طالب ووالدته أم ولد
محمد بن أبى سعيد بن عقيل ووالدته أم ولد
سابعا ــ : أبناء أخته لأبيه :
عبد الله بن مسلم بن عقيل ووالدته رقية بنت علي بن أبى طالب
إن هؤلاء الشهداء ظلوا هم الأحياء عند ربهم وعند الناس وهم يحتلون فى قلوب الملايين من المسلمين أسمى منزلة ويحظون بأصدق آيات الحب والإجلال والتوقير . أما أعدائهم فالناس لايحفلون بهم وان ذكروا فإنما يذكرون بالاحتقار واللعنة والعار هم وكل أرباب بنى أمية ولا حولا ولا قوة إلا بالله العلى العظيم
وللحديث باقية ان شاء الله

الفرماوي
20-12-2004, 12:24
انتقال الرأس الشريف من أرض كربلاء إلى الكوفة بعد انتهاء المعركة أمر عمر بن سعد ابن أبى وقاص اثنين من جنوده : هما خولى بن يزيد وحميد بن مسلم الأزدى ، أن يحملا الرأس الشريف إلى عبيد الله بن زياد بالكوفة
فحملها خولى ولما وجد قصر الإمارة مغلق ذهب بها إلى بيته . فسألته زوجته : ما وراءك ؟ فقال لها :جئتك بغنى الدهر ... هذا رأس الحسين . ففزعت صارخة : ويلك ! جاء الناس بالذهب والفضة وجئت برأس ابن بنت رسول الله !! لا والله لا يجمع بين رأسي ورأسك بيت واحد أبدا !! وقصت زوجته هذه ، وهى نوار بنت مالك تقول : قمت من فراشي فخرجت إلى وسط الدار وجلست أنظر ، فوالله مازلت أنظر إلى نور يسطع مثل عامود من السماء إلى موضع الرأس ورأيت طيورا بيضاء ترفرف حولها ..!!
فلما أصبح الصباح ،حمل (خولى) الرأس الشريف إلى عبيد الله بن ذياد فى قصره .قصر الإمارة فى غداة اليوم التالى للمعركة ،جلس الوالى (عبيد الله بن زياد) فى جمع من الناس بعد أن أحضرت إليهم رءوس الشهداء الأبرار وفيهم رأس سيدنا الحسين فوضعه بين يديه وأخذ ينكس بين ثنيتيه بقضيب فى يده والناس من حوله واجمون يعلو وجههم الخزي والأسف ويقاومون جزعهم ولا يجرؤون على منعه أو الإنكار عليه لخوفهم من بطشه وطغيانه .... إلا أن أحد أصحاب رسول الله كان حاضرا ــ وهو (زيد بن أرقم ) فلم يطق رؤية هذا المنظر وتحركت أشجانه واختلجت مشاعره فوثب مستنكرا وصاح فى ا بن زياد قائلا: إعل بهذا القضيب عن هتين الثنيتين ، فوالله الذى لا اله غيره لقد رأيت شفتى رسول الله على هاتين الشفتين يقبلهما .. ثم أجهش بالبكاء وانخرط فى النحيب فاهتزت مشاعر الناس بالجزع والإشفاق واشتعلت نفوسهم بالحنق والأسى .. إلا أن بن زياد الملعون أخذته العزة بالإثم ورد على صاحب رسول الله بقوله : أبكى الله عينيك ... فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك ... فخرج زيد بن أرقم ممن المجلس ساخطا حانقا يذرف الدمع يهمهم ويقول : ملك عبد عبدا ،فتخذهم تلدا . أنتم يامعشر العرب العبيد بعد اليوم قتلتم ابن فاطمة وأمرتم ابن مرجانه فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم فرضيتم بالذل فبعدا لمن رضى بالذل . ولما وصل موكب الأسرى وفيهم السيدة زينب ونساء سيدنا الحسين وصبيانه وأخواته إلى مجلس ابن زياد جلست فى ناحية وقد لبست أردأ ثيابها وتنكرت وحفت بها إماؤها تعلوها الهيبة ويكسوها الجلال والوقار فتساءل ابن زياد : من هذه الجالسة؟ فلم تجبه رغم تكرار السؤال ثلاثا ... وقالت إحدى إمائها : هذه زينب بنت فاطمة فالتفت إليها ابن زياد فى صلف الجاهل ووقاحة المغرور قائلا : الحمد لله الذى فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم !! ورغم ما كان يبدو على السيدة زينب من شدة الحزن ، أجابته فى رباطة جأش قائلة : الحمد لله الذى أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا لاكما تقول أنت إنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر . فاشتد غضب ابن زياد وازداد حنقه وقال شامتا : فكيف صنع الله بأهل بيتك !؟ . فأجابت رضى الله عنها بإيمان ويقين : كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون الله وتتخاصمون عنده . فغضب ابن زياد واستشاط ... وقال له أحد جلسائه : أصلح الأمير إنما هى امرأة وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها إنها لا تؤاخذ بقول ولا تلام على خطل . . فقال لها ابن زياد معبرا شماتته وهو ينفس الغل والحقد : قد أشفى الله نفسى من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك !! فلم تتمالك أن بكت تأثرا وحزنا ثم قالت : لعمري لقد قتلت كاهلى وأبدت أهلى وقطعت فرعى واجتثثت أصلى ﻔﺈن يشفك هذا فقد ا شتفيت . فقال الطاغية : هذه سجاعة لعمري لقد كان أبوك شاعرا سجاعا . ثم التفت ابن زياد إلى من معها من آل البيت فرأى فيهم غلاما هو سيدي (علي الأصغر بن الحسين الملقب بزين العابدين ) فسأله ما أسمك ؟ فأجاب : أنا علي بن الحسين . فقال ابن زياد : ألم يقتل الله علي بن الحسين (يقصد أخاه الأكبر عليا ) الذى استشهد مع والده . فسكت الغلام ولم يجبه . فأعاد ابن زياد قائلا : مالك لا تتكلم ؟ فأجابه عليه السلام : كان لى أخ يقال له علي أيضا قتله الناس !! فقال ابن زياد : إن الله قتله!! فسكت فقال له للمرة الثانية : مالك لا تتكلم ؟ فرد عليه الغلام (الله يتوفى الأنفس حين موتها ) ....( وما كان لنفس أن تموت إلا ﺑﺈذن الله ) فاستشاط غضب الطاغية وصاح هائجا : أنت والله منهم ..! ويحك انظروا هذا هل أدرك والله أنى لأحسبه رجلا ! فتقدم أحد الحراس فكشف عنه وقال نعم أدرك .. فقال بن زياد : انطلقوا به فاضربوا عنقه ... ولكن الغلام واجه أمره بشجاعة وثبات فلم يهتز يقينه بالله ولم يبال بما ينتظره من القتل ، رد على ابن زياد قائلا : ومن يوكل بهذه النسوة ؟ إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام . وهنا فزعت السيدة زينب وتملكتها قوة لا يردها سلطان ولا يرهبها سلاح لأنها قوة من هان لديه الموت وهانت عليه الحياة ونهضت إلى ابن شقيقها فاحتضنته وتعلقت به تعلق من اعتزم ألا يفارقه إلا وهو جثة هامدة وصرخت فى وجه الطاغية الملعون قائلة : يا ابن زياد حسبك منا ما فعلت بنا أما رويت من دمائنا ؟ وهل أبقيت منا أحدا ؟ أسألك بالله إن كنت مؤمنا ــ إن قتلته فاقتلني معه . فسكت الطاغية برهة وقد أفزعته هذه الكلمات فتراجع فى خزي وخور وارتد مشدوها والتفت إلى من حوله وقال : عجبا للرحم ! والله أنى لأظن أنها ودت لو أنى قتلته أن أقتلها معه ... وهكذا أنقذ الله زين العابدين من القتل بفضل شجاعة عمته وبسالتها وتضحيتها ثم أمر بن زياد فنودي فى الناس إلى صلاة جامعه فاجتمع الناس بالمسجد الأعظم بالكوفة ثم صعد المنبر وقال : الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الحسين الذى أراد أن يسلب ملكهم ويفرق كلمتهم .. وأخذ يرمى الحسين وأباه بالكذب ويهذى بكلمات بذيئة وافتراءات كاذبة .. ولم يكد يفرغ من مقالته حتى وثب إليه (عبد الله بن عفيف الأزدى ) ــ وهو من أتباع الإمام علي وكان قد حارب معه وفقد عينيه وكان يجلس بالمسجد ولا يكاد يفارقه ـــ فصاح به : يا بن مرجانة إن الكذاب ابن الكذاب أنت وأبوك والذى ولاك وأبوه ... يا بن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين ؟!! فهاج الطاغية الأثيم وصاح على به ... !! وأمر بقتل ابن عفيف وصلبه فى المسجد .... فصاح عبد الله بن عفيف قائلا : لقد كنت أدعو الله أن يجعل نهايتي على يد أشر خلقه ... فالحمد لله الذى حقق أملى وانصرف الناس وهم فى جزع وحزن عميق .. ثم أمر ابن زياد بأن يطاف برأس سيدنا الحسين فى شوارع الكوفة وأزقتها تشفيا وانتقاما وإرهابا للناس وتخويفا لهم من بطشه وطغيانه . وما كادت مرجانة أم عبيد الله بن زياد تعلم أن ابنها قد اقترف هذه الجريمة الشنعاء حتى صرخت فى وجهه قائلة : يا خبيث : قتلت ابن بنت رسول الله والله لا ترى الجنة أبدا . بعد أن أشبع ابن زياد نهمه من التنكيل بآل البيت والعبث بالرأس الشريف أمر بأن يطاف بها فى شوارع الكوفة وأزقتها مبالغة منه فى التشفي والانتقام وتهديدا لمن يفكر فى الخروج عليه *

الفرماوي
20-12-2004, 12:26
الرأس الشريف فى مجلس يزيد بدمشق
أمر الخبيث ابن زياد بأن تحمل الرأس الشريف مع رؤوس أصحاب الإمام الحسين إلى سيده يزيد بن معاوية فى مقر حكمه بدمشق .وقد حمل هذه الرؤوس (زحر بن قيس ) مع اثنين من أعوانه ثم أمر بحمل السيدة زينب ومن معها على ظهور الإبل ـ ومعها علي بن الحسين مغلولا إلى عنقه ــ فى موكب حزين يقوده ( شمر بن ذى الجوشن ) و( محضر بن ثعلبة ) والتقى الموكبان فى الطريق حتى انتهيا إلى دمشق فأدخلوا جميعا إلى مجلس يزيد بن معاوية . ويحدثنا ( الغاز بن ربيعة الجرشى ) الذى كان حاضرا فى مجلس يزيد فيقول : والله إنا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ حضر( زحر بن قيس ) فدخل على يزيد فقال يزيد ويحك ما وراءك ؟ فقال : أبشر ياأمير المؤمنين بفتح الله ونصره ... ورد علينا الحسين بن علي فى ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته فسرنا إليهم وغدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية فما كان إلا جزر جزور أو نومة قائل حتى أتينا على أخرهم فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرملة وخدودهم معفرة تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح زوارهم العقبان والرخم ...
ففزع من بالمجلس وهالهم الخبر وغشيهم الوجوم حتى إن ( يحيى بن الحكم ــ وهو من الأمويين ــ لم يتمالك نفسه أن اندفع قائلا : لهام بجنب الطف أدنى قرابة *** من ابن زياد العبد ذى الحسب الوغل
سمية أمسى نسلها عدد الحصى ** وبنت رسول الله ليست بذى نسل
فأمره يزيد بالكف عن الكلام والتزام الصمت .
ثم دخل عليه وفد آل البيت ــ وفيهم السيدة زينب ونساء الإمام وبناته وعلي بن الحسين (عليهم السلام أجمعين) ــ فأمر يزيد بفك أغلاله ثم خاطبه فى وقاحة وشماتة قائلا :
يا علي أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع الله بك ما قد رأيت ..
فأجابه علي بأن تلا قول الحق تبارك وتعالى ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ) وكان بجانب يزيد ابنه خالد الذى كان مقاربا فى السن لعلى بن الحسين فالتفت يزيد إلى ابنه قائلا : أردد عليه . فلم يستطع خالد أن يجيب وانما أخذ يجول ببصره فى بلاهة وجهل . فقال يزيد : قل له ( ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) ثم وقف أحد المنافقين فأخذ يشيد بيزيد ويتزلف إليه ويندد بالحسين وأبيه غير أن أحد المؤمنين الصادقين نهض من المجلس ناطقا بالحق وممجدا للحسين وأبيه قائلا فى شجاعة : غير هياب ولا وجل : والله لا أزال أحب عليا والحسن والحسين وفاطمة بعد أن سمعت ما قاله رسول الله فيهم فلقد رأيتنى ذات يوم وقد جئت النبي فى بيت أم سلمة فجاء الحسن فأجلسه على فخذه الأيمن وقبله ،ثم جاء الحسين فأجلسه على فخذه الأيسر فقبله ثم جاءت فاطمة فأجلسها بين يديه ثم دعا بعلي ثم قال : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فغشيت المجلس سحابة من الكآبة والحزن العميق لما حل بآل البيت الطاهرين من المحن والنكبات . ثم تقدم أحد الأنذال من أهل الشام وأشار إلى فاطمة بنت علي وقال : ياأمير المؤمنين هب لى هذه الجارية وكانت فتاة وضيئة المحيا مشرقة الطلعة فأرعدت وتعلقت بثياب أختها السيدة زينب مستنجدة بها فصاحت السيدة زينب رضى الله عنها ثائرة غاضبة وقالت : كذبت ولؤمت ... ما ذلك لك ولا له .
فاستشاط يزيد غضبا ورد عليها قائلا : كذبت .... والله إن ذلك لى . ولو شئت أن أفعله لفعلت فردت عليه السيدة زينب متحدية له : كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج ملتنا وتدين بغير ديننا . فاشتد غيظ يزيد وقال مهددا متوعدا : إياي تستقبلين بهذا !! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك . فاستمرت السيدة زينب فى تأنيبها له على عقوقه وجحوده وإنكاره لفضل البيت النبوي عليه قائلة : بدين الله ودين جدي وأبى وأخى اهتديت أنت وأبوك وجدك .
فتمادى فى وقاحته قائلا : كذبت ياعدوة الله ! فقالت : أنت أمير مسلط ، وتشتم ظالما وتقهر بسلطانك . فأطرق فى خجل واستخذاء بعد أن أفحمته وألزمته الحجة حتى ان الشامي حين أعاد طلبه إليه نهره قائلا : أغرب وهب الله لك حتفا قاضيا .
ثم أمر يزيد باحضار رأس الإمام الحسين فوضعت بين يديه شامتا ومتشفيا وأخذ ينكث الفم الشريف بقطعة حديد فى يده وهو يقول فى صلف وغرور إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام المرى : نفلق هاما من رجال أعزة *** علينا وهم كانوا أعتق وأظلم
ثم التفت إلى من حوله وقال : أتدرون من أين أتى هذا ابن فاطمة وما الحامل له على مافعل ؟ يزعم أن أباه خير من أبى وأن أمة خير من أمى وأن جده خير من جدى وأنه خير منى وأحق بهذا الأمر منى ...لكنه لم يقرأ قوله تعالى ( قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير انك على كل شيء قدير ) .
