الفلسطيني 101
18-10-2007, 10:31
بسم الله الرحمن الرحيم
إن التدهور الفلسطيني الحادث الآن، لم يكن ليصل إلي ما وصل إليه لولا انزلاق الفصائل الفلسطينية إلي تحويل القضية الفلسطينية، وهى قضية تحرر وطني بالأساس، إلى مسألة انتقام متبادل، وإعطاء الأولوية للرد السريع على كل جريمة ترتكبها القوات الإسرائيلية، بحيث وصل الأمر إلي حد وضع الانتقام لهذا الشهيد أو ذاك فوق القضية نفسها، بالتوازي مع
مهما تجاوزت الوحشية الأمريكية الخطوط الحمراء في العراق، فإنها لن تصل إلى منافسة النازية الإسرائيلية في فلسطين، فالإسرائيليون يبيدون المدن الفلسطينية عن آخرها، ويتركونها أطلالاً خربة، وأوضح دليل على ذلك هذه العملية العسكرية المستمرة في "رفح" والتي أسماها بعض المحللين "السور الواقي2" لأنها تشبه إلى حد كبير العملية التي قام بها الجيش الإسرائيلي منذ نحو عامين في الضفة الغربية لقمع الانتفاضة الثانية ..لكن الاسرائيليين أسموها "قوس قزح".
وقد شكلت هذه العملية استمراراً لمسلسل التصعيد الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، كما أثارت قضية هامة تتعلق بأسباب تدهور الموقف الفلسطيني، وانخفاض قدرة المقاومة الفلسطينية على امتلاك زمام المبادرة، فضلاً عن التراجع الشديد في العمليات العسكرية المنفذة من جانب الأجنحة العسكرية للفصائل المختلفة، مقارنة بالعام الأول للانتفاضة، في مقابل تصاعد الهجمات الوحشية الإسرائيلية والمجازر التى ترتكبها ضد النساء والأطفال والشيوخ، وأعمال الاعتقال وهدم المنازل وتصفية الكوادر الفلسطينية، وهو ما وضع القضية الفلسطينية في مأزق.
والحقيقة أن تدهور الوضع الفلسطيني بدأ في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، حيث نجح شارون فى استغلال آثار هذه الهجمات لتصعيد عدوانه على الفلسطينيين، معتبراً أن المواجهة مع المقاومة الفلسطينية تمثل امتداداً للحرب الأمريكية ضد "الإرهاب"، بعدما تمكن من إحداث خلط شديد بين الإرهاب والمقاومة الوطنية، وساعدته على ذلك الولايات المتحدة التي تعمدت هى الأخرى إحداث هذا الخلط فى إطار حشد جهودها لمواجهة ما أسمته بظاهرة الإرهاب الدولى.
وعلى الجانب الآخر، فإن ضعف الوعي الفلسطيني اللازم لتقدير الموقف، أدى إلى عجز المقاومة الفلسطينية عن قراءة التداعيات الخطيرة لهجمات سبتمبر على عملها المسلح الذي كانت الانتفاضة قد اقتصرت عليه، ومن ثم لم تفلح في إحباط مخطط شارون، ولو توافر هذا الوعي لما وصل الوضع الفلسطينى إلي ما بلغه الآن من تدهور ، ولأدركت المقاومة ضرورة تعديل أسلوب الكفاح مرحلياً، على الأقل عبر تنشيط النضال المدنى الشعبى الواسع، فى مقابل تهدئة الكفاح المسلح إلى حين، وهذا كان سيجنب المقاومة ما تعرضت له من الانتهاك المتزايد للأجنحة العسكرية، الذي بلغ ذروته الآن.
لقد تم تهميش دور النضال الشعبي فى المقاومة، لصالح العمليات العسكرية، على خلاف ما حدث إبان انتفاضة أواخر الثمانينات من القرن العشرين، والتي شهدت مشاركة شعبية واسعة من كافة القوى الفلسطينية، فالاقتصار على العمليات المسلحة يحرم النساء من المشاركة إلا فيما ندر، ويستبعد الصغار الذين كانوا هم عنوان الانتفاضة السابقة، بل ويحرم معظم الشباب من القيام بدورهم الوطني، لكونهم لا يجيدون استخدام السلاح، أو لأنهم ليسوا أعضاء فى هذا التنظيم أو ذاك، سيما مع انحصار الكفاح المسلح فى نوع واحد من العمليات هو العمليات الاستشهادية، التي استغلتها إسرائيل من ناحية لتصعيد عدوانها على القرى والمدن الفلسطينية، والتمادي فى سياسة هدم المنازل واعتقال الكوادر الفلسطينية وتصفية نشطاء المقاومة، وإظهار هذا العدوان أمام العالم باعتباره ممارسة لحق إسرائيل المشروع فى الدفاع عن نفسها، فى مواجهة عمليات إرهابية، تهدد أمنها، وتقتل الأطفال والنساء الأبرياء.
