Dr Mahmoud
04-04-2008, 18:52
الفصل الرابع: حقيقة عبد الله بن سبا اليهودي!.
ينكر الشيعة وجود هذه الشخصية، ويتهمون أهل السنة والجماعة باختراع هذه الشخصية للطعن بالشيعة، وينكرون هذه الشخصية لأنها الدليل الدامغ والبرهان الساطع على حقيقة جذورهم اليهودية، لذلك نسوق هنا أدلة دامغة على وجود هذه الشخصية ومن بطون كتب الشيعة المعتبرة عندهم:
عن أبي عبد الله قال: "لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين عبدا لله طائعا، الويل لمن كذب علينا" (معرفة أخبار الرجال للكشي، ص70-71) .
وقال المامقاني: "عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر، وأظهر الغلو" (تنقيح المقال في علم الرجال، ج2، ص 183-184) .
وهذا هو الكشي أحد علماء الشيعة الثقاة يقول: "إن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم، ووالى عليا عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم" (رجال الكشي، ص101) .
أصل ابن سبأ ومنشأه:
و يروي عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق ( ص 235)، أن ابن سبأ من أهل( الحيرة )، قال : إن عبدالله بن السوداء كان يعين السبئية على قولها، وكان أصله من يهود الحيرة، فأظهر الإسلام .
و يروي ابن كثير في البداية والنهاية (7/190)، أن أصل ابن سبأ من الروم، فيقول : وكان أصله رومياً فأظهر الإسلام وأحدث بدعاً قولية وفعلية قبحه الله .
أما الطبري وابن عساكر، فيرويان أن ابن سبأ من اليمن. قال الطبري في تاريخه (4/340) : كان عبدالله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء . وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 29/3) : عبد الله بن سبأ الذي ينسب إليه السبئية وهم الغلاة من الرافضة أصله من أهل اليمن كان يهودياً
الراجح أن ابن سبأ من اليمن ونحن لا نقطع بنسبته إلى قبيلة معينة لعدم توفر الأدلة على ذلك والله أعلم. ومعظم أهل العلم ينسبون ابن سبأ من جهة أبيه إلى سبأ، فيقولون : ( عبد الله بن سبأ )، ومن هؤلاء البلاذري في أنساب الأشراف (3/382) ابن قتيبة في المعارف ( ص 622) والطبري في التاريخ) 4/340)( وأبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين (1/86)، والشهرستاني في الملل والنحل (1/174)، والذهبي في الميزان ( 2/426) وابن حجر في لسان الميزان (3/290)، وابن عبد ربه في العقد الفريد (2/405) وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/483) .وابن حبان في المجروحين ( 2/253), والجوزجاني في أحوال الرجال (ص38) والمقدسي في البدء والتاريخ (5/129( والخوارزمي في مفاتيح العلوم (ص 22( وابن حزم في الفصل في الملل والنحل ( 4/186), والأسفرايني في التبصرة في الدين ( ص 108 ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( 29/3)، والسمعاني في الأنساب (7/24) وابن الأثير في اللّباب (2/98)، وغيرهم الكثير . ومن الرافضة : الناشئ الأكبر في مسائل الإمامة ( ص 22- 23 )، والأشعري القمي في المقالات والفرق ( ص 20 ) والنوبختي في فرق الشيعة (ص 22(.
أما نسب ابن سبأ ( لأمه ) فهو من أم حبشية، كما عند الطبري في التاريخ (4/326-327) وابن حبيب في المحبر (ص 308 )، ولذلك فكثيراً ما يطلق عليه ( ابن السوداء) ففي البيان والتبيين ( 3/81) : ( ... فلقيني ابن السوداء ) وفي تاريخ الطبري ( 4/326) : ( ونزل ابن السوداء على حكيم بن جبلة في البصرة )، وفي تاريخ الإسلام للذهبي (2/122) : ( ولما خرج ابن السوداء إلى مصر )، وهم بهذا يتحدثون عن عبد الله بن سبأ، ولذلك قال المقريزي في الخطط ( 2/356) : ( عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء )، وابن عساكر في تاريخ دمشق (29/8) من قول علي رضي الله عنه : ( من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله ورسوله يعني ابن السوداء ) . ومثل هذا كثير ...
