هاني جبران
28-09-2004, 10:14
المفكرة
قصة قصيرة بقلم:
هاني جبران
في هذا اليوم، الموافق...، من شهر ...، من عام...، أظن أن الوقت كان ليلاً موغلا في الإبهام، أظن أن المكان كان شارعاً يقع على سطح الكرة الأرضية، أظن أن السماء كانت متجهمة في وجهي، أظن أن القمر والنجوم كانت محتجبة بأغطية سحابية رمادية، أظن أن الرياح كانت تزمجر غيظاً، أظن أن قطرات المطر كانت تصفعني مؤنبة: كنت أسير ثملا، تائهاً في مهامه التفكير، أترنح تارة إلى اليمين وتارة أخرى إلى الشمال، حيناً إلى الأمام وحيناً إلى الخلف، لا أعلم إلى أين المسير، فقد تمازجت الإتجاهات، وأصبحت الأصوات مشوشة أمام ناظري، والصور مبهمة في أذني، وفجأة يدوي رأسي دوياً هائلاً، لا أعلم مالذي اصطدم برأسي، أو بماذا اصطدم رأسي، وأشعر بشبح الموت يدنو مني، ويلقي بظلاله على عيني، ثم يتوقف عند قدمي، فيأمر الروح بالخروج والتي تمتثل للأمر صاغرة، وتهم بالرحيل.
وتخرج الروح من قمقمها عارية خجلة مترددة، أرنو إليها مبتسماً وهي ترتقي درجات غير مرئية، واذا بها تتوقف طويلا ناظرة إلى الأسفل بنظرات تختلف عن سابقاتها، فهي توحي بالعزم على الإتيان بأمر ما قبل مواصلة رحلة الصعود، نعم لقد قررت القيام برحلة سفلية قبل مواصلة رحلتها العلوية. تبدأ رحلتها في المشرحة، وأرى من خلالها الطبيب الشرعي وهو يعزف على جسدي سيمفونيته المعتادة التي مل تكرارها، ولكنه يعزفها بطريقة عنيفة، انه يتعامل مع جثتي كما يتعامل الجزار مع ثور قد أعياه حتى تمكن منه، وفجأة يظهر في الباب شخص يبدو من مظهره أنه ذو مقام رفيع، انه عالي الهامة، عريض المنكبين، ذو جبهة واسعة، له شاربان يخيل للناظر انهما قد وضعا بطريقة عشوائية، ويهمس في أذني الطبيب الذي يتوقف على الفور، ويشرع في كتابه تقريره، الذي يعزو سبب الوفاة إلى الإرهاق الشديد، الذي أدى بدوره إلى تباطؤ حاد في خفقان القلب، الذي أدى بدوره إلى الوفاة.
وتمرق الروح إلى الماضي القريب، فإذا هي في مزرعة مترامية الأطراف، واذا بي أرى الطبيب يعمل بيطرياً في حظيرة الكلاب، وصاحب الشارب الذي ألصق به سهوا يغدو ويروح مع غادة جميلة، تمتلك عينين نجلاوين، تسير بغنج ودلال، ترتدي أفخر الثياب، المرصعة بالياقوت والزبرجد والعقيق، إنها كلبة السيد المدللة التي تنحدر من سلالة عريقة يشهد لها التاريخ اعتماداً على شجرة العائلة. وتكون المقبرة هي محطة الروح التالية، فأراني وقد لففت بقماط من أخمص قدمي حتى عنقي، مسجى على الأرض، وقد اصطف قبالتي الوجهاء يتقدمهم رجل وقور، كان يقوم بحركات كانوا يكررونها باتقان ودقة شديدين، انه مشهد رهيب لم أر مثله في حياتي، وقبل أن تبرح الروح المكان، لفت انتباهها وأثار استغرابها شيء ما، فقد رأت في معدة الرجل الوقور كمية قليلة جداً من النبيذ المعتق.