ولا يخفى ما فى استشهاده بالآية الكريمة من مغالطة بينة وادعاء كاذب وتمثيل بحق أريد به باطل ... على أن هذا الاحتجاج ليس بجديد فقد سبق أبوه به حينما كان يرد على الإمام علي فى الخلافة . وهنا نهض رجل من أصحاب رسول الله هو( أبو برزة الأسلمي ) غاضبا وناقما وساخطا على يزيد عبثه بالرأس الشريف وصاح بصوت تخنقه العبرات : أتنكث بقضيبك فى ثغر الحسين ؟ والله لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا رأيت رسول الله يرشفه ... أما انك يازيد تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجئ هذا يوم القيامة وشفيعه محمد ... وغادر المجلس أسفا حزينا باكيا . أما السيدة زينب لم تطق رؤية هذا المنظر الفاجع ولم تستطع الصبر عليه فقد انفجرت ثائرة منددة وناقمة ساخطة قائلة : أظننت يازيد وقد أخذ علينا بأطراف الأرض وأكناف السماء فأصبحنا نساق كما يساق الأسارى أن بنا هوانا على الله وبك عليه كرامة وأن هذا لعظيم خطرك فشمخت بأنفك ونظرت فى عطيفك جذلان فرحا حين رأيت الدنيا مستوثقة لك والأمور متسقة عليك ؟! ونسيت قول الحق تبارك وتعالى :(ولايحسبن الذين كفروا أنما نملى لهم خير لأنفسهم إنما نملى لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) ... أمن العدل يابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوق بنات رسول الله كالسبايا قد هتكت شعورهن وأبديت وجوههن ليس معهن من حماتهن حام ولا من رجالهن ولي ... وأنت تنكث ثنايا أبى عبد الله بمخصرتك ؟؟ والله ما فريت (يعنى قطعت) إلا فى جلدك ولا حززت إلا فى لحمك ... وسترد على رسول الله برغمك وعترته ولحمته فى حظيرة القدس يوم يجمع الله شملهم ملمومين من الشعث ( أي الانتشار والتفرق )وسيعلم من بوأك من رقاب المؤمنين ... إذا كان الحكم الله والخصم رسول الله وجوارحك شاهدة عليك فبئس للظالمين بدلا ... ( أيكم شر مكانا وأضعف جندا ) فلئن اتخذتنا مغنما لتتخذن مغرما حين لاتجد إلا ما قدمت يداك تستصرخ بابن مرجانة ويستصرخ بك وتتعاوى وأتباعك عند الميزان وقد وجدت أفضل زاد لك قتلك ذرية محمد فوالله ما اتقيت غير الله ولا شكوى إلا إلى الله فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لايدحض عنك عار ما أتيت إلينا أبدا يوم ينادى المنادى ( ألا لعنة الله على الظالمين ) والحمد لله الذى ختم بالسعادة والمغفرة لسادات شبان الجنان فأوجب لهم الجنة .. هكذا وجهت السيدة زينب هذه الكلمات وكأنها سهام حادة قذفت بها يزيد بن معاوية فأطرق برأسه وكأنه شعر بالخزى والعار ... وساد المجلس صمت رهيب وغشيه وجوم حزين ويزيد لايدرى ماذا يفعل فى هذا الموقف العصيب . وهنا نهض الصحابى ( النعمان بن بشير ) قائلا : ياأمير المؤمنين اعمل معهم كما كان يعمل معهم رسول الله لو رآهم على هذه الحال ..
فلان جانب يزيد واستشعر شيئا من الخزى والندم واستجاب فى غضاضة لرأى النعمان فأمر بفض المجلس وأصدر تعليماته بتوجيه السيدة زينب ومن معها إلى دار الحكم ومعهن علي بن الحسين حيث استقبلهن النساء من آل معاوية بالبكاء والنحيب وأخذن يواسين السيدة زينب ومن معها ويعزيهن ثم سألنها ومن معها عما سلب منهن فى كربلاء ورددن إليهن مثله وزيادة فكن بذالك أكرم من يزيد وحاشيته وأوفى منهم ذمة وعهدا...
وأقمن على المناحة ثلاثا .. ويروى أنه فى خلال هذه الفترة كان يزيد يطلب من سيدى علي زين العابدين أن يتغدى أو يتعشى معه . وذات يوما دعا عمر بن الحسن وهو غلام صغير ـ فقال له : أتقاتل هذا الفتى؟ (يقصد ابنه خالدا ) فقال : لا ولكن أعطنى سكينا وأعطه سكينا ثم أقاتله . فقال له يزيد شنشنة أعرفها من أخزم . هل تلد الحية إلا حية !! ويروى أن يزيد ومن كان فى مجلسه فوجئوا بأن خرجت عليهم من الحائط يد معها قلم من حديد فكتبت سطرا بدم : أترجو أمة قتلت حسينا ***** شفاعة جده يوم الحساب

الفرماوي
20-12-2004, 12:28
رحيل آل البيت إلى المدينة المنورة ومنها إلى مصر بعد مضى أيام قلائل قضاها آل البيت فى دار الحكم بدمشق وقلوبهم مليئة بالفجيعة والحزن ونفوسهم منفطرة لوعة وحسرة . ، أراد يزيد أن يوارى مااقترفة وأتباعه من بغى وبطش وعدوان فأخذ يتظاهر باللين والرفق ـ ولعل هذا كان بتأثير من بعض أهله ثم أمر النعمان بن بشير أن يجهزهم بما يصلحهم وأن يسيرهم إلى المدينة المنورة فى حراسة بعض الرجال ويقال أن يزيد حين ودع موكب آل البيت قال للإمام علي زين العابدين مجاملا ومتظاهرا بالندم والأسف : لعن الله ابن مرجانة (يقصد عبيد الله بن زياد ) أما والله لو أنى صاحب أبيك ما سألنى خصلة أبدا إلا أعطيته إياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدى ولكن الله قضى ما رأيت .... كاتبنى من المدينة وأنه إلى كل حاجة تكون لك ..... !
ثم تحرك الموكب الحزين متجها إلى المدينة المنورة وعلى رأسه السيدة زينب وسيدى على زين العابدين ومن بقى من آل البيت ...
وقد ظهر أن الحراس الذين رافقوا القافلة كانوا من أشد الناس حبا لآل البيت ووفاء لهم وتفانيا فى خدمتهم فى أدب وإخلاص حتى أن السيدة زينب رضي الله عنها أرادت أن تكافئ رئيسهم ببعض ما معها وما مع أختها ( فاطمة بنت علي ) من حلى فأبى أن يأخذ منها شيئا وقال : لو كان الذى صنعت إنما هو للدنيا لكان فى حليكم ما يرضينى ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله ... وهكذا يتجلى الإخلاص لله والوفاء لرسوله العظيم وآل بيته الكرام وقبل أن تصل القافلة التى تقل أهل البيت إلى المدينة المنورة أرسل سيدى علي زين العابدين مندوبا عنه يخبر أهلها وينادى فى الأسواق قائلا : أن علي بن الحسين وعماته وبنى عمومته قد قدموا إليكم .