و مما يحسن ذكره هنا أيضاً أن ابن سبأ كان أسود اللون، وهذا يرجح كون أمه من الحبشيات، ذكر ابن عساكر في تاريخه ( 29/7-8 ) : عن عمار الدهني قال : سمعت أبا الطفيل يقول : رأيت المسيب بن نجبة أتى به ملببة – أي ملازمه - يعني ابن السوداء وعلي على المنبر، فقال علي : ما شأنه ؟ فقال : يكذب على الله وعلى رسوله، وجاء من طريق زيد بن وهب عن علي قال : ما لي ومال هذا الحميت الأسود، ومن طريق سلمة قال : سمعت أبا الزعراء يحدث عن علي، قال : ما لي ومال هذا الحميت الأسود، وجاء أيضاً من طريق زيد قال : قال علي بن أبي طالب : ما لي ولهذا الحميت الأسود، يعني عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر .
سبب الاختلاف في تحديد هوية ابن سبأ:
لا غرابة أن يحدث هذا الاختلاف الكبير بين أهل العلم في تحديد هوية ونسب ابن سبأ، فعبد الله بن سبأ قد أحاط نفسه بإطار من الغموض والسرية التامة حتى على معاصريه، فهو لا يكاد يعرف له اسم ولا بلد، لأنه لم يدخل في الإسلام إلا للكيد له، وحياكة المؤامرات والفتن بين صفوف المسلمين، ولهذا لما سأله عبد الله بن عامر والي البصرة لعثمان بن عفان رضي الله عنه، قال له : ما أنت ؟ لم يخبره ابن سبأ باسمه واسم أبيه، وإنما قال له : إنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك . تاريخ الطبري (4/326-327(.
و في رأيي أن تلك السرية التامة التي أطبقها ابن سبأ على نفسه سبب رئيسي في اختلاف المؤرخين والمحققين في نسبة ابن سبأ، وغير مستبعد أن يكون ابن سبأ قد تسمى ببعض هذه الأسماء التي ذكرها المؤرخون، بل واستعمل بعض الأسماء الأخرى المستعارة لتغطية ما قام به من جرائم ودسائس في صدر الدولة الإسلامية .
ظهور ابن سبأ بين المسلمين:
جاء في تاريخ الطبري (4/340) والكامل لابن الأثير (3/77) والبداية والنهاية لابن كثير(7/167) وتاريخ دمشق لابن عساكر (29/ 7-8 ) وغيرهم من كتب التاريخ ضمن أحداث سنة (35هـ ) : أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً من أهل صنعاء وأنه أسلم زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأخذ يتنقل في بلاد المسلمين يريد ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم بالشام، فلم يقدر على شيء فيها، فأتى مصر واستقر بها ووضع لهم عقيدتي الوصية والرجعة، فقبلوها منه وكوّن له في مصر أنصاراً ممن استهواهم بآرائه الفاسدة .
لكن أين ومتى كان أول ظهور لعبد الله بن سبأ بين المسلمين ؟
جاء في البداية والنهاية لابن كثير (7/183) ضمن أحداث سنة (34هـ )، أن عبد الله بن سبأ كان سبب تألب الأحزاب على عثمان. ثم أورده في أحداث سنة (35هـ) مع الأحزاب الذين قدموا من مصر يدعون الناس إلى خلع عثمان. البداية والنهاية (7/190).
أما الطبري (4/331) وابن الأثير(3/147) فنجد عندهما ذكر لابن سبأ بين المسلمين قبل سنة ( 34هـ ) في الكوفة، ( فيزيد بن قيس ) ذلك الرجل الذي دخل المسجد في الكوفة يريد خلع عامل عثمان ) سعيد بن العاص ) إنما شاركه وثاب إليه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم .
و هذا يعني ظهور ابن سبأ قبل هذا التاريخ، وتكوين الأعوان الذين اجتمعوا إلى يزيد بن قيس، وتأكيد ذلك عند الطبري ( 4/326) وابن الأثير(3/144)، ففي سنة ( 33هـ ) وبعد مضي ثلاث سنين من إمارة عبد الله بن عامر على البصرة يعلم بنزول ابن سبأ على ( حكيم بن جبلة ) وتكون المقابلة بين ابن عامر وابن السوداء.
