Salamat
20-06-2004, 07:05
صفحات مجهولة من الإرهاب الأمريكي
[في العالم الإسلامي]
--------------------------------------------
في ظل تصاعد الجرائم الأمريكية ضد العراقيين في الفلوجة من قتل للأطفال والشيوخ والنساء ومجازر وحشية يندى لها جبين الإنسانية .. وقصف وتدمير للمساجد .. ظهرت مقولة إن ذلك من أفعال المرتزقة الذين لا يحافظون على قواعد القانون الدولي؛ وكأن الجيش الأمريكي منذ نشأته يحافظ على القانون ويحترم حقوق المدنيين؛ بل ردد البعض أن هذه أول حرب أمريكية تنتهك فيها الحرمات وترتكب خلالها الجرائم الوحشية ضد العرب والمسلمين، وكأن السجل الاستعماري للأمريكان قديمًا يخلو من الحروب ضد العرب كما مع البريطانيين والفرنسيين، وكأن الجيش الأمريكي منذ نشأته يحافظ على القانون ويحترم حقوق المدنيين، ولقد اعتمدوا في ترويج مقولاتهم على أن صفحاتهم المدونة في التاريخ مجهولة للمعاصرين، ولكن بفضل الله وعملاً على ربط الحاضر بالماضي وكشف زيف الطغيان الأمريكي بكل صوره نبرز تلك الصفحات المجهولة من الإرهاب الأمريكي ونبدأ بأول صفحة مجهولة.
في عام 1800ميلادية .. حيث ظهر في الجانب الغربي من البحر الأبيض المتوسط سفينتان بحريتان أمريكيتان تجوبان البحر بحجة وهمية هي مكافحة القرصنة والنضال ضد القرصنة ( كما يحدث الآن لابد من وجود حجة وهمية (الإرهاب – أسلحة الدمار الشامل ).
وفي الفترة من عام 1801 – 1805 شن الأمريكيون حرباً دون سابق إنذار ضد طرابلس الغرب ( ليبيا) وحاصر الأسطول الأمريكي العاصمة طرابلس ( رغم وجود اتفاقية عام 1796 بين الأمريكان وحاكم طرابلس! لاستخدام الموانئ والمياه الإقليمية للسفن الأمريكية كترانزيت مقابل 10 آلاف دولار سنوياً) واتصل عملاء أمريكا بشقيق حاكم طرابلس ( داي طرابلس) يغرونه بالاستيلاء على الحكم بدلاً من أخيه، وكان ذلك الشقيق يعيش وقتها في القاهرة واسمه (حامد كرمنلي) ووقع اتفاقية مع أمريكا لمساعدته في الوصول إلى حكم ليبيا بدلاً من أخيه يوسف كرمنلي.
ومقابل ذلك تعهد العميل حامد كرمنلي بتقديم العون للبحرية الأمريكية ضد التجار الأوربيين المنافسين وأن يوفر للأمريكان وضعاً مميزاً في البلاد ووعد بتعيين القنصل الأمريكي في تونس (إيتون) قائداً للقوات المسلحة الليبية وتولى إتيون قيادة الجيش الليبي المشكل من أعوان حامد كرمنلي بالأموال الأمريكية، ومساعدة المخابرات الأمريكية? هاجم مدينة درنة بمعاونة مدفعية الأسطول الأمريكي وفصيلة من المشاة البحرية ورفع العلم الأمريكي فوق درنة، ومنها تقدم إلى طرابلس وعندئذ ذهل يوسف كرمنلي حاكم طرابلس من المفاجأة حيث لا أسباب ولا مقدمات تدعو لهذا الهجوم الأمريكي فوقّع مضطراً معاهدة مع القنصل العام الأمريكي في أفريقيا الشمالية تحقق لهم مطالبهم وكانت هذه المعركة أول معركة في تاريخ العالم العربي تشنها أمريكا على بلد عربي مسلم.