وتعود الروح القهقري في رحلة في الزمن الماضي، فتعثر على هذا الرجل الوقور، وهو يجلس في قصر منيف، يجالس حورية جميلة في ليلة تضاهي الألف ليلة وليلة، فكؤوس النبيذ تقرع، والراقصات كالأغصان تتمايل، تهزها النشوى، ويستبد بها الطرب، والمغنيات يصدحن في تناغم يبعث القشعريرة في الجسم. وينهض الرجل الوقور، ويلقي بثوب الوقار جانباً، ويندفع بين الراقصات يصول ويجول، فيرقص مع الأولى، ويقبل الثانية، ويحتضن الثالثة، ويرمي النقود تحت أقدامهن، وعندما تقترب المعركة من النهاية، يكون قد وقع اختياره على احداهن لتكون رفيقة دربه، وشهرزاده في الليله القادمة. وتتسكع الروح في الطرقات، فإذا بها تمر ببيتي، فتعرج داخلة إليه، فأرى زوجتي وقد ارتدت الملابس السوداء، تنشج باكية، والدموع تفيض من مقلتيها أمواجاً، وتسيل على خديها أنهاراً، تتلألأ، تحت الضوء كحبات اللؤلؤ، وتقوم باستقبال جموع المعزين، الذين شرعوا في ترديد مرثياتهم العصماء، التي اجبروا قرائحهم أن تقيء بها، وعندما ياتي المساء، وتنفض الجموع، وتخلو هي إلى نفسها، أرى البسمة تشرق على ثغرها، ثم تبدأ بخلع الثياب السوداء وارتداء ابهى الثياب والزينة، فتصبح شهرزاد زمانها وأوانها.
وبعد دقائق يطرق الباب طرقاً منغماً، فتسرع وتفتح الباب، وإذا باطار الباب يشتمل على صورة لشاب ذو هيئة ملائكية قد أبدع من رسمها، فاندفع يحتضنها بشوق عارم، كمسافر في صحراء قاحلة لا حياة فيها، يسير أياماً وأياماً، ثم يرى أمامه زهرة يانعة جميلة وحيدة في بحر من الرمال الصفراء، فأخبرته بصوت متهدج وبراءة الأطفال في عينيها، لقد آن الأوان لجعل علاقتنا شرعية بعد أن زالت العقبة التي تحول دون ذلك. ثم ذهبت الروح إلى بيت الزعيم حامل لواء القضية، وحامي حمى الأمة، ومفرق جموع الأعداء، المناضل، المجاهد، المنتصر،...،...، فأراه عائداً لتوه بعد أن أبلى بلاءً حسناً في ملحمة خطابية في الوطنية والمبادىء الإنسانية، وأصالة فكره وقضيته، وعاصفة التصفيق ما زالت تقرع طبلتي اذنيه، ويلج قاعة الطعام، فيجلس جلسة فرعونية على مائدة عشاء عامرة بأصناف الطعام شرقيها وغربيها، يتبادل النكات والطرف والملح مع عدو القضية الذي يجلس قبالته، ويقهقه ضاحكاً حتى يكاد يستلقي على قفاه، وقد احمر وجهه، وتناثرت بقايا الطعام على شدقيه، انني لم أره من قبل يبتسم ما يشبه الإبتسامة، وبعد الإنتهاء من الطعام، يعقد اجتماعاً ( مزادا) سريا لبيع القضية في مقابل أن يكون هو العدو الأول (نظرياً) حتى يزداد رصيده الجماهيري، والرصيد اللازم لتمويل القضية.
وتغادر الروح قلعة الزعيم وتتريث في المسير مستعرضة المشاهد التي مرت بها، فتتنفس الصعداء، وتشعر بشيء من الراحة لأول مرة، بعد أن رأت أرواحاً أشد منها عرياً وأكثر امعاناً في الانحراف، وأقل قابلية للغفران، وأن أخطاءها لا تقاس بخطايا الأرواح الأخرى، فيزايلها التجهم والخجل اللذان ظلا يتصارعان منذ بدأ رحلتها، وتقرر أن لا مفر من مواصلة رحلة الصعود، فتندفع صاعدة بإصرار، وظلت تتباعد وتتضاءل حتى أصبحت نقطة وتلاشت النقطة، ومن هنا تبدأ رحلة أخرى.
