هاني جبران
19-10-2007, 16:05
مع فنجان قهوة
أخرجوا أيديكم من جيوبي؟؟!!
اعتاد الحاج فلان أن يذهب لحقله في الصباح الباكر بهمة ونشاط ليقطف ثمار بستانه من الزيتون وأشهى الفاكهة, فيبيعها وينفق على عياله ويدخر القسط الجامعي لابنه فلان الذي لم يبق على تخرجه من إحدى الجامعات خارج الوطن إلا سنوات قليلة.
خرج الحاج فلان من منزله متوجهاً إلى بستانه ونسيم الصباح يداعب أحلامه وأمنياته وهو في غاية من السرور والنشوة ورائحة هذه الايام موسم قطف الزيتون في فلسطين تذكره بالمواسم الماضية, وتذكّره ببعض المال الذي سيوفره في نهاية لسد مستلزمات الحياة, ويدّخر القسط الجامعي لابنه فلان!!
لكن وساوس الشيطان لم تفارقه ولو للحظة واحدة, فلقد تعوّد الحاج فلان أن يرى في الصباح الباكر الكثيرين في طريقه من المزارعين والتجار, أمّا هذا اليوم فالطريق خالٍ تماماً من الناس سوى بعض طيور فلسطين الجميلة تصاحبه في المسير بأصواتها ولحنها العذب - ومع ذلك - ومع كل ما يعتري قلب هذا الرجل العجوز الا أنه واصل المسير فهو يؤمن حق الايمان بقوله تعالى: "لقد خلقنا الانسان في كبد", فالإرادة والأمل والعمل وعرق الجبين هو العنوان الرئيس والمبدأ الشريف الذي لا يمكن التنازل عنه..
انتابه الألم والدهشة فجأة - وبان الغضب على تقاسيم وجهه عندما أوقفته مجموعة من جنود الاحتلال طالبين منه الرجوع الى حيث أتى, رفض الحاج هذه الأوامر الغريبة واعتبرها فقاعات في الهواء فأصر على السير, وتحدّى الجنود إلى أن وصل إلى بستانه مصدر رزقه الوحيد - بعد رب العباد .. لم يصدق عيونه.. جلس على الأرض .. فرجلاه لا تستطيعان حمله بعدما شاهد مناظر وفظائع لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.. آليات حديثة تقتلع أشجار الزيتون المبارك التي عاصرت أجيالاً متتالية - فعمرها من عمر أجداده الأوائل.. الذين رووا بعرقهم هذه الأرض المباركة.
وربطات كبيرة وكثيرة من الأسلاك الشائك وضعت في وسط بستانه نهض بصعوبة وتوجه إلى إحدى الآليات وجلس أمهامها فهو صاحب انتماء حقيقي لهذه الأرض - ولانها تذكره برائحة الآباء والأجداد وبرائحة الثمار الشهية - ولقمة عرق الجبين.
اقتربوا منه وركلوه في كل عضو من أعضاء جسمه وأبلغوه بأن هذا اجراء طبيعي - فالجدار الفاصل فوق كل اعتبار ويحق له أن يقتلع الاشجار والأحجار - الإرادة والثمار - الإرادة - والانسان؟!
عاد الحاج الى بيته مكسور الخاطر والوجدان فلا حول له ولا قوة لا ناصر له ولا مساند - لا هيئة له ولا مجلس أمن ولا جمعيات حقوقية أو غير حقوقية تعيد له ارضه وأشجاره, وألقى بنفسه على أريكة أمام منزله القديم - لا كلام أو حتى سلام, اقتربت منه زوجته فلانه وجلست تواسيه - أي مواساة وهي لا تعلم ما جرى وما حدث بالارض والفصل..؟! وفي يدها مجموعة من الاوراق العريضة ذات الطباعة الحديثة؟!!
مسكينة فلانه هذه - فلقد أحست بأن سبب حزن زوجها وإرهاقه الشديد هو هذه الاوراق "الفواتير" وما أدراك ما الفواتير - إنها فواتير - أثمان كهرباء, وضرائب باهظة ما انزل الله بها من سلطان.. وفواتير, وَ.. وَ.. وَ..
ابتسم الحاج فلان ونهض على قدميه من جديد - والدموع تنهمر على وجنتيه وقال بصوت منخفض - اي فواتير هذه يا فلانه؟ الارض, الجدار الفاصل, جدار برلين, جدار التحايل على الارض والبشر, وهو المصيبة - وأضاف يقول: ولكن لا.. سأتحدى وسأحاول ثانياً - ورابعاً - وَ.. وَ.. سناكل هذا اليوم على بعض الثمرات كما كان الاولون يفعلون - كانوا يفطرون على تمر - فأسسوا أعظم الحضارات وبنوا المجد للارض وللتاريخ وللانسانية جمعاء.. وقال كلمته المشهورة - أخرجوا ايديكم من جيبي - فجيبي هي أرضي وعرقي - هي عزمي وإرادتي؟!
ولن أستكين أو أنام!!