ويتغنى الأمريكان حتى يومنا هذا في نشيدهم الوطني لمشاة البحرية بهذه المعركة قائلين (من تلال مونتيزوما إلى سواحل طرابلس في السماء في الأرض في البحر خضنا معارك الوطن). وفي مقابل هذا قامت زمرة أيسكس (وهى كتلة من رجال الأعمال الأمريكان عرفت بهذا الاسم واسم آخر هو شركاء بوسطن، وكان لهم نفوذ سياسي كبير في الولايات المتحدة نتيجة الأموال الطائلة التي يجنونها من تجارة الأفيون، وكانوا يؤثرون في انتخابات مجلس الشيوخ وتعيين الوزراء والشخصيات الهامة، ونلاحظ الدافع الاقتصادي كالبترول حاليًا) بتكريم القائد إيتون ووصفته بأنه قاهر أفريقيا ومنحته ولاية ( ماساشوستش ) هدية عبارة عن 10 آلاف فدان من الولاية.
وبينما كانت السفن الحربية الأمريكية تستعرض عضلاتها في البحر الأبيض بعد الاستيلاء على طرابلس تحركت السفن الأمريكية نحو ميناء طنجة بالمغرب وحاصرته بدون أسباب أو مقدمات أو إنذارات وتلقى ملك المغرب رسالة إرهابية من قائد القطع البحرية الأمريكية في أكتوبر عام 1804 جاء فيها بالحرف الواحد ( أيرغب السلطان في السلام أم في الحرب؟) هل بعد ذلك إرهاب؟! التاريخ يعيد نفسه من ليس معنا فهو ضدنا إرهاب لا حدود له.
وعلى إثر وصول تلك الرسالة والتحذير والحصار ضعف الملك ورضخ أمام الحصار ووقع معاهدة تضمنت شروطاً مجحفة للمغرب والعجيب أنها مدونة معاهدة كانت موقعة بينهم عام 1786 بشروط إضافية جديدة.
وهكذا تحت الإرهاب الأمريكي ضاعت ليبيا ثم المغرب? لم يبق غير تونس التي قام القنصل الدبلوماسي الأمريكي بأعمال استفزازية مع الحكومة التونسية اضطر على إثرها داي تونس في يوليو عام 1805 لطرد الممثل الأمريكي وكان الأمريكان في انتظار تلك الخطوة فعلى إثر ذلك بادرت المدفعية الأمريكية في أول أغسطس عام 1805 بفتح نيرانها بقسوة على مدينة تونس العاصمة بأوامر من قائد الأسطول البحري الأمريكي روجرز دون سابقة إنذار.
وسقطت القنابل والقذائف وتناثرت الشظايا عشوائيًا فوق المنازل والبيوت البسيطة والخيام تدمر وتهدم وتفتك بهذا وتقتل ذاك دون تمييز بين رجل وامرأة بين شيخ وطفـل .. إنها القرصنة قديماً والإرهاب حديثاً واستلم داي تونس من روجرز تعهداً ضمنياً للتوقيع عليه مفاده أن يعطي فوائد وتسهيلات إضافية لأجل الربابية والكومودرات الأمريكيين، وقال روجرز إن التوقيع على هذه الوثيقة في الحال ينقذ عاصمة تونس من الدمار المحقق وبدون تردد وقع داي تونس لتنكشف وتنفضح المقولة الأمريكية حول القراصنة ويتضح أنهم هم القراصنة ولعل ذلك يأخذنا إلى ما كتبه المؤرخ الأمريكي سبيرس عام 1897 أي بعد دخول تونس بحوالي 90 عامًا.. يقول ( لم تخف أمريكا اعتداءاتها على شعوب العالم الإسلامي ولم تستطع أن تصور للعالم أنها صديقة للعالم الإسلامي وأنها محبة للسلام وصديقة الإسلام الدائمة، وهو ما أدهش حتى شعوب أوربا فتحت القصف العشوائي لمدافع السفن الأمريكية أمليت على حاكم تونس شروط ومعاهدة وهو ما لم يحدث له مثيل من قبل) المؤرخ يتحدث عن زمانه؛ فما باله لو عاش لأيامنا هذه ماذا يقول؟ وماذا يكتب عن ما حدث في أفغانستان والعراق وما حدث في الفلوجة ?!
