Salamat
12-11-2007, 03:51
انتفاضة او صحوة الهنود في خليج العرب وتهديدات السفير الهندي
تراجعت حكومة دولة الامارات العربية المتحدة عن خططها لترحيل العمال الهنود، الذين اضربوا عن العمل، احتجاجا علي اوضاعهم المعيشية المزرية، ووعدت بتقديم الذين اقدموا علي اعمال شغب منهم، وتعدوا علي المصالح العامة والخاصة، الي محاكمات عادلة .
الاضرابات والمظاهرات العمالية ليست ظاهرة مألوفة في دول الخليج العربي، ناهيك عن اشتراك عمال من شبه القارة الهندية فيها، تحــــــولوا الي الاغلبــــية الساحقة من بين المقيمين بسبب سلوكهم المســـــتكين الخانع لرب العمل، والقابل بأجور متدنية للغاية .
ومن هنا جاءت اضرابات واحتجاجات اكثر من اربعة آلاف عامل هندي في امارة دبي ظاهرة فريدة وغير مسبوقة، خاصة ان بعض المتظاهرين اغلقوا الشوارع في منطقة جبل علي الصناعية الحرة، وقذفوا سيارات الشرطة والمحلات العامة بالحجارة .
مطالب هؤلاء العمال تكشف، بل تؤكد، الاوضاع المعيشية البائسة التي يعيشونها، فقد انحصرت في توفير حافلات اكثر عددا لنقلهم، واسكانهم في اماكن اقل ازدحاما، وتحسين اجورهم بعض الشيء، وبما يوفر لهم الحد الادني من العيش الكريم .
ربما تبدو هذه المطالب غريبة، وغير مفهومة، لدي الكثيرين، خاصة في الدول التي تحترم حقوق العمال، وتوجد فيها قوانين تحدد الحد الادني من الاجور، فهؤلاء ينقلون مثل الحيوانات في سيارات لا تصلح لنقل البشر، ويقيمون في معسكرات في الصحراء هي اقرب الي المعتقلات، ويتقاضون 370 درهما في الشهر (100 دولار)، في بلد يبلغ فيه أجر حجرة في فندق متوسط ضعفي هذا الرقم تقريبا .
وربما يجادل المسؤولون في دول الخليج، والامارات علي وجه الخصوص، بان هؤلاء يأتون للعمل وفق عقود عمل موثقة، وقد ارتضوا بشروطها، وأي اضراب عن العمل من جانبهم هو اخلال بشروط العقد، ولذلك يجب ترحيلهم فورا .
ويضيفون بان الدولة ليست مسؤولة عن هؤلاء، لان من يستقدمهم هو القطاع الخاص، والمسألة لها علاقة بمعادلة الربح والخسارة، وحركة السوق العمالية ومتطلباتها .
وهذا جدل صحيح في ظاهره، خطير في مضمونه، لانه يعني ان الحكومات تشرع الاستغلال، والاتجار بالبشر، وترضخ لرغبات رجال اعمال جشعين بلا رحمة او ضمير، وكل همهم هو تكديس المليارات، وليس الملايين، من الدولارات في حساباتهم البنكية علي حساب حاجة هؤلاء وظروفهم المعيشية الصعبة في بلدانهم .
الاضطرابات العمالية الناتجة عن الجشع والاستغلال البشع لظروف الفقراء والمعدمين تدفع ثمنها الدولة من امنها واستقرارها، وليس التجار ورجال الاعمال والمقاولين الجشعين، ولهذا يجب ان تتدخل، وبسرعة، لوضع حد لهذه الظاهرة، من خلال اصدار تشريعات وقوانين تحول دون تكرارها، ليس بترحيل المضربين او المحتجين، وانما بتحديد الاجور وتحسين ظروف العمل والاقامة، ومعاقبة المقاولين المخالفين، والحيتان الكبار، خاصة الذين لا يشبعون من جمع المليارات. فهل يعقل ان يبلغ اجر العامل مئة واربعين دولارا في بلد يعتبر واحدا من اكثر بلدان العالم ثراء وغلاء في الوقت نفسه ؟
تظاهرة العمال الهنود، بالطريقة التي تمت، والنتائج التي ترتبت عليها، هي بمثابة جرس انذار لحكام دول الخليج الذين يديرون ظهورهم لهذا الملف المتفجر، في غمرة ازدياد دخولهم من عوائد النفط والغاز التي بلغت اكثر من ستمئة مليار دولار سنويا ومرشحة للتصاعد بعد اقتراب سعر البرميل من مئة دولار .