وفى ظل هذا الوضع، أصبح العبء ملقى بكامله على عاتق الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، ومع نجاح قوات الاحتلال في ضرب الصف الأول ومعظم الصف الثاني في هذه الأجنحة، وصلت المقاومة إلي الفراغ الحاصل الآن، وضعف قدرتها على تنفيذ عمليات مسلحة، فى حين تزايدت النزعة الانفصالية التى أخرجت معظم قطاعات الشعب الفلسطيني من ساحة المقاومة.
ومع ذلك فإن التدهور الفلسطيني الحادث الآن، لم يكن ليصل إلي ما وصل إليه لولا انزلاق الفصائل الفلسطينية إلي تحويل القضية الفلسطينية، وهى قضية تحرر وطني بالأساس، إلى مسألة انتقام متبادل، وإعطاء الأولوية للرد السريع على كل جريمة ترتكبها القوات الإسرائيلية، بحيث وصل الأمر إلي حد وضع الانتقام لهذا الشهيد أو ذاك فوق القضية نفسها، بالتوازي مع تعظيم كل فصيل لنفسه ودوره وشعاراته الذاتية.
لقد كان المناضلون في السابق يضحون بحياتهم من أجل قضية التحرر، دون أن يصبح هدف النضال هو الانتقام لهذا أو ذاك منهم، على اعتبار أن إنجاز هدف التحرير هو التعويض الحقيقي عن كل الدماء التى أريقت في المعركة. وهكذا حدث تصغير لقضية كبيرة وحصرها في الثأر، الذي هو منطق صراع يدور بين عائلتين أو قبيلتين، وليس صراعاً على قضية كبرى كقضية تحرير فلسطين.فالمفترض أن ما بيننا وبين العدو فى هذا الصراع هو وطن وأرض وحقوق ضحى من أجلها عشرات الآلاف من العرب دون أن نقف لحظة أو نوقف عملنا على الانتقام لأحدهم. كما أن هذا لم يكن هو منطق الكفاح الفلسطيني فيما سبق عندما اغتيل قادة عظام ممن أسسوا المقاومة ووضعوا أسس الصمود.
ولعل أكثر المستفيدين من منطق الانتقام هذا هو شارون، الذي استطاع أن يجر الفصائل الفلسطينية إلى هذه الحلبة، من أجل تغيير طبيعة الصراع أمام الرأي العام العالمي، من صراع بين قوة احتلال غاشم وشعب يقاوم ويناضل لتحرير أرضه إلي معارك بين فريقين، كل يسعى إلي الثأر من الآخر وتكبيده أكبر الخسائر.
ومن ناحية أخرى فقد عجزت الفصائل الفلسطينية عن احتواء الصراعات والانشقاقات فيما بينها، ولم تفلح فى إقامة حوار جاد، يقود إلي تفاهم على برنامج الحد الأدنى، والذى يعد شرطاً للانتصار وفق خبرات حركات التحرر الوطني فى مجملها، وتزايدت النزعة الانفصالية، حيث تباينت مواقف الفصائل إزاء قضايا الصراع، وانغمست فى ردود فعل عشوائية حيناً، ومرتبكة حيناً آخر، على نحو أظهر مدى افتقادها للمهارات التكتيكية اللازمة للتعامل مع العدو الصهيوني.
ومن جانبها، فقد أخفقت السلطة الوطنية الفلسطينية في التأثير على مسار الأحداث منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر، رغم حقيقة كونها أكثر إدراكاً لمخاطرها مقارنة بالفصائل الفلسطينية بما فى ذلك حركة فتح التى تمثل قاعدتها. وقد سعى الرئيس عرفات لتعديل مسار الانتفاضة منذ عام 2001 ولكن شارون كان له بالمرصاد، إذ تعمد تصعيد اعتداءاته الوحشية على الشعب الفلسطيني، مستغلاً غلبة النزعة الانتقامية لدى الفصائل الفلسطينية، وما يرتبط بها من سوء تقدير للموقف، ولم يلبث عرفات أن استسلم لسيطرة الفصائل الفلسطينية على الواقع وبدا ضعيفاً أمامها، كما لو كان ينتظر مصيراً محتوماً، حتى اجتاحت قوات الاحتلال مناطق السلطة الفلسطينية في أبريل عام 2002 ودمرت مؤسساتها وفرضت الحصار على الرئيس عرفات فى مقر السلطة الفلسطينية، وهو ما كان بمثابة نقلة نوعية نحو التراجع في الموقف الفلسطيني.