ولم تكن الجزائر بعيدة عن هذه القرصنة الأمريكية ولكن كانت أمريكا في الفترة من عام 1812 إلى 1814 مشغولة في الحرب الأنجلو أمريكية الثانية وفور انتهائها عرضت زمرة أيسكس على الحكومة الأمريكية خطة احتلال الجزائر وطالبت الحكومة بالتنفيذ عام 1815 وعلى الفور? اتجهت سفينتان حربيتان بقيادة ديكاتور ودبنبريدج أيضاً تحت الحجة الوهمية القرصنة والقراصنة، فلم تكن كلمة الإرهاب والإرهابيين موجودة وعندما اقتربت السفن من موانئ الجزائر رفعوا على سفنهم الأعلام الإنجليزية لتضليل الجزائريين، وفي هجوم وحشي خاطف وسريع وغادر على الأسطول الجزائري صوبوا مدافعهم فدمروه وغرقت السفن الجزائرية بمن فيها، وتوجهت سفن الأسطول الأمريكي نحو مدينة الجزائر لتمطر الأهالي المدنيين الأبرياء بالقنابل والقذائف من المدفعية الثقيلة وأثناء ذلك القصف والدمار والتخريب أرسل قائد الأسطول الأمريكي إنذارًا للحاكم الجزائري (عمر) بتوقيع معاهدة جائرة تتضمن بنوداً لمنح التجار الأمريكيين فوائد وتسهيلات فلم يوافق الحاكم الجزائري عمر على هذه المعاهدة فعاد الأسطول الأمريكي عام 1816 بسفن حربية كبيرة مزودة بمدافع أضخم وأحدث عندئذ طلب الحاكم الجزائري من الدبلوماسي الأمريكي شيلر أن يعطيه شهادة خطية تفيد أنه اضطر لقبول هذه الاتفاقية تحت تهديد فوهات المدافع وفعلاً حصل على تلك الشهادة ووقع المعاهدة مع أمريكا مجبراً تحت التهديد في ديسمبر 1816.
وأخيراً تبقى مصر التي هي دائماً حاضرة في مخططات كل المستعمرين ففي عام 1870 كان يعيش في القاهرة أكثر من 50 عسكريًا أمريكيًا بمن فيهم 5 جنرالات يعملون في خدمة القوات المسلحة المصرية فقد تم تعيين الجنرال الأمريكي "ستون" رئيساً لهيئة أركان حرب القوات المسلحة والعقيد "شايا لونج" لشئون السودان، ولقد استلم خديوي مصر عام 1870 تحذيراً من الحكومة البريطانية والفرنسية بسبب النشاط الأمريكي في الشؤون العسكرية المصرية وكان هذا الإنذار للتمويه على حقيقة العلاقات الخفية بين المخابرات الأمريكية والبريطانية والإيطالية؛ فقد قامت الدول الثلاث بإمداد جيش الحبشة سراً بالسلاح وعملوا على توريط مصر بالحرب ضد الحبشة عام 1876 لإضعاف الجيش المصري وإنزال الهزيمة به، ولقد اشترك ضباط أمريكان مع جيش الحبشة ضد القوات المصرية في تلك الحرب التي هزم فيها الجيش المصري بفضل الأسلحة والمساعدات الأمريكية والبريطانية والإيطالية ولقد استغلت بريطانيا تلك الحرب لتهاجم الإسكندرية عام 1882? قصفتها قصفاً وحشياً؛ والخطير والملفت للنظر في هذه الحرب البريطانية هو اشتراك أربع قطع بحرية أمريكية بقيادة الجنرال البحري فيكولسون مع الأسطول الإنجليزي في مهاجمة الإسكندرية وتسبب هذا الهجوم في قتل عشرات الألوف من المصريين وتدمير المدينة. وبعد القصف نزلت على ساحل مدينة الإسكندرية فصيلة بحرية أمريكية مع قوات الاحتلال البريطاني وكان يرأس هذه الفصيلة العقيد شايا لونج نائب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية لشؤون السودان.
ما قدمناه هو مرور سريع على صفحات للإرهاب الأمريكي مجهولة لكثير من العرب والمسلمين، ولكنها في الوقت الحالي مهمة جداً أن يعيها الجميع ليتعلموا من الماضي والتاريخ دروساً تفيدهم في فهم الواقع والتعامل معه بفطنة فما أشبه الليلة بالبارحة؛ فأسباب الحرب لم تختلف والحجج للحرب لم تختلف؛ ولكن الذي اختلف ليس الأمريكان إنما العرب والمسلمون.