وما أن أشرفت القافلة على المدينة حتى خرج أهلها فى سواد الحداد لاستقبال آل البيت بالبكاء والنحيب وقد تفطرت القلوب حزنا وجزعا من هول ماحدث ، إذ أن الفاجعة كانت أكبر من أن يتحملها أهل المدينة . ورآى نساء آل البيت هذه المظاهرة الحزينة فصرخت السيدة زينب وباقى النساء وارتفع العويل والصياح وأجهش الجميع بالبكاء وهم يرددون : واحسيناه .. واحسيناه ..! واحبيباه ... وا حبيباه ..! وهاجت الشجون فخرجت من بين الجموع الحزينة السيدة بنت عقيل بن أبى طالب ضمن بعض النسوة ، ناشرة شعرها وهن يندبن ويولولن ثم أخذت تنشد :
ماذا تقولون إن قال النبي لكم **** ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتى وبأهلى بعد مفتقدى **** منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائى إذ نصحت لكم * أن تخلفونى بسوء فى ذوى رحمى
وانطلق الموكب حتى أناخ بباب مسجد رسول الله حيث وقفت السيدة أم كلثوم أمام مقام جدها تبكى وتقول : السلام عليك يا جداه ، أنى ناعية إليك ابنك الحسين .
ثم ساد المدينة كلها جو غائم بالأسى والحزن وارتفعت فى كل نواحيها صيحات السخط والاستنكار حتى إن أحد الشعراء قام يندد ببشاعة ما اقترفه المجرمون ويرثى الإمام قائلا : جاءوا برأسك يابن بنت محمد *** متزملا بدمائه تزميلا
وكأنما بك يابن بنت محمد *** قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ... ولم يتدبروا *** فى قتلك القرآن والتنزيلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما *** قتلوا بك التكبيرا والتهليلا
ويرى أن السيدة أم سلمة زوج النبي حين أتاها نبأ استشهاد الإمام الحسين بكت وعلا نحيبها ، ودعت على القتلة الفجار قائلة : قد فعلوها .....! ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ... ثم وقعت مغشيا عليها . كما يروى أن أحد رجال أهل المدينة فى صبيحة استشهاد الإمام سمع صوتا يعزى قائلا : أيها القاتلون جهلا حسينا *** أبشروا بالعذاب والتنكيلا
كل أهل السماء يدعو عليكم *** من نبي ومالك وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن دا *** ود وموسى وحامل الإنجيل
وظل أهل المدينة ومن حولها يفدون على بيوت آل النبي ، مواسين ومعزين ، ويستمعون إلى ما تقصه عليهم السيدة زينب من حديث المأساة والفجيعة التى حلت بآل البيت فأودت بحياة سيد شباب أهل الجنة ، وثمانية عشر من آل البيت النبوي وستين من أصحاب الإمام الحسين الذين ضحوا بأرواحهم فى سبيل نصرته والوقوف بجانبه حتى اختارهم الله إلى جواره مع الصديقين والشهداء والأبرار وحسن أولئك رفيقا . كانت السيدة زينب رضى الله تعالى عنها وأرضاها موضع الإجلال والحب والتقدير من أهل المدينة . ولقد كان مشهودا لها برجاحة العقل وفصاحة اللسان وقوة التأثير وروعة التصوير فكانت تشرح للوافدين لتعزيتها الفاجعة التى حدثت لآل البيت وتصور المأساة وتوضح فظاعتها فكانت تهز القلوب هزا وتملأ النفوس بالسخط والغضب على الجناة مقترفى هذه الجريمة التى لم يحدث فى تاريخ الاسلام مثلها أبدا والتى ارتكبها هؤلاء البغاة الذين لايخافون ربهم والذين وقفوا موقف العداوة الصارخة من الله ورسوله .. مما أقض مضاجع الطغاة من بنى أمية وأثار الفزع فى نفوسهم وخاصة بعد أن خطبت رضى الله عنها فى الناس وطالبتهم بالقصاص وأخذ الثأر من الجناة فبلغ ذلك والي المدينة (عمرو بن سعيد ) الذى كتب بشأنها إلى يزيد بن معاوية يعلمه الخبر فكتب إليه يزيد يأمره أن يفرق بينها وبين أهل المدينة لأن وجودها مهيج للخواطر فطلب منها والي المدينة الخروج منها والإقامة حيث تشاء فقالت رضى الله عنها : قد علم الله ما صرنا إليه قتل خيرنا وسقنا كما تساق الأنعام وحملنا على الأقتاب . فوالله لاخرجنا وان اهرقت دماؤنا . فتدخلت السيدة زينب بنت عقيل وأخذت ترجوها وتقول : ياابنة عماه قد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوأ منها حيث نشاء فطيبى نفسا وقرى عينا وسيجزى الله الظالمين ... أتريدين بعد هذا هوانا ؟ ارحلي إلى بلد آمن .
وكانت السيدة زينب راجحة العقل لبيبة ذكية وأخذت تستمع إلى نساء بنى هاشم اللأي اجتمعن حولها يواسينها ويتلطفن معها ويعرضن عليها مشورتهن . ورأت السيدة العقيلة الطاهرة أن مصر فيها أحباب لرسول الله وآل البيت الطاهرين تهفو قلوبهم دائما إليهم ، فاختارت الهجرة إلى مصر فجهزوها هى ومن أراد السفر معها من نساء بنى هاشم ، فتعلقت بها فاطمة النبوية وأختها سكينة (ابنتا الحسين ) وبعض إمائها وأبين أن يفارقنها .
وقد قطعت السيدة زينب ومن معها هذه الرحلة الشاقة على أقتاب الجمال . وحينما دخلت الديار المصرية ووصلت إلى قرية العباسة ( القريبة من بلبيس بمحافظة الشرقية ) وعلم المصريون بقدومها إليهم هبوا جميعا خارجين لاستقبالها بما يليق بها من الحفاوة والتكريم يتقدمهم الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري والعلماء والقضاة والأعيان والتجار والصناع والفلاحون واستقبلوها حفاة الأقدام إجلالا وتقديرا لمنزلتها وتعظيما لشخصها وتقدم إليها مسلمة بن مخلد وعبد الله بن الحارث وأبو عميرة المزنى فقدموا لها أصدق العزاء فى استشهاد الإمام الحسين وشباب أهل البيت الأطهار فبكت وبكى الحاضرون جميعا فقالت لهم (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) وقد وافق دخولها مصر أول هلال شعبان سنة إحدى وستين من الهجرة . وقد تنازل لها الوالي مسلمة بن مخلد عن الدار التى أقامت بها وكان يتوافد المصريون على مجلسها وفى مقدمتهم أهل الفضل والعلم ، يستمعون منها إلى تفسيرها لآيات القرآن الكريم وأحاديث جدها وسيرة أهل البيت الأطهار وينتفعون بما تفيضه عليهم من فقه وعلن وبما ورثته عن جدها وما تعلمته من أمها الزهراء وأبيها الإمام علي .
وكان مجلسها العامر مشرقا بأنوار النبوة محفوفا بأجنحة الملائكة ، موصولا بنور السماء وكانت رضى الله عنها ــ إلى ذلك كله . وادعة الطبع واسعة الصدر كريمة الخلق صافية النفس نقية السريرة طاهرة القلب طيبة الشمائل . ولقد ظلت على هذا الحال قانتة عابدة تالية للذكر الحكيم صوامة قوامة ضارعة داعية بما حفظته من مأثور دعاء جدها على نحو ما تقول : يا من لبس العز وتردى به سبحان من تعطف بالمجد وتحلى به سبحان من لاينبغى التسبيح إلا له سبحان من أحصى كل شيئ عددا بعلمه سبحان ذى العزة والنعم سبحان ذى القدرة والكرم سبحان ذى المن والنعم ..... اللهم أنى أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامات التى تمت صدقا وعدلا أن تصلى على محمد وعلى آل محمد الطيبين الطاهرين ، وأن تجمع لى خيرى الدنيا والآخرة برحمتك ياأرحم الراحمين .