ونستمر في الاستقراء فنجد ظهوراً لابن سبأ بين المسلمين قبل هذا التاريخ، ففي الطبري (4/283) وابن الأثير (3/114)، وضمن حوادث سنة (30هـ ) يرد ابن السوداء الشام.
ابن سبأ في الحجاز :
لما كان ظهور ابن سبأ في الحجاز قبل ظهوره في البصرة والشام، فلابد أن يكون قد ظهر في الحجاز قبل سنة ( 30هـ (، لأن ظهوره في الشام كان في هذا التاريخ، وفي الحجاز لا تكاد تطالعنا الروايات التاريخية على مزيد من التفصيل، ولعل في هذا دلالة على عدم استقرار أو مكث لابن سبأ في الحجاز، عدا ذلك المرور في طريقه التخريبي، لكنه كما يبدو لم يستطع شيئاً من ذلك فتجاوز الحجاز إلى البصرة . تاريخ الطبري ( 4/340-341(.
ظهوره في البصرة:
و في البصرة كان نزول ابن سبأ على ( حكيم بن جبلة العبدي )، وخبره كما ورد في الطبري (4/ 326 ) : ( لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين بلغه أن في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة، وكان حكيم رجلاً لصاً إذا قفلت الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما يشاء ثم يرجع، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله.
فلا يخرج من البصرة حتى تأنسوا منه رشداً، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها، فلما قدم ابن السوداء نزل عليه، واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح، فقبلوا منه واستعظموه .
و بقية خبر الطبري يفيدنا أنه لقي آذاناً صاغية في البصرة، وإن كان لم يصرح لهم بكل شيء، فقد قبلوا منه واستعظموه، وشاء الله أن تحجم هذه الفتنة ويتفادى المسلمون بقية شرها وذلك حينما بلغ والي البصرة ابن عامر خبر ابن سبأ، فأرسل إليه ودار بينهما هذا الحوار : ( ما أنت ؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام والجوار، فقال ابن عامر : ما يبلغني ذلك ! اخرج عني، فأخرجه حتى أتى الكوفة . تاريخ الطبري (4/326-327).
ظهوره في الكوفة :
الذي يبدو أن ابن سبأ بعد إخراجه من البصرة وإتيانه الكوفة، لم يمكث بها طويلاً حتى أخرجه أهلها منها، كما في بقية خبر الطبري (4/327) : ( فخرج حتى أتى الكوفة، فأخرج منها فاستقر بمصر وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم ) . لكنه وإن كان قد دخل الكوفة ثم أخرج منها سنة 33هـ )، إلا أن صلته بالكوفة لم تنته بإخراجه، فلقد بقيت ذيول الفتنة في الرجال الذين بقي يكاتبهم ويكاتبونه. الطبري (4/327) وابن الأثير (3/144).
ظهوره في الشام :
لم يكن له دور يذكر في الشام، وإنما أخرجه أهلها حتى أتى مصر، بقوله: أنه لم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام, تاريخ الطبري (4/340).
ظهور ابن سبأ في مصر:
على ضوء استقراء النصوص السابقة، يكون ظهور ابن سبأ في مصر بعد خروجه من الكوفة، وإذا كان ظهوره في البصرة سنة ( 33هـ )، ثم أخرج منها إلى الكوفة، ومن الكوفة استقر بمصر، فإن أقرب توقيت لظهور ابن سبأ في مصر يكون في سنة ( 34هـ )، لأن دخوله البصرة وطرحه لأفكاره فيها وتعريجه على الكوفة ثم طرده منها، واتجاهه بعد ذلك إلى مصر .. كل هذا يحتاج إلى سنة على الأقل، ويؤكد هذا ابن كثير في البداية والنهاية (7/284)، فيضع ظهور ابن سبأ في مصر ضمن أحداث سنة (34هـ )، وتابعه في ذلك السيوطي أيضاً في حسن المحاضرة (2/164)، حيث أشار إلى دخول ابن سبأ مصر في هذا التاريخ .
