Dr.Hamzeh Malkawi
14-03-2008, 04:50
أباطيل حول الإسلام
شبهات المنكرين للقرآن كثيرة، فقد زعم فريق أنه كذب مفترى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً) (الفرقان:4). وزعم آخرون أنه سحرُ ساحر (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الأحقاف:7). وزعموا أنه شعرُ شاعر وزعموا أنه هذيان مجنون، (وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) (الصافات:36). وزعموا أنه أساطير اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم, (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (لأنفال:31).
عرض القرآن الكريم هذه المزاعم مراراً وتكراراً من أجل أن يبين سخافتها وخلوها من الدليل ويرد عليها بالبراهين والحجج المسكتة, وكان أسلوب القرآن الكريم في مناقشة هذه القضية يعتمد على العقل ويرتكز على القضايا التي يسلم بها العقل المجرد الذي لا يستند إلى التسليم المطلق أو الإيمان المسبق أو التأثير النفسي فقط، ذلك لأن القرآن يخاطب في بداية الأمر أناسا غير مؤمنين به، ومن العبث معهم أن يلزموا بالتسليم بكلام ينكرونه ابتداء, إذن خطاب القرآن لهؤلاء يعتمد على القوة الذاتية للحجج التي يطرحها، لا على القوة الخارجية التي تترتب على التسليم بأنه وحي رباني.
حاصل شبهات المنكرين للقرآن من جملة الاعتراضات أن القرآن ليس من عند الله وأنهم قادرون على الإتيان بمثله. فقالوا كما يروي القرآن الكريم عنهم(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) (لأنفال:31). يروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان قد خرج إلى الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر، فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضوا قال النضر لو شئت لقلت مثل هذا. تلك هي الشبهة فحسب، إنكار بلا دليل إثبات.
أما منهج القرآن العقلي في رد هذه الشبهات فقد بدأ بأن جردها من أي دليل (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)(الطور:32), ثم تحدى المنكرين بأن يعارضوا القرآن ويأتوا بمثله إن استطاعوا. تحداهم عبر مراحل هي: التحدي بالإتيان بكتاب مثل ما نزل من القرآن قال تعالى:
( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور:33-34). فذكر زعمهم بأن القرآن مفترى من محمد صلى الله عليه وسلم, ورد عليهم بأن تحداهم بالإتيان بمثله. ووجه الاستدلال أن قال لهم: إنكم زعمتم أن القرآن مفترى من عند محمد, ومحمد بشر مثلكم, فإن كنتم صادقين فأتوا بمثل ما أتى به محمد، فإن جئتم ثبت صدقكم وبطلان القرآن، وإن عجزتم فأنتم كاذبون.
وقد تحداهم الله بالإتيان بمثل القرآن في موضع آخر وأرخى لهم العنان لأن يستعينوا بمن شاؤوا من الإنس والجن قال تعالى:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)(الإسراء:88)،أي لو اتفق الإنس والجن واتحد رأيهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لما استطاعوا, والغرض من ذكر الجن أن المتحدين بإعجاز القرآن كانوا يزعمون أن الجن يقدرون على الأعمال العظيمة, فتحداهم وأرخى لهم العنان بأن يستعينوا بالجن وذلك أفحم لهم.
ولما تحداهم بالإتيان بمثل القرآن فعجزوا سهل عليهم وتحداهم بعشر سور فقال:( أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (هود:13-14). وبعد أن عجزوا ارتقى في إبطال دعواهم وإفحامهم بأن تحداهم بمثل سورة من سور القرآن. قال تعالى:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (يونس:38)، وأرخى لهم العنان لأن يستعينوا بمن أرادوا. قال تعالى:( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)( البقرة: 23)، و(من) في قوله تعالى(من مثله) قد تكون ابتدائية, ويكون مقدار التحدي في آية البقرة هو ذات مقدار التحدي في سورة يونس. وقد تكون تبعيضية ويكون التحدي بأن يأتوا بمثله ولو في بعض صفاته، وهي مرحلة أقل درجة من سابقاتها.
هذا هو التحدي وصورة الاستدلال العقلي على صدق القرآن الكريم أن محمداً صلى الله عليه وسلم يدعي أنه رسول يبلغ عن رب العالمين وأن القرآن الكريم الذي يبلغه وحي من الله، ودليله على صدق دعواه أن هذا القرآن خارق لعادة الخلق ولا يستطيعون الإتيان بمثله فرادى أو مجتمعين ولا حتى بجزء منه, وبما أنهم لا يملكون دليلاً فإن عليهم - على الأقل - أن ينقضوا دليل محمد صلى الله عليه وسلم بأن يعارضوا القرآن ويأتوا بمثله، فإن فعلوا سلمنا لهم بدعواهم، ولكنهم لم يفعلوا على الرغم من أنهم على معرفة تامة باللغة، وكانوا مضطرين لقبول التحدي وإبطال دعوى محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا من الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل؟ وكيف يكونون قادرين على رد دعوى خصمهم - وقد سفه أحلامهم ولعن آلهتهم- بالكلام ولا يفعلون؟ وكيف يتركون المقارعة بالحجج للمقارعة بالسيوف إن كانوا قادرين على المحاججة؟ وبما أنهم مع كل هذا لم يعارضوا القرآن، ثبت عجزهم، وثبت بذلك أن القرآن ليس من كلام البشر إن هو إلا وحي من الله وثبت بذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق والرسالة حق.