كما كانت تتضرع ببعض الأدعية ومنها : وكم لله من لطف خفى *** يدق خفاه عن فهم الذكى
وكم يسر أتى من بعد عسر *** وفرج كربة القلب الشجى
وكم أمر تساء به صباحا *** فتأتيك المسرة بالعشى إذا ضاقت بك الأحوال يوما *** فثق بالواحد الفرد العلى
توسل بالنبي .. فكل خطب *** يهون إذا توسل بالنبي
ولاتجزع إذا ما ناب خطب *** فكم لله من لطف خفى
وللسيدة زينب كثير من الكرامات ويروى أنها حينما اختارت مصر وعزمت على الهجرة إليها ، سألها عمرو بن سعيد والي المدينة لماذا اخترت مصر ؟ فأجابته : لأكون وأنا فى برزخى بعد سنين ستمضى فى شرف استقبال رأس الحسين الذى سودتم تاريخكم بدمه الطاهر البريء . وهذه الكرامة الخارقة أظهرها الله سبحانه وتعالى على يد السيدة زينب وتحققت بعد مئات السنين وظلت رضى الله عنها بين المصريين منارة الهدى وملاذ للمحبين لآل البيت الطاهرين . ويشعر أهل مصر نحوها بالقداسة والمحبة والخشوع وبأنها رمز للطهر والبسالة والتضحية والفداء وبأن الله سبحانه وتعالى قد أكرمهم بأن شرف أرض مصر فجعل مقامها فيها وفى ذلك يقول القائل :
لذ فى الشدائد بابنة الزهراء *** واقصد حماها توق كل عناء
هى زينب ذات المقامات العلى *** وكريمة الأجداد والآباء
هى ربة الشورى وغوث من التجا *** بنت الإمام وفارس الهيجاء
وقد مكثت رضى الله عنها زهاء عام على هذا الحال ،حتى اختارها الله إلى جواره ، وصعدت روحها الطاهرة إلى بارئها عشية الأحد لخمسة عشر يوما مضت من رجب سنة 62هـ ودفنت بمحل سكناها الذى أقيم عليه مسجدها المعروف الآن بالقاهرة وقد نقش على ضريحها الأبيات:
هذا ضريح شقيقة القمرين *** بنت الإمام شريفة الأبوين
وسليلة الزهراء بضعة أحمد *** نور الوجود وسيد الثقلين
نسب كريم للفصيحة زينب *** شمس الضحى وكريمة الدارين
وبعد مرور عام على وفتها وفى نفس اليوم الذى توفيت فيه اجتمع أهل مصر وفى مقدمتهم الشيوخ والفقهاء والقراء وأقاموا لها المولد الزينبى الذى يتم فى شهر رجب من كل عام وهناك فى رحابها تستجاب الدعوات وتتنزل الرحمات من رب الأرض والسموات ويقصدها ملايين الزائرين متضرعين إلى الله خاشعين وهائمين فى محبة رسول الله وآل بيته الطاهرين ويقفون أمام ضريحها فى خشوع وإجلال يهمسون بالدعوات وتنحدر من عيونهم العبرات .
سلام عليك ياسيدتى يا حفيدة رسول الله يا بنت سيدة نساء أهل الجنة وبنت الإمام علي المرتضى أمير المؤمنين وشقيقة مولانا الإمام الحسن و الإمام الحسين سيدي شباب أهل الجنة رضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين . سلام إلى روحك الطاهرة فى الخالدين ونعاهدك على أن نظل لك ولآل البيت والإسلام خداما أوفياء صادقين مخلصين حتى يجمعنا الله بكم يوم الدين ..

الفرماوي
20-12-2004, 12:30
ثورة المدينة المنورة ومكة المكرمة
بعد رحيل السيدة زينب إلى مصر ازداد الجو فى المدينة توترا وكآبة واشتد غضب الناس وسخطهم لكل ما حدث وأحسوا بفراغ كبير كان يشغله الإمام الحسين أول الأمر ثم السيدة زينب بعد استشهاده فامتلأت نفوسهم حنقا . وازدادت نقمة الناس على الوالي البغيض (عمرو بن سعيد بن العاص ) فجأروا بالشكوى منه وضاقوا بحكمه مما اضطر يزيد بن معاوية إلى خلعه وتولية عثمان بن محمد بن أبى سفيان واليا على المدينة بدلا منه أملا فى تهدئة النفوس الثائرة وإخماد الثورة المشتعلة .. وحاول الوالي الجديد استقطاب الناس واستمالتهم بسياسة اللين والعطاء حتى انه أرسل وفدا من أهل المدينة إلى يزيد فاستقبلهم أحسن استقبال وأجزل لهم العطايا والهبات ولمن هذه المحاولات التى حاولها هؤلاء باءت بالفشل إذ أن فجيعتهم فى الإمام الحسين ومصيبتهم فى آل بيته كانت أعظم من أن يعوضها مال أو تنسيهم عنها محاولات الاسترضاء ... وهكذا ظل أهل المدينة فى ثورتهم وحنقهم وغضبهم وسخطهم ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا التخلص من الأمويين وولاتهم وأعلنوا الثورة عليهم جميعا وحاصروا والى المدينة ومن تبعه من الأمويين فى دار مروان بن الحكم . فأرسل يزيد جيشا بقيادة أحد طغاته (مسلم بن عقبة ) المعروف بقسوته وجبروته رغم كبر سنه وأمره بأن يستعمل كل وسائل الشدة والعنف دون هوادة أو رحمة وكان مما قاله له : أدع القوم ثلاثا فان رجعوا إلى الطاعة فا قبل منهم وكف عنهم وآلا فاستعن بالله وقاتلهم وإذا ظهرت عليهم فأبح المدينة ثلاثا قتل وحرق ثم كف الناس . وأحاطت جيوش مسلم بالمدينة وحاصروها حصارا شديدا إلا أن أهلها رفضوا الاستسلام فأقتحمها مسلم بجيوشه وقتل أشرافها وقراءها وفيهم الكثير من الصحابة الكرام وأبنائهم كما نهب أموالها ثم أباحها ثلاثة أيام جرت فيها الدماء أنهارا وقتل الأطفال والنساء وهتكت الأعراض والحرمات وهدمت الدور ونهبت الأموال وارتكبت الجرائم التى تقشعر منها الأبدان
ثورة مكة المكرمة
ولما بلغ يزيد ثورة أهل مكة الكرمة أمر قائده هذا أن يتوجه إلى مكة وإخماد الثائرين بها واستخلاصها من عبد الله بن الزبير . وفى أثناء سير مسلم هذا إلى مكة هلك فى الطريق اثر إصابته بمرض خطير انتقاما من الله عز وجل . فتبعه أهل الموتورين من أهل المدينة فأخرجوا جثته وأحرقوها . و تولى القيادة من بعده ( الحصين بن نمير ) الذى حاصر البلد الحرام حصارا شديدا وضيق على أهله طوال شهرين متتابعين وضرب الكعبة المشرفة بالمجانيق وأخذ يرميها بالأحجار والنيران حتى احترقت أستارها وأخشابها وتهدمت جدرانها .
ومع كل هذا فان عبد الله بن الزبير استبسل هو ومن معه فى الدفاع عن البيت العتيق ولم يمكن هؤلاء المعتدين من اقتحام البلد الحرام بل وارتد جيش المعتدين خائبا صاغرا عدة مرات إلى أن تمكن من القبض على عبد الله بن الزبير وقتله وصلبه .