وأدى ذلك كله إلي التراجع الفلسطيني المؤلم الذي نعيشه اليوم، والذي تتحمل مسئوليته الأولى السلطة والفصائل الفلسطينية التي لم تقدر الموقف جيداً بعد أحداث سبتمبر ولم تضع القضية الفلسطينية فوق الاعتبارات التنظيمية، وانغمست في صراعات بينية، ومواقف متعارضة، انعكست بالسلب على الوضع الفلسطيني.
وتأتي بعد ذلك مسئولية الدول العربية، فقد اتهم بعض القادة الفلسطينيين الحكومات بل والشعوب العربية بالعجز وطالبوها بأن تعمل على إنقاذ الموقف باعتبارها المسئول الأول عن تراجع الموقف الفلسطينى. والحقيقة أن الموقف العربي في مواجهة القضية الفلسطينية رغم ضعفه الواضح ، فإنه لم يشهد تغيراً ملحوظاً منذ العام الأول للانتفاضة وحتى الآن ، فالتغيير الذي حدث بالأساس والعجز الذي كان ومازال ، يكمن فى عدم قدرة الفصائل الفلسطينية على تقدير الموقف حق قدره ووضع القضية الفلسطينية فوق أي اعتبارات أخرى، وليس بالإمكان مطالبة الدول العربية بدور أكبر فى مساعدة الفلسطينيين، مادامت الفصائل الفلسطينية نفسها لا تساعد نفسها وشعبها.
ويبدو أن البداية الحقيقة لوقف التدهور في الوضع الفلسطيني هي الإسراع بإقامة حوار وطنى جاد، تتفاهم فيه الفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية على برنامج للإنقاذ، وتتوافق من خلاله على الالتزام به بأمانة وإخلاص.. وعندئذ ستوضع الدول العربية أمام مسئولياتها التاريخية التى يصعب أن تنهض بها كاملة قبل الشروع في إصلاح الاختلافات الفلسطينية التي قادت إلى التدهور الراهن.
إن التدهور الفلسطيني الحادث الآن، لم يكن ليصل إلي ما وصل إليه لولا انزلاق الفصائل الفلسطينية إلي تحويل القضية الفلسطينية، وهى قضية تحرر وطني بالأساس، إلى مسألة انتقام متبادل، وإعطاء الأولوية للرد السريع على كل جريمة ترتكبها القوات الإسرائيلية، بحيث وصل الأمر إلي حد وضع الانتقام لهذا الشهيد أو ذاك فوق القضية نفسها، بالتوازي مع
مهما تجاوزت الوحشية الأمريكية الخطوط الحمراء في العراق، فإنها لن تصل إلى منافسة النازية الإسرائيلية في فلسطين، فالإسرائيليون يبيدون المدن الفلسطينية عن آخرها، ويتركونها أطلالاً خربة، وأوضح دليل على ذلك هذه العملية العسكرية المستمرة في "رفح" والتي أسماها بعض المحللين "السور الواقي2" لأنها تشبه إلى حد كبير العملية التي قام بها الجيش الإسرائيلي منذ نحو عامين في الضفة الغربية لقمع الانتفاضة الثانية ..لكن الاسرائيليين أسموها "قوس قزح".
وقد شكلت هذه العملية استمراراً لمسلسل التصعيد الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، كما أثارت قضية هامة تتعلق بأسباب تدهور الموقف الفلسطيني، وانخفاض قدرة المقاومة الفلسطينية على امتلاك زمام المبادرة، فضلاً عن التراجع الشديد في العمليات العسكرية المنفذة من جانب الأجنحة العسكرية للفصائل المختلفة، مقارنة بالعام الأول للانتفاضة، في مقابل تصاعد الهجمات الوحشية الإسرائيلية والمجازر التى ترتكبها ضد النساء والأطفال والشيوخ، وأعمال الاعتقال وهدم المنازل وتصفية الكوادر الفلسطينية، وهو ما وضع القضية الفلسطينية في مأزق.