لم يروِ التاريخ لنا منذ أول لحظة من التحدي عن أي محاولة لمعارضة القرآن سوى محاولة تركها أصحابها وعلموا عجزهم قبل أن يخوضوا فيها. كمثل ما روي عن الكندي حيث قال له أصحابه:"أيها الحكيم اعمل لنا مثل القرآن فقال: نعم أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد", وان كانت هنالك محاولات تمادى أصحابها وتجاهلوا وتعاموا عن الفرق بين نظم القرآن ونظمهم وظنوا أنهم عارضوا القرآن، لكنهم لما عرضوه على الملأ أخجلتهم معارضهم له وأضحكت الملأ منهم.
وفوق عجز المنكرين عن معارضة القرآن فقد اعترف كل من قرأ القرآن من العارفين باللغة والعالمين بوجوه الإعجاز -حتى المنكرون منهم- بعظمة القرآن الكريم ومفارقته لكلام البشر. ومن ذلك ما روي عن الوليد بن المغيرة المشرك أنه قال: "والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا (أي الشعر)، ووالله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وانه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وانه ليعلو ولا يُعلى عليه وانه يحطم ما تحته".
بعد ثبوت إعجاز القرآن الكريم وصدقه تساءل الناس عن الصفة التي جعلته عصيا عن معارضة البشر والجن، وكان لكل منهم في ذلك مذهب. فمن قائل إن إعجازه في أسلوبه وقائل في نظمه وقائل في تأثيره على السامع وقائل فيما فيه من أخبار الغيب، وقائل فيما فيه من علوم وحكمة وغير ذلك، هذا محتمل وذاك محتمل، ومع كل الاحتمالات فإن الأمر الثابت أنه معجز وأنه يحمل في ذاته الدليل على صدقه وكونه وحيا من الله, ويدل على صدق نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالة الإسلام.
عماد الراعوش
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن.
http://alghad.jo/index.php?news=314355
شبهات المنكرين للقرآن كثيرة، فقد زعم فريق أنه كذب مفترى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً) (الفرقان:4). وزعم آخرون أنه سحرُ ساحر (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الأحقاف:7). وزعموا أنه شعرُ شاعر وزعموا أنه هذيان مجنون، (وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ) (الصافات:36). وزعموا أنه أساطير اكتتبها محمد صلى الله عليه وسلم, (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (لأنفال:31).
عرض القرآن الكريم هذه المزاعم مراراً وتكراراً من أجل أن يبين سخافتها وخلوها من الدليل ويرد عليها بالبراهين والحجج المسكتة, وكان أسلوب القرآن الكريم في مناقشة هذه القضية يعتمد على العقل ويرتكز على القضايا التي يسلم بها العقل المجرد الذي لا يستند إلى التسليم المطلق أو الإيمان المسبق أو التأثير النفسي فقط، ذلك لأن القرآن يخاطب في بداية الأمر أناسا غير مؤمنين به، ومن العبث معهم أن يلزموا بالتسليم بكلام ينكرونه ابتداء, إذن خطاب القرآن لهؤلاء يعتمد على القوة الذاتية للحجج التي يطرحها، لا على القوة الخارجية التي تترتب على التسليم بأنه وحي رباني.
حاصل شبهات المنكرين للقرآن من جملة الاعتراضات أن القرآن ليس من عند الله وأنهم قادرون على الإتيان بمثله. فقالوا كما يروي القرآن الكريم عنهم(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) (لأنفال:31). يروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان قد خرج إلى الحيرة في التجارة، فاشترى أحاديث كليلة ودمنة، وكسرى وقيصر، فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضوا قال النضر لو شئت لقلت مثل هذا. تلك هي الشبهة فحسب، إنكار بلا دليل إثبات.
أما منهج القرآن العقلي في رد هذه الشبهات فقد بدأ بأن جردها من أي دليل (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)(الطور:32), ثم تحدى المنكرين بأن يعارضوا القرآن ويأتوا بمثله إن استطاعوا. تحداهم عبر مراحل هي: التحدي بالإتيان بكتاب مثل ما نزل من القرآن قال تعالى:
( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور:33-34). فذكر زعمهم بأن القرآن مفترى من محمد صلى الله عليه وسلم, ورد عليهم بأن تحداهم بالإتيان بمثله. ووجه الاستدلال أن قال لهم: إنكم زعمتم أن القرآن مفترى من عند محمد, ومحمد بشر مثلكم, فإن كنتم صادقين فأتوا بمثل ما أتى به محمد، فإن جئتم ثبت صدقكم وبطلان القرآن، وإن عجزتم فأنتم كاذبون.
