المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأم وابنتها.. مَنْ تربّي مَنْْ?


ليالي الصيف
12-07-2008, 12:59
في ظل الانفتاح الكبير الذي تشهده مجتمعاتنا


تحقيق: ميس أحمد
يقول أهل الشام: (( طب الجرّة على تمها تطلع البنت لأمها)) , بمعنى أنه مهما اختلفت حيثيات وطريقة التربية فإن البنت ستشبه أمها حتماً. ولكن اليوم, بحسب الكثير من الدراسات والمشاهدات, يبدو أننا سنترك (( الجرة )) كما هي, لأن المعادلة انقلبت رأساً على عقب, حيث باتت الأم تتأثر بابنتها, وفي بعض الأحيان تقلّدها. الذهاب إلى المقاهي, الاهتمام بالأزياء, ومتابعة كل جديد في التجميل, وحتى استحضار مفردات عصرية جداً لتصبح جزءاً من مفرداتها, كل هذه الأمور وغيرها بدأت تنقلها الفتاة لأمها, والثانية بدورها أصبحت تجاهد لاستيعاب كل هذا لتتمكّن من مواكبة ما يسمّونه تطوراً, وهنا يتجلّى السؤال: مَنْ تربّي مَنْ؟ وبصورة أخرى, من منهما تقلّد.. وتقتدي بالأخرى؟


ثمة دراسات غريبة حديثة توصّلت إلى نتيجة مفادها أن تلك العلاقة الحميمة التي تربط الفتاة بأمها قد اتّخذت في الفترة الأخيرة طابعاً تنافسياً لا يخلو من صراع - غير هدّام بالطبع - بل بنّاء, سعياً نحو تطور الطرفين.
وماذا عن مجتمعنا؟ إذا استبعدنا نتائج تلك الدراسات لاختلاف واقعنا وتركيبته الاجتماعية والنفسية عن مثيله في الغرب, أما زال بمقدورنا القول إن تأثير الأم على شخصية ابنتها لايزال قوياً إلى درجة تشكيلها كما في السابق؟
والسؤال الأهم: كيف يمكن للأم العصرية أن تجاري مظاهر التغيير الحالية وأن تقي ابنتها من الانزلاق في مساربها الخطيرة أحياناً؟ هل تضع لها خطوطاً حمر, أم تلجأ لأساليب أخرى؟ بالمقابل, ألا يمكن أن تتخذ العلاقة بين الأم وابنتها طابعاً عكسياً, بمعنى أن البنت هي التي باتت تؤثر على أمها, وإلا كيف يمكن أن نفسّر ميل بعض الأمهات نحو محاكاة بناتهن في طريقة لباسهن ومكياجهنّ واتباعهنّ لصرعات الموضة, وارتيادهنّ للمقاهي والنوادي بدعوى أنهن (أي الأمهات) لم يعشن هذه المظاهر في أيامهنّ السابقة, ومن حقهنّ الآن أن يتمتعن بها حتى ولو لم تكن تتناسب مع أعمارهنّ؟
أسئلة كثيرة وشائكة حاولنا أن نسلّّط الضوء عليها, ونستطلع حولها آراء بعض الأمهات في هذا التحقيق:
تيار جارف
تؤكد مديرة العلاقات العامة والتسويق في المركز العلمي السيدة نورية الفاضل أن العلاقة التي تربط الأم بابنتها قد تغيّرت فعلاً, كما تغيّرت الكثير من الأمور في حياتنا, والتي شبّهتها بالتيار الجارف, وتقول: (( ليست علاقتي بابنتي هي التي باتت تأخذ منحى آخر فقط, بل حتى علاقتي أنا بأمي قد تغيّرت, ولو بشكل محدود - بحكم إدراكي للمتغيرات التي طرأت على المجتمع - لكن مقارنة مع المرحلة العمرية لبنات الجيل الحالي أرى أن دخول التكنولوجيا والانفتاح الذي صاحبه كان له تأثير واضح على سلوكهنّ, غير أنه يبقى ضمن نطاق السيطرة..
ففي السابق كانت علاقة الأم بابنتها ضمن الحد الأدنى المطلوب, لكن اليوم المفروض أن يكون دور الأم نشطاً ومضاعفاً, وأن تكون أكثر حذراً ووعياً ومتابعة لابنتها. فالخوف حالياً ليس من مساحة الحرية التي باتت تتمتع بها البنت بحكم الانفتاح وتعدد مصادر المعلومات (فضائيات وإنترنت), فالتطور أمر حتمي في كل مجتمع, وإنما الخوف من ألا تستطيع الأم مجاراة هذا التطور, أو التسليم به كأمر واقع لا مجال لمجابهته.