والحقيقة أن تدهور الوضع الفلسطيني بدأ في أعقاب هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة، حيث نجح شارون فى استغلال آثار هذه الهجمات لتصعيد عدوانه على الفلسطينيين، معتبراً أن المواجهة مع المقاومة الفلسطينية تمثل امتداداً للحرب الأمريكية ضد "الإرهاب"، بعدما تمكن من إحداث خلط شديد بين الإرهاب والمقاومة الوطنية، وساعدته على ذلك الولايات المتحدة التي تعمدت هى الأخرى إحداث هذا الخلط فى إطار حشد جهودها لمواجهة ما أسمته بظاهرة الإرهاب الدولى.
وعلى الجانب الآخر، فإن ضعف الوعي الفلسطيني اللازم لتقدير الموقف، أدى إلى عجز المقاومة الفلسطينية عن قراءة التداعيات الخطيرة لهجمات سبتمبر على عملها المسلح الذي كانت الانتفاضة قد اقتصرت عليه، ومن ثم لم تفلح في إحباط مخطط شارون، ولو توافر هذا الوعي لما وصل الوضع الفلسطينى إلي ما بلغه الآن من تدهور ، ولأدركت المقاومة ضرورة تعديل أسلوب الكفاح مرحلياً، على الأقل عبر تنشيط النضال المدنى الشعبى الواسع، فى مقابل تهدئة الكفاح المسلح إلى حين، وهذا كان سيجنب المقاومة ما تعرضت له من الانتهاك المتزايد للأجنحة العسكرية، الذي بلغ ذروته الآن.
لقد تم تهميش دور النضال الشعبي فى المقاومة، لصالح العمليات العسكرية، على خلاف ما حدث إبان انتفاضة أواخر الثمانينات من القرن العشرين، والتي شهدت مشاركة شعبية واسعة من كافة القوى الفلسطينية، فالاقتصار على العمليات المسلحة يحرم النساء من المشاركة إلا فيما ندر، ويستبعد الصغار الذين كانوا هم عنوان الانتفاضة السابقة، بل ويحرم معظم الشباب من القيام بدورهم الوطني، لكونهم لا يجيدون استخدام السلاح، أو لأنهم ليسوا أعضاء فى هذا التنظيم أو ذاك، سيما مع انحصار الكفاح المسلح فى نوع واحد من العمليات هو العمليات الاستشهادية، التي استغلتها إسرائيل من ناحية لتصعيد عدوانها على القرى والمدن الفلسطينية، والتمادي فى سياسة هدم المنازل واعتقال الكوادر الفلسطينية وتصفية نشطاء المقاومة، وإظهار هذا العدوان أمام العالم باعتباره ممارسة لحق إسرائيل المشروع فى الدفاع عن نفسها، فى مواجهة عمليات إرهابية، تهدد أمنها، وتقتل الأطفال والنساء الأبرياء.
وفى ظل هذا الوضع، أصبح العبء ملقى بكامله على عاتق الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، ومع نجاح قوات الاحتلال في ضرب الصف الأول ومعظم الصف الثاني في هذه الأجنحة، وصلت المقاومة إلي الفراغ الحاصل الآن، وضعف قدرتها على تنفيذ عمليات مسلحة، فى حين تزايدت النزعة الانفصالية التى أخرجت معظم قطاعات الشعب الفلسطيني من ساحة المقاومة.
ومع ذلك فإن التدهور الفلسطيني الحادث الآن، لم يكن ليصل إلي ما وصل إليه لولا انزلاق الفصائل الفلسطينية إلي تحويل القضية الفلسطينية، وهى قضية تحرر وطني بالأساس، إلى مسألة انتقام متبادل، وإعطاء الأولوية للرد السريع على كل جريمة ترتكبها القوات الإسرائيلية، بحيث وصل الأمر إلي حد وضع الانتقام لهذا الشهيد أو ذاك فوق القضية نفسها، بالتوازي مع تعظيم كل فصيل لنفسه ودوره وشعاراته الذاتية.
لقد كان المناضلون في السابق يضحون بحياتهم من أجل قضية التحرر، دون أن يصبح هدف النضال هو الانتقام لهذا أو ذاك منهم، على اعتبار أن إنجاز هدف التحرير هو التعويض الحقيقي عن كل الدماء التى أريقت في المعركة. وهكذا حدث تصغير لقضية كبيرة وحصرها في الثأر، الذي هو منطق صراع يدور بين عائلتين أو قبيلتين، وليس صراعاً على قضية كبرى كقضية تحرير فلسطين.فالمفترض أن ما بيننا وبين العدو فى هذا الصراع هو وطن وأرض وحقوق ضحى من أجلها عشرات الآلاف من العرب دون أن نقف لحظة أو نوقف عملنا على الانتقام لأحدهم. كما أن هذا لم يكن هو منطق الكفاح الفلسطيني فيما سبق عندما اغتيل قادة عظام ممن أسسوا المقاومة ووضعوا أسس الصمود.