وفى هذه الأثناء ظن يزيد بن معاوية أن عبد الله بن عباس وكان مقيما فى مكة ــ لم يبايع ابن الزبير احتفاظا ببيعته ليزيد ووفاء بعهده فبعث إليه بخطاب يشكره فيه على ما ظنه من بيعة ووفاء ويعده بأن يحفظ له هذا الجميل .
فرد عليه ابن عباس بخطاب طويل خيب فيه أمله فيه وكذب ظنونه وذكره بما اقترفه من جرم فى حق الحسين وآل البيت الطاهرين ... وكان مما قاله : .. أما تركى لبيعة ابن الزبير فوالله ما أرجو بذلك برك ولا حماك ... كيف وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام ؟!... غادرتهم خيولك بأمرك فى صعيد واحد مزملين بالدماء مسلوبين بالعراء مقتولين بالظمأ تسفى عليهم الرياح ... ولست أنسى مطاردتك للحسين من حرم رسول الله إلى حرم الله بمكة . وتسييرك الخيول إليه وما زلت كذلك حتى أشخصته إلى العراق فنزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله ولأهل بيته فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة فاغتنمتم قلة أنصاره واستأصلتم أهل بيته وتعاونتم عليه فلا يعجبك أن ظفرت به اليوم فلنظفرن بك يوما ... والسلام .
وبعد ضرب الكعبة بإحدى عشر يوما وصلت أنباء بهلاك يزيد بن معاوية حيث نزل به سخط الله ونقمته وقصف الله شبابه ولم يتجاوز الثامنة والثلاثين من عمره عليه لعنة الله وجميع من والاه وهكذا أخذت عدالة السماء طريقها للقصاص العادل من هؤلاء الجبابرة الطغاة الظالمي *



العدالة الإلهية عرفنا ما وقع للإمام الحسين من تعذيب وتنكيل ،وعرفنا إلى أي حد أسرف الظالمون له فى استباحة دمه ، والتمثيل بجثته والتنكيل بأهل بيته ، مما يدل على مقدار ماران على قلوبهم من الظلم والعدوان والبطش والطغيان حتى اقترفوا تلك الجرائم التي اقشعرت منها الأبدان وفتت الأكباد وأحرقت القلوب وزلزلت جنبات الأرض واهتزت لها السماء

الفرماوي
20-12-2004, 12:34
فهل نامت عدالة السماء عن هؤلاء الطغاة ؟ وهل نجوا من عقاب الله فى الدنيا قبل الآخرة ؟
كـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــلا!!!!! ...
فقد قال الله تعالى فى شأنهم وشأن أمثالهم :
) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ) وقال تعالى : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )( ويقول رسول الله : إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) وفى الحديث القدسي ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) وسيدنا الإمام الحسين سيد أولياء الله . ولقد دعا الإمام الحسين على أعدائه هؤلاء فكان مما قال :اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تذر على الأرض منهم أحدا ... والرسول الكريم يقول (اتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب ) وإذا كان الله سبحانه وتعالى يدخر لبعض الظالمين عذابهم فى الآخرة وحسابهم يوم الدين فقد عجل لبعضهم بعض العذاب فى الدنيا قبل أن يلاقوا سوء المصير فى الآخرة وسوف نرى غضب الله تعالى على المعتدين وكيف حلت نقمته بهم جزاء وفاقا .
( ... إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) * ( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أ ليم ) . ( يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم ) . (ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى ) . ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ) .
وهكذا لم تنم العدالة الإلهية عن هؤلاء الآثمين الذين أسرفوا فى ظلم الإمام الحسين والتمثيل به وبآل بيته وأصحابه فإلى جانب ما أعد الله لهم من العذاب الشديد فى الآخرة عجل لهم فى الدنيا عقوبته وأنزل بهم سخطه وانتقامه ولم يقتصر هذا الانتقام على من باشروا قتله أو التمثيل به وبأهله وإنما شمل كل من أمرهم باقتراف هذا الإثم أو ناصرهم فيه أو أيده أو رضي عنه . فلم يبق أحد من هؤلاء جميعا إلا عوقب فى الدنيا بقتل أو عمى أو سواد وجه أو زوال ملك فى مدة يسيرة ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) (1) يروى لنا أن عبد الله بن الحصين نادى على الإمام الحسين وقت محاربتهم له ومنعهم الماء عنه ــ قائلا : يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء . والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا . فقال الحسين : اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا فكان ذلك الخبيث يشرب الماء حتى يبغر ( أي بغر ــ بغرا : عطش فلم يروه الماء ) ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى وما زال هذا دأبه حتى لفظ أنفاسه .. (2) ويروى أن رجلا علق رأس الإمام الحسين فى رقبة فرسه فرؤى بعد أيام ووجهه أشد سواد من القار (الزفت ) فقيل له انك كنت أنضر العرب وجها ، فقال ما مرت على ليلة من حين حملت تلك الرأس إلا واثنان يأخذان بضبعي ( أى تحت إبطه ) ثم ينتهيان بي إلى نار تؤجج فيدفعاني فيها وأنا أنكص فتسفعنى كما ترى .... وقد مات هذا الرجل وهو على أقبح حال .
(3) وكان عبد الله بن حوزة يتقدم الصفوف فى أثناء المعركة وينادى على الحسين قائلا يا حسين أبشر بالنار فأجابه الإمام الحسين كلا ... ويحك ... أنى أقدم على رب غفور وشفيع مطاع فمن أنت ؟ فأجابه الشقي : أنا بن حوزة . فدعا عليه الإمام الحسين بقوله : اللهم حزه إلى النار . فغضب ابن حوزة وأراد أن يندفع بفرسه نحو الإمام ، فجالت فسقط عنها ، وبقى جانب منه معلقا بالركاب فشد عليه مسلم بن عوسجة (من أصحاب الحسين ) وضربه ضربة أطارت رجله اليمنى ثم جمحت به فرسه فما مر بحجر إلا أصابه فى رأسه حتى مات فى أبشع صورة بعد أن تناثرت عظام رأسه .
ولما رأى أحد أصحابه من جنود الأعداء ذلك عاد إلى صوابه واتعظ بما رأى وترك الميدان وآلي أن لا يقاتل أحدا من آل البيت .
(4)أما الحصين بن تميم فقد عرفنا فى أثناء المعركة أنه حال بين الإمام الحسين وبين الماء . ولم يكد الإمام يتناول غرفة من الماء بعد جهد جهيد حتى رماه بسهم وقع فى فمه وأسال دمه . فدعا عليه الإمام الحسين واستجاب الله دعائه حيث عاش هذا الشقي بعد ذلك لا يروى ظمأ ولا يشفى غلة فكلما شرب ماء أو لبنا ازداد ظمؤه واشتدت غلته وأخذ يصيح : اسقونى ويلكم فقد قتلنى الظمأ وظل على هذا الحال لايشبع ولا يرتوى حتى انقدت بطنه ( أى انشقت وتقطعت ) انقداد البعير ..... ومات على هذه الحال .
(5) أما الذى احتز رأس الإمام الحسين وهو ذلك المجرم الأثيم ( سنان بن أنس ) الذى حملها إلى ابن زياد مفاخرا بما اقترف وطلب من أجر ما اكتسب من الإثم فان الله جعل هلاكه على يد من اقترف الإثم له ــوهو ابن زياد ــ الذى غضب عليه حين أنشده شعرا يمجد فيه الحسين ونسبه قائلا : إملاء ركابي فضة وذهبا **** فقد قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا **** وخيرهم إذ يذكرون نسبا
فغضب وأمر بضرب عنقه .