من ناحية ثانية تستطيع الأم أن تضع لابنتها خطوطاً حمر عليها عدم تجاوزها, خصوصاً فيما يتعلّق بعلاقتها بالجنس الآخر, بحكم طبيعة مجتمعنا المحافظة والثوابت الدينية والقيمية الراسخة فيه. وهنا يتحتم عليها أن تقترب من منطق ابنتها وتتبادل معها الحوار لتفسح لها المجال لإبداء رأيها ووجهة نظرها بمنتهى الصراحة )).
حالة شاذة
تؤمن السيدة نورية بأن البنت مازالت تمثّل صورة عن أمها بحكم أنهما نشأتا في بيئة واحدة, وتؤكد: (( حتى لو اتخذت البنت مساراً مختلفاً في مرحلة عمرية معينة (في فترة المراهقة), إلا أنها ستعود حتماً إلى الصورة التي جسّدتها لها أمها, وستكون تلك المرحلة عابرة من عمرها )). وتضيف: (( لا تستطيع الأم اليوم إيقاف عجلة التطور, كما لا تستطيع فرض جميع قناعاتها على ابنتها, ولهذا عليها أن تتنازل قليلاً, وأن تغض النظر عن بعض الأمور (غير الجوهرية), فالاعتدال بات مطلوباً, ولا بد من إيجاد نقطة تلاقي بينهما, أي طريقة للتعامل مبنيّة على الثقة بشكل مقنع للبنت ومريح للأم.
أما فيما يتعلّق بما نراه حالياً من ميل بعض الأمهات نحو تقليد بناتهنّ في طريقة اللباس والمكياج واتّباع صرعات الموضة, فأعتقد أنها حالات شاذة ولا تمثّل قاعدة )).
مبادرات أمومية بنّاءة
من جهتها تؤكّد أستاذة اللغة العربية بجامعة الكويت - نائب رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان الدكتورة سهام الفريح أن الأم تبقى العنصر الأساسي في التنشئة السليمة, لذا عليها أن تعي أهمية دورها في رعاية أبنائها, بنين كانوا أم بنات, وإن كان تأثيرها بالغ الأهمية على البنات بسبب انتماء البنت والأم إلى الجنس نفسه الذي تتطابق فيه الكثير من النزعات والاحتياجات.
وتقول: (( مهما تطورت الحياة وانتقلت بنا من حال إلى حال, يبقى للأم دورها المؤثر والبليغ في تشكيل شخصيات أبنائها عامة وشخصيات بناتها بصورة خاصة, وليس بالضرورة أن يكون هذا التشكيل للبنت حسب رؤى الأم أو أن تكون البنت صورة من أمها أو صدى لها, فالأم الواعية لدورها سوف تتلمس حاجات ابنتها النفسية دون أن يغيب عن ذهنها أن الزمن الذي تعيشه ابنتها هو غير الزمن الذي عايشته أيام مراهقتها وشبابها, وخصوصاً في ظل هذه التحولات الشديدة التي يمرّ بها مجتمعنا. ولكي لا يحدث الصراع ولا التباعد بينهما على الأم أن تمنح ابنتها الثقة مع المراقبة عن بعد لتساعدها في اجتياز مرحلة النمو مع كل ما نعيشه من تناقضات بين قيم وتقاليد مجتمعنا ومستجدّات الحضارة المعارضة لها.
ولهذا يتعين على الأم أن تقترب من ابنتها وتتعامل معها كصديقة وفق طريقتها وأسلوبها, كأن تبادر في أخذ مشورة ابنتها في مشكلة تعاني منها لخلق حالة من الحوار والثقة التي ستفتح فضاءات واسعة من التقارب بينهما. ومن المبادرات البنّاءة أيضاً أن تتبادل الأم مع ابنتها بعض الحاجات (كعطرها مثلاً) أو أي شيء آخر لا يقتصر استخدامه على عمر معين.
أمر مرفوض
من ناحية ثانية ترى د. الفريح أن عناية الأم بمظهرها هو أمر إيجابي وليس سلبياً إذا كان في حدود المعقول, وتقول: (( إنّ الأم اليوم ليست ذاتها أم الأمس التي كانت حبيسة البيت, ولا دور لها سوى أنها زوجة وأم. فبعد أن نالت المرأة قسطاً وافراً من التعليم وخرجت إلى الحياة العامة لتساهم مساهمة فاعلة في بناء مجتمعها باتت العناية بمظهرها أمراً ضرورياً, أما مبالغة بعض الأمهات في ذلك بما لا يتناسب مع أعمارهنّ وشكلهنّ فهو أمر مرفوض, وكذلك الأمر بالنسبة لارتياد المقاهي والمطاعم على نحو باتت تهجر فيه المنازل لفترات طويلة )).