هاني جبران
أخرجوا أيديكم من جيوبي؟؟!!
اعتاد الحاج فلان أن يذهب لحقله في الصباح الباكر بهمة ونشاط ليقطف ثمار بستانه من الزيتون وأشهى الفاكهة, فيبيعها وينفق على عياله ويدخر القسط الجامعي لابنه فلان الذي لم يبق على تخرجه من إحدى الجامعات خارج الوطن إلا سنوات قليلة.
خرج الحاج فلان من منزله متوجهاً إلى بستانه ونسيم الصباح يداعب أحلامه وأمنياته وهو في غاية من السرور والنشوة ورائحة هذه الايام موسم قطف الزيتون في فلسطين تذكره بالمواسم الماضية, وتذكّره ببعض المال الذي سيوفره في نهاية لسد مستلزمات الحياة, ويدّخر القسط الجامعي لابنه فلان!!
لكن وساوس الشيطان لم تفارقه ولو للحظة واحدة, فلقد تعوّد الحاج فلان أن يرى في الصباح الباكر الكثيرين في طريقه من المزارعين والتجار, أمّا هذا اليوم فالطريق خالٍ تماماً من الناس سوى بعض طيور فلسطين الجميلة تصاحبه في المسير بأصواتها ولحنها العذب - ومع ذلك - ومع كل ما يعتري قلب هذا الرجل العجوز الا أنه واصل المسير فهو يؤمن حق الايمان بقوله تعالى: "لقد خلقنا الانسان في كبد", فالإرادة والأمل والعمل وعرق الجبين هو العنوان الرئيس والمبدأ الشريف الذي لا يمكن التنازل عنه..
انتابه الألم والدهشة فجأة - وبان الغضب على تقاسيم وجهه عندما أوقفته مجموعة من جنود الاحتلال طالبين منه الرجوع الى حيث أتى, رفض الحاج هذه الأوامر الغريبة واعتبرها فقاعات في الهواء فأصر على السير, وتحدّى الجنود إلى أن وصل إلى بستانه مصدر رزقه الوحيد - بعد رب العباد .. لم يصدق عيونه.. جلس على الأرض .. فرجلاه لا تستطيعان حمله بعدما شاهد مناظر وفظائع لم يشهد لها التاريخ مثيلاً.. آليات حديثة تقتلع أشجار الزيتون المبارك التي عاصرت أجيالاً متتالية - فعمرها من عمر أجداده الأوائل.. الذين رووا بعرقهم هذه الأرض المباركة.
وربطات كبيرة وكثيرة من الأسلاك الشائك وضعت في وسط بستانه نهض بصعوبة وتوجه إلى إحدى الآليات وجلس أمهامها فهو صاحب انتماء حقيقي لهذه الأرض - ولانها تذكره برائحة الآباء والأجداد وبرائحة الثمار الشهية - ولقمة عرق الجبين.
اقتربوا منه وركلوه في كل عضو من أعضاء جسمه وأبلغوه بأن هذا اجراء طبيعي - فالجدار الفاصل فوق كل اعتبار ويحق له أن يقتلع الاشجار والأحجار - الإرادة والثمار - الإرادة - والانسان؟!
عاد الحاج الى بيته مكسور الخاطر والوجدان فلا حول له ولا قوة لا ناصر له ولا مساند - لا هيئة له ولا مجلس أمن ولا جمعيات حقوقية أو غير حقوقية تعيد له ارضه وأشجاره, وألقى بنفسه على أريكة أمام منزله القديم - لا كلام أو حتى سلام, اقتربت منه زوجته فلانه وجلست تواسيه - أي مواساة وهي لا تعلم ما جرى وما حدث بالارض والفصل..؟! وفي يدها مجموعة من الاوراق العريضة ذات الطباعة الحديثة؟!!
مسكينة فلانه هذه - فلقد أحست بأن سبب حزن زوجها وإرهاقه الشديد هو هذه الاوراق "الفواتير" وما أدراك ما الفواتير - إنها فواتير - أثمان كهرباء, وضرائب باهظة ما انزل الله بها من سلطان.. وفواتير, وَ.. وَ.. وَ..
ابتسم الحاج فلان ونهض على قدميه من جديد - والدموع تنهمر على وجنتيه وقال بصوت منخفض - اي فواتير هذه يا فلانه؟ الارض, الجدار الفاصل, جدار برلين, جدار التحايل على الارض والبشر, وهو المصيبة - وأضاف يقول: ولكن لا.. سأتحدى وسأحاول ثانياً - ورابعاً - وَ.. وَ.. سناكل هذا اليوم على بعض الثمرات كما كان الاولون يفعلون - كانوا يفطرون على تمر - فأسسوا أعظم الحضارات وبنوا المجد للارض وللتاريخ وللانسانية جمعاء.. وقال كلمته المشهورة - أخرجوا ايديكم من جيبي - فجيبي هي أرضي وعرقي - هي عزمي وإرادتي؟!
ولن أستكين أو أنام!!
هاني جبران