(6) أما يزيد بن معاوية ــ وهو الذى اتسمت سياسته الخرقاء بالقسوة والاستهتار بالمقدسات والإسراف فى سفك الدماء والذى حدثت حوادث كربلاء بأمره وعلمه ورضاه والذى استباح مدينة رسول الله وأنزل القتل فى أبناء الصاحبة من المهاجرين والأنصار ثم ضرب الكعبة المشرفة بالمجانيق وحرق أستارها . وهو الذى لم يتورع عن الأمر بقتل الحسين ومن معه من أهل وأصحاب سعيا لاستئصال ذرية النبي وظنا منه أنه بذلك يوطد أركان ملكه حتى يصفو الجو له ولذريته من بعده . أما يزيد هذا فقد قضت عدالة المولى عز وجل وحكمته أن يعجل ببعض العقوبة له فى الدنيا فأذله بقهره وقصف عمره فلم تدم مدة ولايته سوى ثلاث سنوات وتسعة أشهر ثم مات وهو فى عنفوان شبابه وقوته ولقى حتفه سنة 64 هـ وعمره 38سنة وكان هلاكه بعد إحدى عشر ليلة من ضرب الكعبة المشرفة بالمجانيق ...!!
وقد شهد عليه أقرب الناس إليه ــ وهو ابنه ــ حيث اعتلى المنبر وقال : إن أبى قلد هذا الأمر وكان غير أهل له ونازع ابن بنت رسول الله فقصف الله عمره وانبتر عقبه دوني وصار فى قبره رهينا بذنوبه ....!!
وبهلاك يزيد بن معاوية اندلعت الثورات فى الحجاز والبصرة والكوفة فقد اجتمع الشيعة وكونوا جيش التوابين ، واشتعلت الثورة مطالبة بثارات الإمام الحسين ومن معه . فاستغل المختار بن عبيد الله الثقفي هذه الفرصة وأعلن أنه سيتولى الأخذ بثأر الحسين فانضم إليه التوابون وزعم للناس أنه يعمل بأمر محمد بن الحنفية بن الإمام علي ـ أخو سيدنا الحسين ثم أخذ يتتبع قتلة الحسين وحينما خرج عليه بعض أهل الكوفة هزمهم وأسر منهم ما يزيد على خمسمائة فلما عرضوا عليه قال ( انظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين فاقتلوه فقتلوا منهم 284رجلا ثم أخذ يطارد المجرمين الذين اشتركوا فى حرب سيدنا الحسين الواحد تلو الآخر .
(7) وهذا شمر بن ذى الجوشن وكان من أشد الناس عداوة لسيدنا الحسين وكان يحرض عليه كما حاول حرق فسطاطه على من فيه وأرهب النساء حتى دعا عليه الإمام قائلا : أحرقك الله بالنار.
وحينما بلغ الإعياء والجهد بالإمام أخذ شمر يصيح فى الجنود : ماذا تنتظرون بقتله ؟ ونظر إليه الإمام الحسين فتذكر حديث جده حيث قال ( كأنى أنظر إلى كلب أبقع يلغ فى دماء أهل بيتي ) وكان شمر قبيح الصورة ، أشبه ما يكون بالكلب الأبقع لما به من برص .
وكان شمر هذا من الذين اتجهت إليهم أنظار الثأر والانتقام وكانت نهايته من أسوء النهايات حيث وقع صريعا على أيدى رجال المختار وانهزم أصحابه ولم يكتف رجال المختار بقتله بل قطعوا رأسه وجعلوا الخيل تطأ صدره وظهره مثلما فعل مع بالإمام الحسين .!!
([/COLOR]

الفرماوي
20-12-2004, 12:36
8) ولقد وقع (مالك بن النسير الكندي ) فى يد المختار الثقفي ومعه رجلان آخران من اشتركوا فى حرب الإمام الحسين وقتله ومالك هذا هو الذى ضرب سيدنا الحسين على رأسه بالسيف ضربة قطعت البرنس وأدمت الرأس حتى امتلاء البرنس دما فدعا عليه الإمام الحسين قائلا : ( لا أكلت بها ولا شربت ..... وحشرك الله مع الظالمين ) ــ وحينما جئ بهم صاح فيهم المختار : أين الإمام الحسين ابن علي ؟! أدوا إلى الحسين !! قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه فى الصلاة !!! .... فقالوا : رحمك الله أمرنا بقتاله ونحن كارهون فامنن علينا واستبقنا . فقال لهم : فهل مننتم عليه واستبقيتموه وسقيتموه !! ثم التفت إلى أحدهم وقال له : هل أنت صاحب برنسه ؟ فلما قيل للمختار انه هو قال : اقطعوا يدي هذا ورجليه ودعوه يضطرب حتى يموت فلم يزل ينزف حتى مات بينما أمر المختار بضرب عنقى الآخرين .
(9) آما ( خولى بن يزيد الأصبحى ) حامل رأس الحسين إلى ابن زياد فقد ذهب إليه حرس المختار فوجدوه مختبئا بداره فأخرجوه وجاءوا به إلى المختار فأمر برده إلى داره وقتله بجانب أهله وهم يشهدون . ثم أحرقت جثته وصارت رمادا .
(10) ــ وينتهى بنا المطاف إلى عمر بن سعد بن آبى وقاص ذلك الذى باع أخرته بدنياه فقد كان يقود الجيش لقتال الإمام الحسين فاختار أن يكون على رأس الجيش على الرغم من تحذير كثير من الناس له حتى قال له بعضهم : والله لأن تخرج من سلطان الأرض كلها خير من أن تلقي الله بدم الحسين فتعصى ربك وتقطع رحمك ... ولكنه لم يستجب لنصح الناصحين ولم يحفل بتحذير المنذرين فخرج على رأس الجيش كما عرفنا من قبل . وكان أول ما فعله فى بدء المعركة أن رمى بسهم نحو أصحاب الحسين قائلا : اشهدوا لى عند الأمير أنى أول من رمى الحسين وأصحابه ثم توالى إيذاؤه للإمام الحسين وتضييقه عليه وحصاره له حتى منعه من الماء وحال بينه وبينه حتى بلغ العطش به وبالنساء والأطفال مبلغا عظيما وكان آخر جرائمه أن أمر بأن تطأ الخيل بحوافرها جسد الإمام الحسين حتى ألصقته بالأرض ثم انه أمر خولى بن يزيد بحمل رأسه إلى ابن زياد ....... فماذا كان مصيره ؟
حين تولى المختار الثقفي ولاية الكوفة عاش عمر بن سعد بن آبى وقاص خائفا يترقب فلا يهدأ له جفن ولا يستقر له مضجع ولا يستريح له بال وإنما ظل قلقا مذعورا يتوقع الفتك به والقضاء عليه فاضطر آخر الأمر الى أن يطلب الأمان من المختار فأعطاه الأمان الذى طلبه حتى لا يهرب ــ بينما هو يسر قتله ثم قال المختار لمن حوله : لأقتلن غدا رجلا عظيم القدمين غائر العينين مشرف الحاجبين يسر بقتله المؤمنون والملائكة المقربون .... فأرك عمر بن سعد أنه المقصود بهذا الكلام واشتد ذعره وأخذ يتنقل من مكان لآخر محاولا الهرب . ولكن المختار أرسل إليه رئيس حرسه الذى استطاع أن يحول بينه وبين الفرار وأن يجهز عليه وأن يحمل رأسه إلى المختار فوضعه بين يديه وفى مجلسه ابنه حفص بن عمر بن سعد ــ وقال له المختار : أتعرف هذا الرأس ؟ فاسترجع الابن وقال : ولاخير فى العيش بعده . فقال المختار : صدقت ....ثم أمر بضرب عنقه فلحق بأبيه . ووضع المختار رأسه بجانب رأس أبيه وقال : هذا بالحسين وهذا بعلي الأكبر ، ولا سواء ...... والله لو قتلت بالحسين ثلاثة أرباع قريش ما وفوا أنملة من أنامله .