ولعل أكثر المستفيدين من منطق الانتقام هذا هو شارون، الذي استطاع أن يجر الفصائل الفلسطينية إلى هذه الحلبة، من أجل تغيير طبيعة الصراع أمام الرأي العام العالمي، من صراع بين قوة احتلال غاشم وشعب يقاوم ويناضل لتحرير أرضه إلي معارك بين فريقين، كل يسعى إلي الثأر من الآخر وتكبيده أكبر الخسائر.
ومن ناحية أخرى فقد عجزت الفصائل الفلسطينية عن احتواء الصراعات والانشقاقات فيما بينها، ولم تفلح فى إقامة حوار جاد، يقود إلي تفاهم على برنامج الحد الأدنى، والذى يعد شرطاً للانتصار وفق خبرات حركات التحرر الوطني فى مجملها، وتزايدت النزعة الانفصالية، حيث تباينت مواقف الفصائل إزاء قضايا الصراع، وانغمست فى ردود فعل عشوائية حيناً، ومرتبكة حيناً آخر، على نحو أظهر مدى افتقادها للمهارات التكتيكية اللازمة للتعامل مع العدو الصهيوني.
ومن جانبها، فقد أخفقت السلطة الوطنية الفلسطينية في التأثير على مسار الأحداث منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر، رغم حقيقة كونها أكثر إدراكاً لمخاطرها مقارنة بالفصائل الفلسطينية بما فى ذلك حركة فتح التى تمثل قاعدتها. وقد سعى الرئيس عرفات لتعديل مسار الانتفاضة منذ عام 2001 ولكن شارون كان له بالمرصاد، إذ تعمد تصعيد اعتداءاته الوحشية على الشعب الفلسطيني، مستغلاً غلبة النزعة الانتقامية لدى الفصائل الفلسطينية، وما يرتبط بها من سوء تقدير للموقف، ولم يلبث عرفات أن استسلم لسيطرة الفصائل الفلسطينية على الواقع وبدا ضعيفاً أمامها، كما لو كان ينتظر مصيراً محتوماً، حتى اجتاحت قوات الاحتلال مناطق السلطة الفلسطينية في أبريل عام 2002 ودمرت مؤسساتها وفرضت الحصار على الرئيس عرفات فى مقر السلطة الفلسطينية، وهو ما كان بمثابة نقلة نوعية نحو التراجع في الموقف الفلسطيني.
وأدى ذلك كله إلي التراجع الفلسطيني المؤلم الذي نعيشه اليوم، والذي تتحمل مسئوليته الأولى السلطة والفصائل الفلسطينية التي لم تقدر الموقف جيداً بعد أحداث سبتمبر ولم تضع القضية الفلسطينية فوق الاعتبارات التنظيمية، وانغمست في صراعات بينية، ومواقف متعارضة، انعكست بالسلب على الوضع الفلسطيني.
وتأتي بعد ذلك مسئولية الدول العربية، فقد اتهم بعض القادة الفلسطينيين الحكومات بل والشعوب العربية بالعجز وطالبوها بأن تعمل على إنقاذ الموقف باعتبارها المسئول الأول عن تراجع الموقف الفلسطينى. والحقيقة أن الموقف العربي في مواجهة القضية الفلسطينية رغم ضعفه الواضح ، فإنه لم يشهد تغيراً ملحوظاً منذ العام الأول للانتفاضة وحتى الآن ، فالتغيير الذي حدث بالأساس والعجز الذي كان ومازال ، يكمن فى عدم قدرة الفصائل الفلسطينية على تقدير الموقف حق قدره ووضع القضية الفلسطينية فوق أي اعتبارات أخرى، وليس بالإمكان مطالبة الدول العربية بدور أكبر فى مساعدة الفلسطينيين، مادامت الفصائل الفلسطينية نفسها لا تساعد نفسها وشعبها.
ويبدو أن البداية الحقيقة لوقف التدهور في الوضع الفلسطيني هي الإسراع بإقامة حوار وطنى جاد، تتفاهم فيه الفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية على برنامج للإنقاذ، وتتوافق من خلاله على الالتزام به بأمانة وإخلاص.. وعندئذ ستوضع الدول العربية أمام مسئولياتها التاريخية التى يصعب أن تنهض بها كاملة قبل الشروع في إصلاح الاختلافات الفلسطينية التي قادت إلى التدهور الراهن.