الأم المثالية
أما الكاتبة الدكتورة حصة الرفاعي فقد استدعت بيت الشعر المشهور:
الأم مدرسة إذا أعددتها
أعددت شعباً طيب الأعراق
لكي تدلل على أن الأم هي القدوة والمثل الأعلى لابنتها وهي التربة الخصبة التي تمدّها بالأسباب التي تعينها على الصمود في وجه رياح الانحراف الناجمة عن الفهم الخاطئ للتحضر, وتقول: (( دور الأم تحديداً نظراً لالتصاقها بابنتها, يكوّن العامل الأساسي في تشكيل صورة البنت, ورسم دورها في الحياة. وفي ظل التطور الحضاري المعاصر فإن التقارب بين الأم وابنتها والثقة المتبادلة القائمة على المكاشفة والصراحة هو بمثابة سلاح يحمي الفتاة من الانحراف والوقوع في هاوية الخطأ )).
وتشير د. الرفاعي إلى أنه على الرغم من تأثر مجتمعاتنا بالغرب سلباً وإيجاباً إلا أن التمسّك بالقيم الشرقية والدين يشكّلان عاملاً مهماً في الحفاظ على المجتمع, وواقياً له من الانحلال الذي يعاني منه المجتمع الغربي بشكل عام.
وتؤكد: (( علاقة الأم بابنتها تحكمها ظروف اجتماعية وثقافية معينة قابلة للتطور بتطور المجتمع, ولذلك لا بد لتلك العلاقة من أن تتواءم مع هذا التطور, والأم المثالية هي التي تدرك معنى هذا التغير الاجتماعي وتعي أبعاده, وفي الوقت نفسه تحافظ على حميمية العلاقة مع ابنتها وتهيئ لها مناخاً صحياً تترعرع في ظله دون عقد )).
عامل معزز
وحول اتباع بعض الأمهات لخطوط الموضة أو ارتياد الأماكن العامة المحترمة في حدود ما يتناسب مع أعمارهنّ, فلا ترى فيه د. حصة تقليداً من جانب الأم لابنتها, بل أمراً إيجابياً من شأنه أن يعزز العلاقة بينهما. وترى من ناحية ثانية: (( أن القول بإن البنت تجسّد صورة عن أمها هو قول يحتمل الصحة والخطأ, فالبنت يمكن أن تقلّد أمها في مرحلة الطفولة وتتخيلها الصورة المثالية, لكن بعد أن تشب عن الطوق تنفصل عن أمها وتبرز أفكارها التي تتمحور بالدرجة الأولى حول الذات المستقلة, لا سيما وأن مجتمعنا المعاصر يفتح أمامها عوالم جديدة من الثقافة والمعرفة الإنسانية متعددة المصادر.
والأم الواعية هي التي تلازم ابنتها وترعاها إبّان هذه التحوّلات الفكرية والنفسية ذات الأثر البالغ, ولا نقصد بالملازمة أن تصبح الأم ظلاً لابنتها, ولكن أن تكون متيقّظة لما تمرّ به من مشكلات وتعقيدات فتقدّم لها النصح والإرشاد عن طريق النقاش, وليس التعنيف. وهكذا تمضي الابنة على هدى تعاليم أمها الناجمة عن خبرة طويلة في الحياة, وتكون إلى حدّ ما صورة عنها )).
فجوة نفسية
أستاذة الأدب العربي الحديث بكلية الآداب بجامعة الكويت الدكتورة هيفاء السنعوسي ترى أن علاقة الأم بابنتها في ظل التطورات الحالية والانفتاح الواسع تحتاج إلى دراسة مستفيضة, وتقول: (( لقد لاحظت تزعزع هذه العلاقة من خلال علاقتي الحميمة بطلبتي, حيث أجد أن كثيراً من الطالبات يطوّرن علاقاتهنّ مع صديقاتهنّ أكثر من علاقاتهنّ مع أمهاتهنّ, مع أنه من المفروض أن يأتي دور الصديقة مكمّلاً ومتناغماً مع علاقة الأم, مما يدل على أن هناك فجوة نفسية تهدد العلاقات الحميمة بين أفراد الأسرة )).
لا خطوط حمر
انطلاقاً من المنطق القائل بأن كل إنسان وليد عصره, تشير د. السنعوسي إلى أنه من الطبيعي أن تعيش الفتاة عصرها بكل تفاصيله, مؤكدة في الوقت نفسه أن (( هذا لا يمنع أن تبقى الأم قدوة بمعنى أن تواكب الفتاة التطور, ولا تخرج عن خط أمها نفسه في الوقت ذاته, وتقول: (( وجود علاقة خاصة وحميمة بين الأم وابنتها من الضوابط المهمة في التربية السليمة ولا أظن أن هناك خطوطاً حمر فيها بل شكلاً من أشكال الانضباط في منح الحرية للبنت بما يتلاءم مع عاداتنا وتقاليدنا الإسلامية )).