فعندما يخرج هؤلاء عن طورهم، وينزلون الي الشوارع بالآلاف، ويقذفون السيارات بالحجارة، وهم الذين لا يؤذون بعوضة، ويتذللون لرب العمل بطريقة مهينة، فان هذا يعني ان الكيل قد طفح، وان البركان المحتقن بالقهر قد بدأ يطلق دخانه تمهيدا للانفجار الكبير .
العمالة الآسيوية الرخيصة باتت تشكل ثلثي عدد السكان في معظم الدول الخليجية، وهناك 700 الف منها في دولة الامارات وحدها، حتي ان اللغة العربية في طريقها الي الانقراض، وبات المتحدثون فيها عملة نادرة، فاللغات الرسمية هي الانكليزية والاردية والبنغالية، والصحف التي تصدر باللغة العربية هي الاقل توزيعا في البلاد، رغم جودتها بسبب قلة عدد العرب .
ندرك جيدا ان هذا الموضوع شائك ويثير حساسيات اناس كثيرين من علية القوم، ولكن نجد لزوما علينا الخوض فيه تنبيها للتسونامي الكبير الذي يهدد المنطقة، وحكامها، وهويتها العربية، في ظل الانشغال الكبير في المؤتمرات والندوات والمشاريع التي تعكس تناقضا كبيرا لما يجري علي الارض .
فدول الخليج في رأينا تقف حاليا امام خيارين لا ثالث لهما، فإما ان تتحول الي دول متعددة الثقافات والأعراق والديانات مثل دول العالم الجديد (امريكا، كندا، استراليا، نيوزيلندا) حيث يتساوي الجميع في الحقوق والواجبات في ظل نظام سياسي ديمقراطي تعددي، او تتمسك بهويتها العربية، وفي هذه الحالة تتبني سياسات تجنيس واضحة ومعروفة في هذا الصدد. اما استمرار الوضع الراهن، في ظل الخلل الكبير في التركيبة السكانية، وغياب التشريعات الواضحة، وانعدام الحريات، وتراجع حقوق الانسان، وظلم العمالة، فهو وضع لا يمكن ان يستمر، وإن استمر فلن يدوم طويلا .
فمن غير المنطقي ان يقيم بعض العرب والاجانب في هذه الدول لاكثر من اربعين عاما، دون ان يكون لهم حق الإقامة الدائمة، او التخلص من نظام الكفيل الاستعبادي، ودون ان يملك ابناؤهم المولودون في هذه البلاد ويتحدثون لهجتها، ويرددون اغاني مطربيها، ويحيون علمها في المدارس، حق المواطنة، او حتي حق العلاج والدراسة في مستشفيات الدولة ومدارسها، ويواجهون سيف الترحيل في اي لحظة .
وزير العمل الامريكي الذي زار الكويت مؤخرا تحدث بمرارة عن ظروف العمل المزرية للعمالة الاجنبية فيها، وطالب بضرورة تغييرها لانها تشكل انتهاكا لحقوق الانسان والتشريعات الدولية، وهذا الحديث الذي هو الاول من نوعه، يمكن ان يتحول في المستقبل القريب الي ضغوط، وربما قرارات دولية تفرض التجنيس بالقوة علي الحكومات الرافضة له .
فالعمالة الأجنبية في الكويت تعيش ظروفا مماثلة لنظيرتها في دولة الامارات، حيث يمنع العمال من احضار عائلاتهم بسبب تدني اجورهم، الامر الذي ادي الي انتشار الجريمة والسطو المسلح والاغتصاب والشذوذ الجنسي وامراض اجتماعية خطيرة، ناهيك عن الاخطار الامنية الناجمة عن هذه السياسات القصيرة النظر، وانعكست في ثورة صاخبة للعمال المصريين في خيطان والفروانية اوقعت العديد من القتلي والجرحي .
السفير الهندي في الامارات كان يتابع الانتفاضة العمالية عن كثب وربما كانت تهديداته هي السبب في التراجع عن قرار ترحيل العمال المضربين، فالهند دولة عظمي، تملك اسلحة نووية، واقتصادا قويا، والديمقراطية الاضخم في العالم، والنموذج المشرف في التعددية الثقافية والدينية والعرقية، وهذه الدولة من غير المتوقع ان تصبر طويلا علي الاهانات وعمليات الإذلال وسوء المعاملة التي يتعرض لها عمالها ومواطنوها .
باختصار شديد لم يعد العامل الهندي هو ذلك المواطن موضع التندر في الخليج والمسرحيات الكويتية كرمز للتذلل والخنوع، فقد بدأ يتمرد، لانه ينتمي الي قوة عظمي تنتج الصواريخ النووية العابرة للقارات، والاجهزة الكومبيوترية المعقدة، اما نحن الذين نسخر من هؤلاء فما زلنا غير قادرين علي انتاج غترتنا وعقالنا .