وقد تحداهم الله بالإتيان بمثل القرآن في موضع آخر وأرخى لهم العنان لأن يستعينوا بمن شاؤوا من الإنس والجن قال تعالى:(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)(الإسراء:88)،أي لو اتفق الإنس والجن واتحد رأيهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لما استطاعوا, والغرض من ذكر الجن أن المتحدين بإعجاز القرآن كانوا يزعمون أن الجن يقدرون على الأعمال العظيمة, فتحداهم وأرخى لهم العنان بأن يستعينوا بالجن وذلك أفحم لهم.
ولما تحداهم بالإتيان بمثل القرآن فعجزوا سهل عليهم وتحداهم بعشر سور فقال:( أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (هود:13-14). وبعد أن عجزوا ارتقى في إبطال دعواهم وإفحامهم بأن تحداهم بمثل سورة من سور القرآن. قال تعالى:(أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (يونس:38)، وأرخى لهم العنان لأن يستعينوا بمن أرادوا. قال تعالى:( وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)( البقرة: 23)، و(من) في قوله تعالى(من مثله) قد تكون ابتدائية, ويكون مقدار التحدي في آية البقرة هو ذات مقدار التحدي في سورة يونس. وقد تكون تبعيضية ويكون التحدي بأن يأتوا بمثله ولو في بعض صفاته، وهي مرحلة أقل درجة من سابقاتها.
هذا هو التحدي وصورة الاستدلال العقلي على صدق القرآن الكريم أن محمداً صلى الله عليه وسلم يدعي أنه رسول يبلغ عن رب العالمين وأن القرآن الكريم الذي يبلغه وحي من الله، ودليله على صدق دعواه أن هذا القرآن خارق لعادة الخلق ولا يستطيعون الإتيان بمثله فرادى أو مجتمعين ولا حتى بجزء منه, وبما أنهم لا يملكون دليلاً فإن عليهم - على الأقل - أن ينقضوا دليل محمد صلى الله عليه وسلم بأن يعارضوا القرآن ويأتوا بمثله، فإن فعلوا سلمنا لهم بدعواهم، ولكنهم لم يفعلوا على الرغم من أنهم على معرفة تامة باللغة، وكانوا مضطرين لقبول التحدي وإبطال دعوى محمد صلى الله عليه وسلم، وكانوا من الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل؟ وكيف يكونون قادرين على رد دعوى خصمهم - وقد سفه أحلامهم ولعن آلهتهم- بالكلام ولا يفعلون؟ وكيف يتركون المقارعة بالحجج للمقارعة بالسيوف إن كانوا قادرين على المحاججة؟ وبما أنهم مع كل هذا لم يعارضوا القرآن، ثبت عجزهم، وثبت بذلك أن القرآن ليس من كلام البشر إن هو إلا وحي من الله وثبت بذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق والرسالة حق.
لم يروِ التاريخ لنا منذ أول لحظة من التحدي عن أي محاولة لمعارضة القرآن سوى محاولة تركها أصحابها وعلموا عجزهم قبل أن يخوضوا فيها. كمثل ما روي عن الكندي حيث قال له أصحابه:"أيها الحكيم اعمل لنا مثل القرآن فقال: نعم أعمل مثل بعضه. فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد", وان كانت هنالك محاولات تمادى أصحابها وتجاهلوا وتعاموا عن الفرق بين نظم القرآن ونظمهم وظنوا أنهم عارضوا القرآن، لكنهم لما عرضوه على الملأ أخجلتهم معارضهم له وأضحكت الملأ منهم.
وفوق عجز المنكرين عن معارضة القرآن فقد اعترف كل من قرأ القرآن من العارفين باللغة والعالمين بوجوه الإعجاز -حتى المنكرون منهم- بعظمة القرآن الكريم ومفارقته لكلام البشر. ومن ذلك ما روي عن الوليد بن المغيرة المشرك أنه قال: "والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا (أي الشعر)، ووالله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وانه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وانه ليعلو ولا يُعلى عليه وانه يحطم ما تحته".
بعد ثبوت إعجاز القرآن الكريم وصدقه تساءل الناس عن الصفة التي جعلته عصيا عن معارضة البشر والجن، وكان لكل منهم في ذلك مذهب. فمن قائل إن إعجازه في أسلوبه وقائل في نظمه وقائل في تأثيره على السامع وقائل فيما فيه من أخبار الغيب، وقائل فيما فيه من علوم وحكمة وغير ذلك، هذا محتمل وذاك محتمل، ومع كل الاحتمالات فإن الأمر الثابت أنه معجز وأنه يحمل في ذاته الدليل على صدقه وكونه وحيا من الله, ويدل على صدق نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالة الإسلام.
عماد الراعوش
دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن.
http://alghad.jo/index.php?news=314355