الجوهر
وتعليقاً على ميل بعض الأمهات نحو تقليد بناتهنّ في اللباس والمكياج, تقول د. هيفاء إن هذه المشاهد لفتت انتباهها, وهي تعزيها إلى أمرين: إما تحت مطالبة الأزواج لهنّ بالتجديد تحت طائلة التهديد بالزواج من أخريات, أو احتيالاً على خطوط الزمن التي أخذت تزحف على وجوههنّ. وفي كلتا الحالتين تنصحهنّ بالالتفات إلى الجوهر (( بتثقيف العقل, وتنقية القلب مع المحافظة على الشكل وفقاً لضوابط الحشمة واحترام الذوق العام )).
مناعة
مديرة وحدة صناعة السلوك بمركز نجاحات للاستشارات النفسية الأستاذة عائشة اللوغاني تقول: (( صحيح أن الفطرة هي التي تحكم عاطفة الأم تجاه أبنائها إلا أن الفطرة لا تكفي بل يجب أن تكون الأم واعية لدورها, وعلى اطلاع بطبيعة النفس البشرية, وخصوصاً لابنتها, وبذلك تبني علاقة متينة تشكّل لها مناعة ضد المؤثرات الخارجية لا سيما في هذا العصر الذي يعج بالمتغيرات. وتضيف (( مهما كانت هذه المتغيرات تبقى الأم نموذجاً مؤثراً في شخصية ابنتها كطريقتها في اللباس أو انتقائها للألفاظ أو تعاطيها مع أمور الحياة, فإذا كانت ذات شخصية قوية سيكون تأثيرها أقوى سواء كان سلباً أو إيجاباً )).
شفافية
وتؤكد الأستاذة عائشة أننا في زمن يحتاج منا لشفافية وصدق ووضوح مع الأبناء لا سيما مع الفتاة, بمعنى لا بد من بناء علاقة حميمة لا تخلو بالطبع من الضوابط, وهذه الضوابط لا تعني المفهوم الصارم للخطوط الحمر, لأن الخط الأحمر قد يعني المواجهة, وإنما هي القواعد التي توضع ويفهمها الأبناء ويتربون عليها, والتي من أسسها الاحترام والتقدير وفهم الأدوار. ويجب على الأم أن تعتمد في علاقتها الحميمة مع ابنتها على الود والتعاون والفهم والابتعاد عن النقد واللوم المتواصل. وبذلك تساعد ابنتها على أن تفتح لها قلبها وتقول ما تشاء وفي أي وقت.
عدم فهم
وترى اللوغاني أنه بالرغم من وجود أمور مشتركة بين البشر على اختلاف ثقافتهم إلا أنه ليس بالضرورة أن تكون جميع دراسات الغرب حول السلوك البشري تنطبق على مجتمعنا. وتؤكد(( (( إن ما اعترى علاقة الأم بابنتها في الوقت الراهن ليس نوعاً من التنافس والصراع كما تشير الدراسات الغربية, وإنما هو شكل من عدم الفهم لطبيعة المتغيرات السائدة وتأثيرها على سلوك ونفسية الفتاة )).
أخذ وعطاء
ولا تستبعد اللوغاني أن يأتي اليوم الذي تتأثر فيه الأم بابنتها حين تنضج هذه الأخيرة ويصبح لها رؤية قد تفيد الأم فيها. وتقول: (( ما من شك أن الأم تبني شخصية البنت في البداية, ولكن عندما تكبر هذه البنت ستكون العلاقة مع أمها أخذ وعطاء )).
مشاعر الغيرة
وحول ميل بعض الأمهات نحو تقليد بناتهنّ باتباع الموضة, تقول: (( الجمال والاهتمام بالمظهر الخارجي أمر مهم, بل ضرورة من ضرورات الحياة, على أن يتناسب مع السن والوقت والمكان والشكل. والإنسان يعيش عصره الذي يتأثر به الجميع بغض النظر عن توافقنا أو اختلافنا مع بعض المظاهر )). وتضيف: (( أما عن الغيرة فهي نزعة موجودة في النفس البشرية عموماً, وحتى في الماضي قد نجد أماً تغار من ابنتها وقد تقلّدها في بعض الأمور التي لم تكن متوفرة في زمنها, لكن في الوقت الحالي لم يعد ارتياد المقاهي والمطاعم يقتصر على أم أو بنت, ولا على رجل أو امرأة, بل أصبحت وسيلة ترفيه لدى الكثير من الناس )).

loo0oody
23-07-2008, 22:58
مقال رائع

وموضوع في غايه الروعه و الاهميه