أ. عبد البارى عطوان
تراجعت حكومة دولة الامارات العربية المتحدة عن خططها لترحيل العمال الهنود، الذين اضربوا عن العمل، احتجاجا علي اوضاعهم المعيشية المزرية، ووعدت بتقديم الذين اقدموا علي اعمال شغب منهم، وتعدوا علي المصالح العامة والخاصة، الي محاكمات عادلة .
الاضرابات والمظاهرات العمالية ليست ظاهرة مألوفة في دول الخليج العربي، ناهيك عن اشتراك عمال من شبه القارة الهندية فيها، تحــــــولوا الي الاغلبــــية الساحقة من بين المقيمين بسبب سلوكهم المســـــتكين الخانع لرب العمل، والقابل بأجور متدنية للغاية .
ومن هنا جاءت اضرابات واحتجاجات اكثر من اربعة آلاف عامل هندي في امارة دبي ظاهرة فريدة وغير مسبوقة، خاصة ان بعض المتظاهرين اغلقوا الشوارع في منطقة جبل علي الصناعية الحرة، وقذفوا سيارات الشرطة والمحلات العامة بالحجارة .
مطالب هؤلاء العمال تكشف، بل تؤكد، الاوضاع المعيشية البائسة التي يعيشونها، فقد انحصرت في توفير حافلات اكثر عددا لنقلهم، واسكانهم في اماكن اقل ازدحاما، وتحسين اجورهم بعض الشيء، وبما يوفر لهم الحد الادني من العيش الكريم .
ربما تبدو هذه المطالب غريبة، وغير مفهومة، لدي الكثيرين، خاصة في الدول التي تحترم حقوق العمال، وتوجد فيها قوانين تحدد الحد الادني من الاجور، فهؤلاء ينقلون مثل الحيوانات في سيارات لا تصلح لنقل البشر، ويقيمون في معسكرات في الصحراء هي اقرب الي المعتقلات، ويتقاضون 370 درهما في الشهر (100 دولار)، في بلد يبلغ فيه أجر حجرة في فندق متوسط ضعفي هذا الرقم تقريبا .
وربما يجادل المسؤولون في دول الخليج، والامارات علي وجه الخصوص، بان هؤلاء يأتون للعمل وفق عقود عمل موثقة، وقد ارتضوا بشروطها، وأي اضراب عن العمل من جانبهم هو اخلال بشروط العقد، ولذلك يجب ترحيلهم فورا .
ويضيفون بان الدولة ليست مسؤولة عن هؤلاء، لان من يستقدمهم هو القطاع الخاص، والمسألة لها علاقة بمعادلة الربح والخسارة، وحركة السوق العمالية ومتطلباتها .
وهذا جدل صحيح في ظاهره، خطير في مضمونه، لانه يعني ان الحكومات تشرع الاستغلال، والاتجار بالبشر، وترضخ لرغبات رجال اعمال جشعين بلا رحمة او ضمير، وكل همهم هو تكديس المليارات، وليس الملايين، من الدولارات في حساباتهم البنكية علي حساب حاجة هؤلاء وظروفهم المعيشية الصعبة في بلدانهم .
الاضطرابات العمالية الناتجة عن الجشع والاستغلال البشع لظروف الفقراء والمعدمين تدفع ثمنها الدولة من امنها واستقرارها، وليس التجار ورجال الاعمال والمقاولين الجشعين، ولهذا يجب ان تتدخل، وبسرعة، لوضع حد لهذه الظاهرة، من خلال اصدار تشريعات وقوانين تحول دون تكرارها، ليس بترحيل المضربين او المحتجين، وانما بتحديد الاجور وتحسين ظروف العمل والاقامة، ومعاقبة المقاولين المخالفين، والحيتان الكبار، خاصة الذين لا يشبعون من جمع المليارات. فهل يعقل ان يبلغ اجر العامل مئة واربعين دولارا في بلد يعتبر واحدا من اكثر بلدان العالم ثراء وغلاء في الوقت نفسه ؟
تظاهرة العمال الهنود، بالطريقة التي تمت، والنتائج التي ترتبت عليها، هي بمثابة جرس انذار لحكام دول الخليج الذين يديرون ظهورهم لهذا الملف المتفجر، في غمرة ازدياد دخولهم من عوائد النفط والغاز التي بلغت اكثر من ستمئة مليار دولار سنويا ومرشحة للتصاعد بعد اقتراب سعر البرميل من مئة دولار .
فعندما يخرج هؤلاء عن طورهم، وينزلون الي الشوارع بالآلاف، ويقذفون السيارات بالحجارة، وهم الذين لا يؤذون بعوضة، ويتذللون لرب العمل بطريقة مهينة، فان هذا يعني ان الكيل قد طفح، وان البركان المحتقن بالقهر قد بدأ يطلق دخانه تمهيدا للانفجار الكبير .