[في العالم الإسلامي]
--------------------------------------------
في ظل تصاعد الجرائم الأمريكية ضد العراقيين في الفلوجة من قتل للأطفال والشيوخ والنساء ومجازر وحشية يندى لها جبين الإنسانية .. وقصف وتدمير للمساجد .. ظهرت مقولة إن ذلك من أفعال المرتزقة الذين لا يحافظون على قواعد القانون الدولي؛ وكأن الجيش الأمريكي منذ نشأته يحافظ على القانون ويحترم حقوق المدنيين؛ بل ردد البعض أن هذه أول حرب أمريكية تنتهك فيها الحرمات وترتكب خلالها الجرائم الوحشية ضد العرب والمسلمين، وكأن السجل الاستعماري للأمريكان قديمًا يخلو من الحروب ضد العرب كما مع البريطانيين والفرنسيين، وكأن الجيش الأمريكي منذ نشأته يحافظ على القانون ويحترم حقوق المدنيين، ولقد اعتمدوا في ترويج مقولاتهم على أن صفحاتهم المدونة في التاريخ مجهولة للمعاصرين، ولكن بفضل الله وعملاً على ربط الحاضر بالماضي وكشف زيف الطغيان الأمريكي بكل صوره نبرز تلك الصفحات المجهولة من الإرهاب الأمريكي ونبدأ بأول صفحة مجهولة.
في عام 1800ميلادية .. حيث ظهر في الجانب الغربي من البحر الأبيض المتوسط سفينتان بحريتان أمريكيتان تجوبان البحر بحجة وهمية هي مكافحة القرصنة والنضال ضد القرصنة ( كما يحدث الآن لابد من وجود حجة وهمية (الإرهاب – أسلحة الدمار الشامل ).
وفي الفترة من عام 1801 – 1805 شن الأمريكيون حرباً دون سابق إنذار ضد طرابلس الغرب ( ليبيا) وحاصر الأسطول الأمريكي العاصمة طرابلس ( رغم وجود اتفاقية عام 1796 بين الأمريكان وحاكم طرابلس! لاستخدام الموانئ والمياه الإقليمية للسفن الأمريكية كترانزيت مقابل 10 آلاف دولار سنوياً) واتصل عملاء أمريكا بشقيق حاكم طرابلس ( داي طرابلس) يغرونه بالاستيلاء على الحكم بدلاً من أخيه، وكان ذلك الشقيق يعيش وقتها في القاهرة واسمه (حامد كرمنلي) ووقع اتفاقية مع أمريكا لمساعدته في الوصول إلى حكم ليبيا بدلاً من أخيه يوسف كرمنلي.
ومقابل ذلك تعهد العميل حامد كرمنلي بتقديم العون للبحرية الأمريكية ضد التجار الأوربيين المنافسين وأن يوفر للأمريكان وضعاً مميزاً في البلاد ووعد بتعيين القنصل الأمريكي في تونس (إيتون) قائداً للقوات المسلحة الليبية وتولى إتيون قيادة الجيش الليبي المشكل من أعوان حامد كرمنلي بالأموال الأمريكية، ومساعدة المخابرات الأمريكية? هاجم مدينة درنة بمعاونة مدفعية الأسطول الأمريكي وفصيلة من المشاة البحرية ورفع العلم الأمريكي فوق درنة، ومنها تقدم إلى طرابلس وعندئذ ذهل يوسف كرمنلي حاكم طرابلس من المفاجأة حيث لا أسباب ولا مقدمات تدعو لهذا الهجوم الأمريكي فوقّع مضطراً معاهدة مع القنصل العام الأمريكي في أفريقيا الشمالية تحقق لهم مطالبهم وكانت هذه المعركة أول معركة في تاريخ العالم العربي تشنها أمريكا على بلد عربي مسلم.