ينكر الشيعة وجود هذه الشخصية، ويتهمون أهل السنة والجماعة باختراع هذه الشخصية للطعن بالشيعة، وينكرون هذه الشخصية لأنها الدليل الدامغ والبرهان الساطع على حقيقة جذورهم اليهودية، لذلك نسوق هنا أدلة دامغة على وجود هذه الشخصية ومن بطون كتب الشيعة المعتبرة عندهم:
عن أبي عبد الله قال: "لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين عبدا لله طائعا، الويل لمن كذب علينا" (معرفة أخبار الرجال للكشي، ص70-71) .
وقال المامقاني: "عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر، وأظهر الغلو" (تنقيح المقال في علم الرجال، ج2، ص 183-184) .
وهذا هو الكشي أحد علماء الشيعة الثقاة يقول: "إن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم، ووالى عليا عليه السلام، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفرهم" (رجال الكشي، ص101) .
أصل ابن سبأ ومنشأه:
و يروي عبد القاهر البغدادي في الفرق بين الفرق ( ص 235)، أن ابن سبأ من أهل( الحيرة )، قال : إن عبدالله بن السوداء كان يعين السبئية على قولها، وكان أصله من يهود الحيرة، فأظهر الإسلام .
و يروي ابن كثير في البداية والنهاية (7/190)، أن أصل ابن سبأ من الروم، فيقول : وكان أصله رومياً فأظهر الإسلام وأحدث بدعاً قولية وفعلية قبحه الله .
أما الطبري وابن عساكر، فيرويان أن ابن سبأ من اليمن. قال الطبري في تاريخه (4/340) : كان عبدالله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء . وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق ( 29/3) : عبد الله بن سبأ الذي ينسب إليه السبئية وهم الغلاة من الرافضة أصله من أهل اليمن كان يهودياً
الراجح أن ابن سبأ من اليمن ونحن لا نقطع بنسبته إلى قبيلة معينة لعدم توفر الأدلة على ذلك والله أعلم. ومعظم أهل العلم ينسبون ابن سبأ من جهة أبيه إلى سبأ، فيقولون : ( عبد الله بن سبأ )، ومن هؤلاء البلاذري في أنساب الأشراف (3/382) ابن قتيبة في المعارف ( ص 622) والطبري في التاريخ) 4/340)( وأبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين (1/86)، والشهرستاني في الملل والنحل (1/174)، والذهبي في الميزان ( 2/426) وابن حجر في لسان الميزان (3/290)، وابن عبد ربه في العقد الفريد (2/405) وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/483) .وابن حبان في المجروحين ( 2/253), والجوزجاني في أحوال الرجال (ص38) والمقدسي في البدء والتاريخ (5/129( والخوارزمي في مفاتيح العلوم (ص 22( وابن حزم في الفصل في الملل والنحل ( 4/186), والأسفرايني في التبصرة في الدين ( ص 108 ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( 29/3)، والسمعاني في الأنساب (7/24) وابن الأثير في اللّباب (2/98)، وغيرهم الكثير . ومن الرافضة : الناشئ الأكبر في مسائل الإمامة ( ص 22- 23 )، والأشعري القمي في المقالات والفرق ( ص 20 ) والنوبختي في فرق الشيعة (ص 22(.
أما نسب ابن سبأ ( لأمه ) فهو من أم حبشية، كما عند الطبري في التاريخ (4/326-327) وابن حبيب في المحبر (ص 308 )، ولذلك فكثيراً ما يطلق عليه ( ابن السوداء) ففي البيان والتبيين ( 3/81) : ( ... فلقيني ابن السوداء ) وفي تاريخ الطبري ( 4/326) : ( ونزل ابن السوداء على حكيم بن جبلة في البصرة )، وفي تاريخ الإسلام للذهبي (2/122) : ( ولما خرج ابن السوداء إلى مصر )، وهم بهذا يتحدثون عن عبد الله بن سبأ، ولذلك قال المقريزي في الخطط ( 2/356) : ( عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء )، وابن عساكر في تاريخ دمشق (29/8) من قول علي رضي الله عنه : ( من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله ورسوله يعني ابن السوداء ) . ومثل هذا كثير ...