هاني جبران
قصة قصيرة بقلم:
هاني جبران
في هذا اليوم، الموافق...، من شهر ...، من عام...، أظن أن الوقت كان ليلاً موغلا في الإبهام، أظن أن المكان كان شارعاً يقع على سطح الكرة الأرضية، أظن أن السماء كانت متجهمة في وجهي، أظن أن القمر والنجوم كانت محتجبة بأغطية سحابية رمادية، أظن أن الرياح كانت تزمجر غيظاً، أظن أن قطرات المطر كانت تصفعني مؤنبة: كنت أسير ثملا، تائهاً في مهامه التفكير، أترنح تارة إلى اليمين وتارة أخرى إلى الشمال، حيناً إلى الأمام وحيناً إلى الخلف، لا أعلم إلى أين المسير، فقد تمازجت الإتجاهات، وأصبحت الأصوات مشوشة أمام ناظري، والصور مبهمة في أذني، وفجأة يدوي رأسي دوياً هائلاً، لا أعلم مالذي اصطدم برأسي، أو بماذا اصطدم رأسي، وأشعر بشبح الموت يدنو مني، ويلقي بظلاله على عيني، ثم يتوقف عند قدمي، فيأمر الروح بالخروج والتي تمتثل للأمر صاغرة، وتهم بالرحيل.
وتخرج الروح من قمقمها عارية خجلة مترددة، أرنو إليها مبتسماً وهي ترتقي درجات غير مرئية، واذا بها تتوقف طويلا ناظرة إلى الأسفل بنظرات تختلف عن سابقاتها، فهي توحي بالعزم على الإتيان بأمر ما قبل مواصلة رحلة الصعود، نعم لقد قررت القيام برحلة سفلية قبل مواصلة رحلتها العلوية. تبدأ رحلتها في المشرحة، وأرى من خلالها الطبيب الشرعي وهو يعزف على جسدي سيمفونيته المعتادة التي مل تكرارها، ولكنه يعزفها بطريقة عنيفة، انه يتعامل مع جثتي كما يتعامل الجزار مع ثور قد أعياه حتى تمكن منه، وفجأة يظهر في الباب شخص يبدو من مظهره أنه ذو مقام رفيع، انه عالي الهامة، عريض المنكبين، ذو جبهة واسعة، له شاربان يخيل للناظر انهما قد وضعا بطريقة عشوائية، ويهمس في أذني الطبيب الذي يتوقف على الفور، ويشرع في كتابه تقريره، الذي يعزو سبب الوفاة إلى الإرهاق الشديد، الذي أدى بدوره إلى تباطؤ حاد في خفقان القلب، الذي أدى بدوره إلى الوفاة.
وتمرق الروح إلى الماضي القريب، فإذا هي في مزرعة مترامية الأطراف، واذا بي أرى الطبيب يعمل بيطرياً في حظيرة الكلاب، وصاحب الشارب الذي ألصق به سهوا يغدو ويروح مع غادة جميلة، تمتلك عينين نجلاوين، تسير بغنج ودلال، ترتدي أفخر الثياب، المرصعة بالياقوت والزبرجد والعقيق، إنها كلبة السيد المدللة التي تنحدر من سلالة عريقة يشهد لها التاريخ اعتماداً على شجرة العائلة. وتكون المقبرة هي محطة الروح التالية، فأراني وقد لففت بقماط من أخمص قدمي حتى عنقي، مسجى على الأرض، وقد اصطف قبالتي الوجهاء يتقدمهم رجل وقور، كان يقوم بحركات كانوا يكررونها باتقان ودقة شديدين، انه مشهد رهيب لم أر مثله في حياتي، وقبل أن تبرح الروح المكان، لفت انتباهها وأثار استغرابها شيء ما، فقد رأت في معدة الرجل الوقور كمية قليلة جداً من النبيذ المعتق.