ويتغنى الأمريكان حتى يومنا هذا في نشيدهم الوطني لمشاة البحرية بهذه المعركة قائلين (من تلال مونتيزوما إلى سواحل طرابلس في السماء في الأرض في البحر خضنا معارك الوطن). وفي مقابل هذا قامت زمرة أيسكس (وهى كتلة من رجال الأعمال الأمريكان عرفت بهذا الاسم واسم آخر هو شركاء بوسطن، وكان لهم نفوذ سياسي كبير في الولايات المتحدة نتيجة الأموال الطائلة التي يجنونها من تجارة الأفيون، وكانوا يؤثرون في انتخابات مجلس الشيوخ وتعيين الوزراء والشخصيات الهامة، ونلاحظ الدافع الاقتصادي كالبترول حاليًا) بتكريم القائد إيتون ووصفته بأنه قاهر أفريقيا ومنحته ولاية ( ماساشوستش ) هدية عبارة عن 10 آلاف فدان من الولاية.
وبينما كانت السفن الحربية الأمريكية تستعرض عضلاتها في البحر الأبيض بعد الاستيلاء على طرابلس تحركت السفن الأمريكية نحو ميناء طنجة بالمغرب وحاصرته بدون أسباب أو مقدمات أو إنذارات وتلقى ملك المغرب رسالة إرهابية من قائد القطع البحرية الأمريكية في أكتوبر عام 1804 جاء فيها بالحرف الواحد ( أيرغب السلطان في السلام أم في الحرب؟) هل بعد ذلك إرهاب؟! التاريخ يعيد نفسه من ليس معنا فهو ضدنا إرهاب لا حدود له.
وعلى إثر وصول تلك الرسالة والتحذير والحصار ضعف الملك ورضخ أمام الحصار ووقع معاهدة تضمنت شروطاً مجحفة للمغرب والعجيب أنها مدونة معاهدة كانت موقعة بينهم عام 1786 بشروط إضافية جديدة.
وهكذا تحت الإرهاب الأمريكي ضاعت ليبيا ثم المغرب? لم يبق غير تونس التي قام القنصل الدبلوماسي الأمريكي بأعمال استفزازية مع الحكومة التونسية اضطر على إثرها داي تونس في يوليو عام 1805 لطرد الممثل الأمريكي وكان الأمريكان في انتظار تلك الخطوة فعلى إثر ذلك بادرت المدفعية الأمريكية في أول أغسطس عام 1805 بفتح نيرانها بقسوة على مدينة تونس العاصمة بأوامر من قائد الأسطول البحري الأمريكي روجرز دون سابقة إنذار.
وسقطت القنابل والقذائف وتناثرت الشظايا عشوائيًا فوق المنازل والبيوت البسيطة والخيام تدمر وتهدم وتفتك بهذا وتقتل ذاك دون تمييز بين رجل وامرأة بين شيخ وطفـل .. إنها القرصنة قديماً والإرهاب حديثاً واستلم داي تونس من روجرز تعهداً ضمنياً للتوقيع عليه مفاده أن يعطي فوائد وتسهيلات إضافية لأجل الربابية والكومودرات الأمريكيين، وقال روجرز إن التوقيع على هذه الوثيقة في الحال ينقذ عاصمة تونس من الدمار المحقق وبدون تردد وقع داي تونس لتنكشف وتنفضح المقولة الأمريكية حول القراصنة ويتضح أنهم هم القراصنة ولعل ذلك يأخذنا إلى ما كتبه المؤرخ الأمريكي سبيرس عام 1897 أي بعد دخول تونس بحوالي 90 عامًا.. يقول ( لم تخف أمريكا اعتداءاتها على شعوب العالم الإسلامي ولم تستطع أن تصور للعالم أنها صديقة للعالم الإسلامي وأنها محبة للسلام وصديقة الإسلام الدائمة، وهو ما أدهش حتى شعوب أوربا فتحت القصف العشوائي لمدافع السفن الأمريكية أمليت على حاكم تونس شروط ومعاهدة وهو ما لم يحدث له مثيل من قبل) المؤرخ يتحدث عن زمانه؛ فما باله لو عاش لأيامنا هذه ماذا يقول؟ وماذا يكتب عن ما حدث في أفغانستان والعراق وما حدث في الفلوجة ?!