و مما يحسن ذكره هنا أيضاً أن ابن سبأ كان أسود اللون، وهذا يرجح كون أمه من الحبشيات، ذكر ابن عساكر في تاريخه ( 29/7-8 ) : عن عمار الدهني قال : سمعت أبا الطفيل يقول : رأيت المسيب بن نجبة أتى به ملببة – أي ملازمه - يعني ابن السوداء وعلي على المنبر، فقال علي : ما شأنه ؟ فقال : يكذب على الله وعلى رسوله، وجاء من طريق زيد بن وهب عن علي قال : ما لي ومال هذا الحميت الأسود، ومن طريق سلمة قال : سمعت أبا الزعراء يحدث عن علي، قال : ما لي ومال هذا الحميت الأسود، وجاء أيضاً من طريق زيد قال : قال علي بن أبي طالب : ما لي ولهذا الحميت الأسود، يعني عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر .
سبب الاختلاف في تحديد هوية ابن سبأ:
لا غرابة أن يحدث هذا الاختلاف الكبير بين أهل العلم في تحديد هوية ونسب ابن سبأ، فعبد الله بن سبأ قد أحاط نفسه بإطار من الغموض والسرية التامة حتى على معاصريه، فهو لا يكاد يعرف له اسم ولا بلد، لأنه لم يدخل في الإسلام إلا للكيد له، وحياكة المؤامرات والفتن بين صفوف المسلمين، ولهذا لما سأله عبد الله بن عامر والي البصرة لعثمان بن عفان رضي الله عنه، قال له : ما أنت ؟ لم يخبره ابن سبأ باسمه واسم أبيه، وإنما قال له : إنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك . تاريخ الطبري (4/326-327(.
و في رأيي أن تلك السرية التامة التي أطبقها ابن سبأ على نفسه سبب رئيسي في اختلاف المؤرخين والمحققين في نسبة ابن سبأ، وغير مستبعد أن يكون ابن سبأ قد تسمى ببعض هذه الأسماء التي ذكرها المؤرخون، بل واستعمل بعض الأسماء الأخرى المستعارة لتغطية ما قام به من جرائم ودسائس في صدر الدولة الإسلامية .
ظهور ابن سبأ بين المسلمين:
جاء في تاريخ الطبري (4/340) والكامل لابن الأثير (3/77) والبداية والنهاية لابن كثير(7/167) وتاريخ دمشق لابن عساكر (29/ 7-8 ) وغيرهم من كتب التاريخ ضمن أحداث سنة (35هـ ) : أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً من أهل صنعاء وأنه أسلم زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأخذ يتنقل في بلاد المسلمين يريد ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم بالشام، فلم يقدر على شيء فيها، فأتى مصر واستقر بها ووضع لهم عقيدتي الوصية والرجعة، فقبلوها منه وكوّن له في مصر أنصاراً ممن استهواهم بآرائه الفاسدة .
لكن أين ومتى كان أول ظهور لعبد الله بن سبأ بين المسلمين ؟
جاء في البداية والنهاية لابن كثير (7/183) ضمن أحداث سنة (34هـ )، أن عبد الله بن سبأ كان سبب تألب الأحزاب على عثمان. ثم أورده في أحداث سنة (35هـ) مع الأحزاب الذين قدموا من مصر يدعون الناس إلى خلع عثمان. البداية والنهاية (7/190).
أما الطبري (4/331) وابن الأثير(3/147) فنجد عندهما ذكر لابن سبأ بين المسلمين قبل سنة ( 34هـ ) في الكوفة، ( فيزيد بن قيس ) ذلك الرجل الذي دخل المسجد في الكوفة يريد خلع عامل عثمان ) سعيد بن العاص ) إنما شاركه وثاب إليه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم .
و هذا يعني ظهور ابن سبأ قبل هذا التاريخ، وتكوين الأعوان الذين اجتمعوا إلى يزيد بن قيس، وتأكيد ذلك عند الطبري ( 4/326) وابن الأثير(3/144)، ففي سنة ( 33هـ ) وبعد مضي ثلاث سنين من إمارة عبد الله بن عامر على البصرة يعلم بنزول ابن سبأ على ( حكيم بن جبلة ) وتكون المقابلة بين ابن عامر وابن السوداء.