(11) ــ وأخيرا يطالعا هذا النموذج من نماذج الشر والإثم ــ ذلك هو الفاجر الشرير (عبيد الله ابن زياد ) والي الكوفة وكان جبانا سفاكا للدماء مسرفا فى بطشه يمتلئ قلبه حقدا على كل عظيم وهو الذى أرسل الجيش لقتال الحسين وأصر على حربه والتضييق عليه وهو الذى أخذ ينكس بقضيبه فى فم الحسين حين حملت رأسه إليه وهو الذى أظهر الشماتة بقتله والتمثيل به والتشهير بآل بيته وغير ذلك من جرائمه البشعة التى أشرنا إليها من قبل .
فكيف كانت عدالة السماء معه ؟ وماذا كانت نهايته ؟.
لما استقر الأمر للمختار الثقفي كما عرفنا أخرج عبيد الله ابن زياد من العراق فلجأ إلى الشام ثم قاد جيشا الى الكوفة يريد استردادها من يد المختار فأرسل إليه المختار أحد قواده الكبار وهو ( ابن الأشتر النخعي ) فى سبعة ألاف رجل من المتحمسين والمطالبين بثأر الإمام الحسين فلما التقيا أخذ ابن الأشتر يحرض الناس على ابن زياد قائلا : هذا قاتل ابن بنت رسول الله قد جاءكم الله به وأمكنكم الله منه ... فانه قد فعل فى ابن بنت رسول الله مالم يفعله فرعون فى بنى إسرائيل .... هذا ابن زياد قاتل الحسين ، الذى حال بينه وبين ماء الفرات أن يشرب منه هو ونساؤه ومنعه أن ينصرف إلى بلده أو يأتى يزيد بن معاوية حتى قتله ... ويحكم !!! اشفوا صدوركم منه ،وارووا رماحكم وسيوفكم من دمه .... هذا الذى فعل فى آل نبيكم مافعل ، وقد جاءكم الله به . فهجم هؤلاء المؤمنون الشجعان على جيش ابن زياد على الرغم من قلتهم وكثرة رجال عدوهم فهزموا ابن زياد وجيشه شر هزيمة واستطاع ابن الأشتر أن يظفر بابن زياد فقتله شر قتله إذ ضربه بالسيف ضربة قدته نصفين .
ومن تمام العدالة أن يكون يوم قتله هو يوم عاشوراء الذى استشهد فيه الإمام الحسين قبل أربع سنوات وهكذا لقى الطاغية مصرعه وقطعت رأسه وأرسلت الى المختار الذى وضعها بين يديه فى نفس المكان الذى وضع فيه رأس الإمام الحين وكأنما يعيد التاريخ نفسه وان اختلفت الظروف والأشخاص . ويحدثنا ( عبد الملك بن عميرة ) قائلا :دخلت على ابن ذياد وبين يديه رأس الحسين على يرس فو الله ما لبثت إلا زمنا قليلا حتى دخلت على المختار الثقفي فوجدت رأس ابن زياد بين يديه على ترس فى نفس المكان . وكان قتل ابن زياد سنة 67هـ وهو فى ريعان الشباب . ومن أعجب ما يرويه الطبري عن العدالة الإلهية أن رأس ابن زياد حينما وضعت بين أصحابه وأنصاره شاهد الناس حية تدخل من فمه وتخرج من أنفه ثم تدخل من أنفه وتخرج من فمه ... وهكذا ظلت على هذا الحال والناس يتصايحون ويتعجبون .
هذه بعض صور القصاص العادل من اشتركوا فى مأساة الإمام الحسين وهى صور لاحصر لها ... وكيف لا ومقتل الإمام الحسين من أكبر المآسي وأفظع الجرائم التى مادت لها الأرض واهتزت لها السماء وفزعت القلوب واقشعرت الأبدان . وهكذا ظلت العدالة الإلهية تلاحق كل من اشترك فى هذه الجريمة أو أعان عليها حتى ليروى لنا الطبري أن جماعة تذاكروا أنه ما من أحد أعان على قتل الحسين إلا أصابه بلاء قبل أن يموت ، فقال شيخ كان حاضر : أنا أعنت عليه فما أصابني شيء ثم قام ليصلح سراجه ( أى مصباحه ) فأخذته نار السراج فجعل يصرخ : النار النار ... حتى أحرقته عن أخره ولم يتمكن أحد من إنقاذه .
وظلت العدالة الإلهية تتعقب المجرمين على مر الزمان حتى فى ذريتهم الشقية... فقد حدث بالكوفة مرض الجدري فى إحدى السنين فأصاب أهلها وعمي بسببه ألف وخمسمائة ممن حضروا مقتل الحسين . ولم تمض سوى ستين عاما حتى انهارت الدولة الأموية بأسرها ونهضت الدولة العباسية على أشلائها فأخذت تطارد فلول الأمويين وتضع السيف فيهم حتى لم يبق منهم إلا القليل ) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ( ..!!!!!


( أهم المراجع) ــ السير والملوك (أبى جعفر محمد الطبرى )
2 ــ البداية والنهايه (عماد الدين أبى الفدا بن كثير (
3 ــ سير أعلام النبلاء (شمس الدين الذهبى(
4ــ لطائف الممن والأخلاق ( سيدى عبد الوهاب الشعرانى(
5ــ أبو الشهداء ( عباس محمود العقاد(
6ـــالفتنة الكبرى (طه حسين )
7ــ الحسين عليه السلام (على جلال الحسيني (
8ــ مولانا الإمام الحسين ( حسن كامل الملطاوى)
9ــ سيد شباب أهل الجنة ( حسين محمد يوسف (
10ــ فاطمة الزهراء و الفاطميون ( عباس محمود العقاد (
11ــ الشرف المؤبد لآ ل محمد ( الشيخ يوسف بن اسماعيل النبهانى(
12ــ علم القلوب ( لأبى طالب المكى(
13ــ نور الأبصار فى مناقب آل بيت النبي المختار ( الشيخ سيد الشبلنجى(
14ــ فاطمة الزهراء ( توفيق أبو علم (
15ــ الصواعق المحرقة ( المحدث أحمد بن حجر الهيتمى المكى)
أعاد صياغتها و كتابتها بجمهورية مصر العربية: الشريف محمد بن علي بن أحمد آل طلحة
على مدى شهر رمضان المعظم لسنة 1425 من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأذكى السلام

الجواهري
30-12-2004, 22:10
حفظك الله ورعاك وحرسك وجعلك من السائرين على خط ابي الشهداء الامام الحسين عليه السلام واهل بيته الاطهار
وجعل ذلك في سجل حسناتك
وان شاء الله سازور الحسين في هذا الشهر ولك مني ان ازور بالنيابه عنك واصلي لك ركعتين الزياره ان شاء الله تعالى
ولاتنسانا من صالح دعائك يااخي
والسلام عليكم

هشام بن منصور
11-01-2005, 20:56
موضوع مهم وان أردت التبادل مثل هده المواضيع و شكرا

الفرماوي
21-01-2005, 23:08
الأخوة الأعزاء الحبيب الجواهرى : حفظك الله ورعاك وسدد على طريق الحق خطاك سررت غاية السرور بمرورك الكريم وأسئلكم الدعاء وكل عام وأنتم بخير أنت وجميع أهلنا فى العراق الحبيب جعلنا الله فداه بحق محمد وآل محمد ....... العزيز هشام بن منصور المحترم كل عام وأنت وجمبع أحبائك بخير وسلام talha1951@yahoo.com