وتعود الروح القهقري في رحلة في الزمن الماضي، فتعثر على هذا الرجل الوقور، وهو يجلس في قصر منيف، يجالس حورية جميلة في ليلة تضاهي الألف ليلة وليلة، فكؤوس النبيذ تقرع، والراقصات كالأغصان تتمايل، تهزها النشوى، ويستبد بها الطرب، والمغنيات يصدحن في تناغم يبعث القشعريرة في الجسم. وينهض الرجل الوقور، ويلقي بثوب الوقار جانباً، ويندفع بين الراقصات يصول ويجول، فيرقص مع الأولى، ويقبل الثانية، ويحتضن الثالثة، ويرمي النقود تحت أقدامهن، وعندما تقترب المعركة من النهاية، يكون قد وقع اختياره على احداهن لتكون رفيقة دربه، وشهرزاده في الليله القادمة. وتتسكع الروح في الطرقات، فإذا بها تمر ببيتي، فتعرج داخلة إليه، فأرى زوجتي وقد ارتدت الملابس السوداء، تنشج باكية، والدموع تفيض من مقلتيها أمواجاً، وتسيل على خديها أنهاراً، تتلألأ، تحت الضوء كحبات اللؤلؤ، وتقوم باستقبال جموع المعزين، الذين شرعوا في ترديد مرثياتهم العصماء، التي اجبروا قرائحهم أن تقيء بها، وعندما ياتي المساء، وتنفض الجموع، وتخلو هي إلى نفسها، أرى البسمة تشرق على ثغرها، ثم تبدأ بخلع الثياب السوداء وارتداء ابهى الثياب والزينة، فتصبح شهرزاد زمانها وأوانها.
وبعد دقائق يطرق الباب طرقاً منغماً، فتسرع وتفتح الباب، وإذا باطار الباب يشتمل على صورة لشاب ذو هيئة ملائكية قد أبدع من رسمها، فاندفع يحتضنها بشوق عارم، كمسافر في صحراء قاحلة لا حياة فيها، يسير أياماً وأياماً، ثم يرى أمامه زهرة يانعة جميلة وحيدة في بحر من الرمال الصفراء، فأخبرته بصوت متهدج وبراءة الأطفال في عينيها، لقد آن الأوان لجعل علاقتنا شرعية بعد أن زالت العقبة التي تحول دون ذلك. ثم ذهبت الروح إلى بيت الزعيم حامل لواء القضية، وحامي حمى الأمة، ومفرق جموع الأعداء، المناضل، المجاهد، المنتصر،...،...، فأراه عائداً لتوه بعد أن أبلى بلاءً حسناً في ملحمة خطابية في الوطنية والمبادىء الإنسانية، وأصالة فكره وقضيته، وعاصفة التصفيق ما زالت تقرع طبلتي اذنيه، ويلج قاعة الطعام، فيجلس جلسة فرعونية على مائدة عشاء عامرة بأصناف الطعام شرقيها وغربيها، يتبادل النكات والطرف والملح مع عدو القضية الذي يجلس قبالته، ويقهقه ضاحكاً حتى يكاد يستلقي على قفاه، وقد احمر وجهه، وتناثرت بقايا الطعام على شدقيه، انني لم أره من قبل يبتسم ما يشبه الإبتسامة، وبعد الإنتهاء من الطعام، يعقد اجتماعاً ( مزادا) سريا لبيع القضية في مقابل أن يكون هو العدو الأول (نظرياً) حتى يزداد رصيده الجماهيري، والرصيد اللازم لتمويل القضية.
وتغادر الروح قلعة الزعيم وتتريث في المسير مستعرضة المشاهد التي مرت بها، فتتنفس الصعداء، وتشعر بشيء من الراحة لأول مرة، بعد أن رأت أرواحاً أشد منها عرياً وأكثر امعاناً في الانحراف، وأقل قابلية للغفران، وأن أخطاءها لا تقاس بخطايا الأرواح الأخرى، فيزايلها التجهم والخجل اللذان ظلا يتصارعان منذ بدأ رحلتها، وتقرر أن لا مفر من مواصلة رحلة الصعود، فتندفع صاعدة بإصرار، وظلت تتباعد وتتضاءل حتى أصبحت نقطة وتلاشت النقطة، ومن هنا تبدأ رحلة أخرى.
هاني جبران