ونستمر في الاستقراء فنجد ظهوراً لابن سبأ بين المسلمين قبل هذا التاريخ، ففي الطبري (4/283) وابن الأثير (3/114)، وضمن حوادث سنة (30هـ ) يرد ابن السوداء الشام.
ابن سبأ في الحجاز :
لما كان ظهور ابن سبأ في الحجاز قبل ظهوره في البصرة والشام، فلابد أن يكون قد ظهر في الحجاز قبل سنة ( 30هـ (، لأن ظهوره في الشام كان في هذا التاريخ، وفي الحجاز لا تكاد تطالعنا الروايات التاريخية على مزيد من التفصيل، ولعل في هذا دلالة على عدم استقرار أو مكث لابن سبأ في الحجاز، عدا ذلك المرور في طريقه التخريبي، لكنه كما يبدو لم يستطع شيئاً من ذلك فتجاوز الحجاز إلى البصرة . تاريخ الطبري ( 4/340-341(.
ظهوره في البصرة:
و في البصرة كان نزول ابن سبأ على ( حكيم بن جبلة العبدي )، وخبره كما ورد في الطبري (4/ 326 ) : ( لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين بلغه أن في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة، وكان حكيم رجلاً لصاً إذا قفلت الجيوش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس فيغير على أهل الذمة، ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما يشاء ثم يرجع، فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله.
فلا يخرج من البصرة حتى تأنسوا منه رشداً، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها، فلما قدم ابن السوداء نزل عليه، واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح، فقبلوا منه واستعظموه .
و بقية خبر الطبري يفيدنا أنه لقي آذاناً صاغية في البصرة، وإن كان لم يصرح لهم بكل شيء، فقد قبلوا منه واستعظموه، وشاء الله أن تحجم هذه الفتنة ويتفادى المسلمون بقية شرها وذلك حينما بلغ والي البصرة ابن عامر خبر ابن سبأ، فأرسل إليه ودار بينهما هذا الحوار : ( ما أنت ؟ فأخبره أنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام والجوار، فقال ابن عامر : ما يبلغني ذلك ! اخرج عني، فأخرجه حتى أتى الكوفة . تاريخ الطبري (4/326-327).
ظهوره في الكوفة :
الذي يبدو أن ابن سبأ بعد إخراجه من البصرة وإتيانه الكوفة، لم يمكث بها طويلاً حتى أخرجه أهلها منها، كما في بقية خبر الطبري (4/327) : ( فخرج حتى أتى الكوفة، فأخرج منها فاستقر بمصر وجعل يكاتبهم ويكاتبونه، ويختلف الرجال بينهم ) . لكنه وإن كان قد دخل الكوفة ثم أخرج منها سنة 33هـ )، إلا أن صلته بالكوفة لم تنته بإخراجه، فلقد بقيت ذيول الفتنة في الرجال الذين بقي يكاتبهم ويكاتبونه. الطبري (4/327) وابن الأثير (3/144).
ظهوره في الشام :
لم يكن له دور يذكر في الشام، وإنما أخرجه أهلها حتى أتى مصر، بقوله: أنه لم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام, تاريخ الطبري (4/340).
ظهور ابن سبأ في مصر:
على ضوء استقراء النصوص السابقة، يكون ظهور ابن سبأ في مصر بعد خروجه من الكوفة، وإذا كان ظهوره في البصرة سنة ( 33هـ )، ثم أخرج منها إلى الكوفة، ومن الكوفة استقر بمصر، فإن أقرب توقيت لظهور ابن سبأ في مصر يكون في سنة ( 34هـ )، لأن دخوله البصرة وطرحه لأفكاره فيها وتعريجه على الكوفة ثم طرده منها، واتجاهه بعد ذلك إلى مصر .. كل هذا يحتاج إلى سنة على الأقل، ويؤكد هذا ابن كثير في البداية والنهاية (7/284)، فيضع ظهور ابن سبأ في مصر ضمن أحداث سنة (34هـ )، وتابعه في ذلك السيوطي أيضاً في حسن المحاضرة (2/164)، حيث أشار إلى دخول ابن سبأ مصر في هذا التاريخ .