سلطان العرب
16-12-2007, 20:23
كتب الشيخ > الإعلام بنقد كتاب الحلال والحرام في الإسلام > بيان الأخطاء التي في كتاب الحلال والحرام في الإسلام مع الرد عليها > حكم كشف المرأة لوجهها وكفيها بحضرة الرجال الأجانب
8- حكم كشف المرأة لوجهها وكفيها بحضرة الرجال الأجانب
في صفحة ( 112 ) قال المؤلف : ( وعورة المرأة بالنسبة للرجل الأجنبي عنها جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها ) وفي صفحة ( 113 ) لما ذكر نظر المرأة إلى الرجل قال : ( ومثل هذا نظر الرجل إلى ما ليس بعورة من المرأة ، أي إلى وجهها وكفيها ، فهو مباح ما لم تصحبه شهوة أو تخف منه فتنة ) وفي صفحة ( 115 ) بعد أن ذكر قوله تعالى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ قال : وهذا التوجيه يتضمن نهي النساء المؤمنات عن كشف الزينة الخفية ، كزينة الأذن والشعر والعنق والصدر والساق أمام الرجال الأجانب الذين رخص لها أمامهم في إبداء الوجه والكفين مَا ظَهَرَ مِنْهَا وفي صفحة ( 113 ) استدل المؤلف على جواز نظر الرجل الأجنبي إلى وجه المرأة وكفيها بحديث عائشة أن أختها أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - في لباس رقيق يشف عن جسمها فأعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ، وهذا ، وأشار إلى وجهه وكفيه قال : وفي الحديث ضعف ، ولكن تقويه أحاديث صحاح في إباحة رؤية الوجه والكفين وكشفهما .
ثم قال : وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وجد الفضل ابن عمه العباس ينظر إلى امرأة أجنبية حسناء ويطيل الالتفات إليها ، وكان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجهه إلى الشق الآخر ، وقال رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة . اهـ . حاصل كلامه .
وأقول : إن ما ذكره المؤلف في هذا المبحث يشتمل على أخطاء كثيرة هي :
أولا : تجويزه للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها بحضرة الرجال الأجانب ، وتجويزه للرجل الأجنبي أن ينظر إليهما باعتبارهما غير عورة ، وهذا قول باطل ، وخطأ واضح ترده الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة الدالة على أن وجه المرأة وكفيها وجميع بدنها عورة يجب سترها عن الرجال الأجانب ، وإليك ذكر بعض هذه الأدلة :
قال الله تعالى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ الآية . وقال تعالى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الآية . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الكلام على الآيتين ما نصه : ( والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين فقال ابن مسعود ومن وافقه هي الثياب ، وقال ابن عباس ومن وافقه هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم ، إلى أن قال جامعا بين القولين : وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين : زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة ، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم ، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم ، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب ، كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين ، وكان حينئذ يجوز النظر إليها ؛ لأنه يجوز لها إظهاره ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ حجب النساء عن الرجال ، وكان ذلك لما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش فأرخى النبي - صلى الله عليه وسلم - الستر ومنع النساء أن ينظرن ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر ، قالوا : إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين ، وإلا فهي مما ملكت يمينه ، فحجبها ، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن ، والجلباب هو الملاءة ، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار ، وهو الإزار الذي يغطي رأسها وسائر بدنها ، وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها ، ومن جنسه النقاب ، فكن النساء ينتقبن ، وفي الصحيح إن المحرمة لا تنتقب ، ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب ؛ لئلا يعرفن ، وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب ، وكان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة ف ابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين انتهى
وقال ابن كثير - رحمه الله - : يقول الله تعالى آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر النساء المؤمنات خاصة وأزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية ، وسمات الإماء . والجلباب هو الرداء فوق الخمار قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد ، وهو بمنزلة الإزار اليوم قال الجوهري الجلباب الملحفة . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة .
وقال محمد بن سيرين : سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى . اهـ .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان ( 6-197-200 ) لما ذكر النقول عن السلف في تفسير الزينة بقسميها ما نصه :
( وقد رأيت في هذه النقول عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة ، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال - كما ذكرنا :
الأول : أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها ، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود ومن وافقه أنها ظاهر الثياب ؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها ، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار - كما ترى - وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا ، وأحوطها وأبعدها من الريبة ، وأسباب الفتنة .
القول الثاني : أن المراد بالزينة ما تتزين به وليس من أصل خلقتها أيضا ، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة ، وذلك كالخضاب والكحل ونحو ذلك ؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع اللابس من البدن ، كما لا يخفى .
القول الثالث : أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها ، لقول من قال : إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان . وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم .
وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول . وقدمنا أيضا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ ، مع تكرار ذلك اللفظ في القرآن ، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب يدل على أنه هو المراد في محل النزاع ، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ ، وذكرنا بعض الأمثلة في الترجمة .
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها .
أما الأول منهما فبيانه أن قول من قال في معنى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا أن المراد بالزينة الوجه والكفان مثلا توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول ، وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والحلل ، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر ، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وبه تعلم أن قول من قال : الزينة الظاهرة الوجه والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية ، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول ، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه .
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها ، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها ، كقوله تعالى : يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وقوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا وقوله تعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وقوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وقوله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وقوله تعالى : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ الآية .