ولم تكن الجزائر بعيدة عن هذه القرصنة الأمريكية ولكن كانت أمريكا في الفترة من عام 1812 إلى 1814 مشغولة في الحرب الأنجلو أمريكية الثانية وفور انتهائها عرضت زمرة أيسكس على الحكومة الأمريكية خطة احتلال الجزائر وطالبت الحكومة بالتنفيذ عام 1815 وعلى الفور? اتجهت سفينتان حربيتان بقيادة ديكاتور ودبنبريدج أيضاً تحت الحجة الوهمية القرصنة والقراصنة، فلم تكن كلمة الإرهاب والإرهابيين موجودة وعندما اقتربت السفن من موانئ الجزائر رفعوا على سفنهم الأعلام الإنجليزية لتضليل الجزائريين، وفي هجوم وحشي خاطف وسريع وغادر على الأسطول الجزائري صوبوا مدافعهم فدمروه وغرقت السفن الجزائرية بمن فيها، وتوجهت سفن الأسطول الأمريكي نحو مدينة الجزائر لتمطر الأهالي المدنيين الأبرياء بالقنابل والقذائف من المدفعية الثقيلة وأثناء ذلك القصف والدمار والتخريب أرسل قائد الأسطول الأمريكي إنذارًا للحاكم الجزائري (عمر) بتوقيع معاهدة جائرة تتضمن بنوداً لمنح التجار الأمريكيين فوائد وتسهيلات فلم يوافق الحاكم الجزائري عمر على هذه المعاهدة فعاد الأسطول الأمريكي عام 1816 بسفن حربية كبيرة مزودة بمدافع أضخم وأحدث عندئذ طلب الحاكم الجزائري من الدبلوماسي الأمريكي شيلر أن يعطيه شهادة خطية تفيد أنه اضطر لقبول هذه الاتفاقية تحت تهديد فوهات المدافع وفعلاً حصل على تلك الشهادة ووقع المعاهدة مع أمريكا مجبراً تحت التهديد في ديسمبر 1816.
وأخيراً تبقى مصر التي هي دائماً حاضرة في مخططات كل المستعمرين ففي عام 1870 كان يعيش في القاهرة أكثر من 50 عسكريًا أمريكيًا بمن فيهم 5 جنرالات يعملون في خدمة القوات المسلحة المصرية فقد تم تعيين الجنرال الأمريكي "ستون" رئيساً لهيئة أركان حرب القوات المسلحة والعقيد "شايا لونج" لشئون السودان، ولقد استلم خديوي مصر عام 1870 تحذيراً من الحكومة البريطانية والفرنسية بسبب النشاط الأمريكي في الشؤون العسكرية المصرية وكان هذا الإنذار للتمويه على حقيقة العلاقات الخفية بين المخابرات الأمريكية والبريطانية والإيطالية؛ فقد قامت الدول الثلاث بإمداد جيش الحبشة سراً بالسلاح وعملوا على توريط مصر بالحرب ضد الحبشة عام 1876 لإضعاف الجيش المصري وإنزال الهزيمة به، ولقد اشترك ضباط أمريكان مع جيش الحبشة ضد القوات المصرية في تلك الحرب التي هزم فيها الجيش المصري بفضل الأسلحة والمساعدات الأمريكية والبريطانية والإيطالية ولقد استغلت بريطانيا تلك الحرب لتهاجم الإسكندرية عام 1882? قصفتها قصفاً وحشياً؛ والخطير والملفت للنظر في هذه الحرب البريطانية هو اشتراك أربع قطع بحرية أمريكية بقيادة الجنرال البحري فيكولسون مع الأسطول الإنجليزي في مهاجمة الإسكندرية وتسبب هذا الهجوم في قتل عشرات الألوف من المصريين وتدمير المدينة. وبعد القصف نزلت على ساحل مدينة الإسكندرية فصيلة بحرية أمريكية مع قوات الاحتلال البريطاني وكان يرأس هذه الفصيلة العقيد شايا لونج نائب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية لشؤون السودان.
ما قدمناه هو مرور سريع على صفحات للإرهاب الأمريكي مجهولة لكثير من العرب والمسلمين، ولكنها في الوقت الحالي مهمة جداً أن يعيها الجميع ليتعلموا من الماضي والتاريخ دروساً تفيدهم في فهم الواقع والتعامل معه بفطنة فما أشبه الليلة بالبارحة؛ فأسباب الحرب لم تختلف والحجج للحرب لم تختلف؛ ولكن الذي اختلف ليس الأمريكان إنما العرب والمسلمون.