العمالة الآسيوية الرخيصة باتت تشكل ثلثي عدد السكان في معظم الدول الخليجية، وهناك 700 الف منها في دولة الامارات وحدها، حتي ان اللغة العربية في طريقها الي الانقراض، وبات المتحدثون فيها عملة نادرة، فاللغات الرسمية هي الانكليزية والاردية والبنغالية، والصحف التي تصدر باللغة العربية هي الاقل توزيعا في البلاد، رغم جودتها بسبب قلة عدد العرب .
ندرك جيدا ان هذا الموضوع شائك ويثير حساسيات اناس كثيرين من علية القوم، ولكن نجد لزوما علينا الخوض فيه تنبيها للتسونامي الكبير الذي يهدد المنطقة، وحكامها، وهويتها العربية، في ظل الانشغال الكبير في المؤتمرات والندوات والمشاريع التي تعكس تناقضا كبيرا لما يجري علي الارض .
فدول الخليج في رأينا تقف حاليا امام خيارين لا ثالث لهما، فإما ان تتحول الي دول متعددة الثقافات والأعراق والديانات مثل دول العالم الجديد (امريكا، كندا، استراليا، نيوزيلندا) حيث يتساوي الجميع في الحقوق والواجبات في ظل نظام سياسي ديمقراطي تعددي، او تتمسك بهويتها العربية، وفي هذه الحالة تتبني سياسات تجنيس واضحة ومعروفة في هذا الصدد. اما استمرار الوضع الراهن، في ظل الخلل الكبير في التركيبة السكانية، وغياب التشريعات الواضحة، وانعدام الحريات، وتراجع حقوق الانسان، وظلم العمالة، فهو وضع لا يمكن ان يستمر، وإن استمر فلن يدوم طويلا .
فمن غير المنطقي ان يقيم بعض العرب والاجانب في هذه الدول لاكثر من اربعين عاما، دون ان يكون لهم حق الإقامة الدائمة، او التخلص من نظام الكفيل الاستعبادي، ودون ان يملك ابناؤهم المولودون في هذه البلاد ويتحدثون لهجتها، ويرددون اغاني مطربيها، ويحيون علمها في المدارس، حق المواطنة، او حتي حق العلاج والدراسة في مستشفيات الدولة ومدارسها، ويواجهون سيف الترحيل في اي لحظة .
وزير العمل الامريكي الذي زار الكويت مؤخرا تحدث بمرارة عن ظروف العمل المزرية للعمالة الاجنبية فيها، وطالب بضرورة تغييرها لانها تشكل انتهاكا لحقوق الانسان والتشريعات الدولية، وهذا الحديث الذي هو الاول من نوعه، يمكن ان يتحول في المستقبل القريب الي ضغوط، وربما قرارات دولية تفرض التجنيس بالقوة علي الحكومات الرافضة له .
فالعمالة الأجنبية في الكويت تعيش ظروفا مماثلة لنظيرتها في دولة الامارات، حيث يمنع العمال من احضار عائلاتهم بسبب تدني اجورهم، الامر الذي ادي الي انتشار الجريمة والسطو المسلح والاغتصاب والشذوذ الجنسي وامراض اجتماعية خطيرة، ناهيك عن الاخطار الامنية الناجمة عن هذه السياسات القصيرة النظر، وانعكست في ثورة صاخبة للعمال المصريين في خيطان والفروانية اوقعت العديد من القتلي والجرحي .
السفير الهندي في الامارات كان يتابع الانتفاضة العمالية عن كثب وربما كانت تهديداته هي السبب في التراجع عن قرار ترحيل العمال المضربين، فالهند دولة عظمي، تملك اسلحة نووية، واقتصادا قويا، والديمقراطية الاضخم في العالم، والنموذج المشرف في التعددية الثقافية والدينية والعرقية، وهذه الدولة من غير المتوقع ان تصبر طويلا علي الاهانات وعمليات الإذلال وسوء المعاملة التي يتعرض لها عمالها ومواطنوها .
باختصار شديد لم يعد العامل الهندي هو ذلك المواطن موضع التندر في الخليج والمسرحيات الكويتية كرمز للتذلل والخنوع، فقد بدأ يتمرد، لانه ينتمي الي قوة عظمي تنتج الصواريخ النووية العابرة للقارات، والاجهزة الكومبيوترية المعقدة، اما نحن الذين نسخر من هؤلاء فما زلنا غير قادرين علي انتاج غترتنا وعقالنا .
أ. عبد البارى عطوان