وقوله تعالى : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وقوله تعالى : أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ الآية وقوله تعالى : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وقوله تعالى عن قوم موسى : وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ وقوله تعالى : وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء ، وهو ليس من أصل خلقته - كما ترى - وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن الكريم ، وهو المعروف في كلام العرب ، كقول الشاعر :
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلـن فهـن خـير عواطل
8- حكم كشف المرأة لوجهها وكفيها بحضرة الرجال الأجانب
في صفحة ( 112 ) قال المؤلف : ( وعورة المرأة بالنسبة للرجل الأجنبي عنها جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها ) وفي صفحة ( 113 ) لما ذكر نظر المرأة إلى الرجل قال : ( ومثل هذا نظر الرجل إلى ما ليس بعورة من المرأة ، أي إلى وجهها وكفيها ، فهو مباح ما لم تصحبه شهوة أو تخف منه فتنة ) وفي صفحة ( 115 ) بعد أن ذكر قوله تعالى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ قال : وهذا التوجيه يتضمن نهي النساء المؤمنات عن كشف الزينة الخفية ، كزينة الأذن والشعر والعنق والصدر والساق أمام الرجال الأجانب الذين رخص لها أمامهم في إبداء الوجه والكفين مَا ظَهَرَ مِنْهَا وفي صفحة ( 113 ) استدل المؤلف على جواز نظر الرجل الأجنبي إلى وجه المرأة وكفيها بحديث عائشة أن أختها أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الله عليه وسلم - في لباس رقيق يشف عن جسمها فأعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا ، وهذا ، وأشار إلى وجهه وكفيه قال : وفي الحديث ضعف ، ولكن تقويه أحاديث صحاح في إباحة رؤية الوجه والكفين وكشفهما .
ثم قال : وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين وجد الفضل ابن عمه العباس ينظر إلى امرأة أجنبية حسناء ويطيل الالتفات إليها ، وكان رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجهه إلى الشق الآخر ، وقال رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة . اهـ . حاصل كلامه .
وأقول : إن ما ذكره المؤلف في هذا المبحث يشتمل على أخطاء كثيرة هي :
أولا : تجويزه للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها بحضرة الرجال الأجانب ، وتجويزه للرجل الأجنبي أن ينظر إليهما باعتبارهما غير عورة ، وهذا قول باطل ، وخطأ واضح ترده الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة الدالة على أن وجه المرأة وكفيها وجميع بدنها عورة يجب سترها عن الرجال الأجانب ، وإليك ذكر بعض هذه الأدلة :
قال الله تعالى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ الآية . وقال تعالى : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ الآية . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في الكلام على الآيتين ما نصه : ( والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين فقال ابن مسعود ومن وافقه هي الثياب ، وقال ابن عباس ومن وافقه هي ما في الوجه واليدين مثل الكحل والخاتم ، إلى أن قال جامعا بين القولين : وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين : زينة ظاهرة وزينة غير ظاهرة ، وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم ، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم ، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب ، كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها ، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين ، وكان حينئذ يجوز النظر إليها ؛ لأنه يجوز لها إظهاره ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله : يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ حجب النساء عن الرجال ، وكان ذلك لما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش فأرخى النبي - صلى الله عليه وسلم - الستر ومنع النساء أن ينظرن ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر ، قالوا : إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين ، وإلا فهي مما ملكت يمينه ، فحجبها ، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن ، والجلباب هو الملاءة ، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار ، وهو الإزار الذي يغطي رأسها وسائر بدنها ، وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها ، ومن جنسه النقاب ، فكن النساء ينتقبن ، وفي الصحيح إن المحرمة لا تنتقب ، ولا تلبس القفازين فإذا كن مأمورات بالجلباب ؛ لئلا يعرفن ، وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب ، وكان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت ألا تظهرها للأجانب فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة ف ابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين انتهى
وقال ابن كثير - رحمه الله - : يقول الله تعالى آمرا رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر النساء المؤمنات خاصة وأزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية ، وسمات الإماء . والجلباب هو الرداء فوق الخمار قاله ابن مسعود وعبيدة وقتادة والحسن البصري وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وعطاء الخراساني وغير واحد ، وهو بمنزلة الإزار اليوم قال الجوهري الجلباب الملحفة . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عينا واحدة .
وقال محمد بن سيرين : سألت عبيدة السلماني عن قول الله عز وجل : يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى . اهـ .
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان ( 6-197-200 ) لما ذكر النقول عن السلف في تفسير الزينة بقسميها ما نصه :
( وقد رأيت في هذه النقول عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة ، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال - كما ذكرنا :
الأول : أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها ، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود ومن وافقه أنها ظاهر الثياب ؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها ، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار - كما ترى - وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا ، وأحوطها وأبعدها من الريبة ، وأسباب الفتنة .
القول الثاني : أن المراد بالزينة ما تتزين به وليس من أصل خلقتها أيضا ، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة ، وذلك كالخضاب والكحل ونحو ذلك ؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع اللابس من البدن ، كما لا يخفى .
القول الثالث : أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها ، لقول من قال : إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفان . وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم .
وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول . وقدمنا أيضا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ ، مع تكرار ذلك اللفظ في القرآن ، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب يدل على أنه هو المراد في محل النزاع ، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ ، وذكرنا بعض الأمثلة في الترجمة .
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك ، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها .
أما الأول منهما فبيانه أن قول من قال في معنى : وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا أن المراد بالزينة الوجه والكفان مثلا توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول ، وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والحلل ، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر ، ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه ، وبه تعلم أن قول من قال : الزينة الظاهرة الوجه والكفان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية ، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول ، فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه .
وأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها ، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها ، كقوله تعالى : يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وقوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا وقوله تعالى : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وقوله تعالى : إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وقوله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وقوله تعالى : فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ الآية .
وقوله تعالى : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وقوله تعالى : أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ الآية وقوله تعالى : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وقوله تعالى عن قوم موسى : وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ وقوله تعالى : وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزين به الشيء ، وهو ليس من أصل خلقته - كما ترى - وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن الكريم ، وهو المعروف في كلام العرب ، كقول الشاعر :
يأخذن زينتهن أحسن ما ترى وإذا عطلـن فهـن خـير عواطل