هاني جبران
11-10-2007, 20:06
مع فنجان قهوة:
بأي حال عدت يا عيدُ...؟؟!!
رحمَ الله أُمي – وأسكنها فسيح جناته، وجعل حكمها ونصائحها في ميزان حسناتها، وجعل صبرها ودموعها أجراً وثواباً عند خالتها، فلقد كانت أماً عظيمة، أمّاً فلسطينية كباقي الأمهات في الوطن – تضحك أحياناً من أجل إسعاد أبنائها وإخفاء ما يجول في قلبها من هموم.. وتبكي أحياناً كثيرة في يوم عظيم، هو يوم العيد سنة الله تعالى على أمته فرحاً على طاعته وعبادته في شهر رمضان الفضيل..
لا زلت أذكر ذلك العيد الذي أصبح في عالم الخيال، وأتذكر تماماً لقاء أمي وجلستنا معها أمام منزلنا، في كل عام يصادف يوم العيد، فبعد صلاة العيد، حضر الأخوة والأخوات والأبناء والاحبة، وكالعادة قام الجميع بتقبيل يدها وجبينها الطاهر، والبهجة والسرور والبشاشة تظهر على محيانا، عدا أمي – رحمها الله – فلقد كانت تبتسم ابتسامة عريضة لكنها مصطنعة، ودموعها واضحة وضوح الشمس، تبتسم لشيء واحد لأنها كانت تشعر بأننا سعداء وتريد وتتمنى بأن نبقى أمامها وفي هذا الوطن سعداء، وتبكي على حالها وأحوالها وعلى ما نحن فيه، فأحبتها لا زالوا في مخيمات الشتات، وأحوال أبنائها لا تسرُ صديقاً ولا عدواً..
حاولت في ذلك اليوم تغيير الموقف، فقلت لها: كل عام وأنت بخير يا أمي، أعاده الله عليك وأنت بموفور الصحة والعافية، ابتسمت أمي – رحمها الله – وأرسلت بنظراتها الى عنان السماء، وكأنها تريد أن تشكي همومها لربّ هذا الكون ولسان حالها يقول: الشكوى لغيرك يا ربّ من المستحيلات..!!
وقالت والدموع تنهمر على وجنتيها: "بأي حال عدت يا عيد، لم أفهم قصد أمي، ولم استوعب أو أحلل الغرض أو المدلول، إلا بعد فوات الأوان. بعد رحيلها عنّا وعن هذا الوجود الدنيوي الزائل، فلقد جلست ليلة هذا العيد، فتذكرتها، وتذكرت تلك الجملة.. سهلة التعبير، صعبة المعنى ومعقد الدلالة، وكان طيف أمي – رحمها الله – يحوم حول رأسي، كطائر يطير حول صغيره، ويقول لي: بأي حال عدت يا عيد، ففهمت القصد، ووعيت الكلام مع أنه جاء متأخراً، واستبقته الأيام وتغلبت عليه في زمن التعقيد هو عنوانه..
رحم الله أمي، لقد كانت تريد أن تقول لي: بأي حال عدت يا عيد، ونحن إلى هذا اليوم لم نرّ الأمن ولا الأمان ولم نحسّ به، أو نشعره أو نعايشه أو على الأقل نشمّه أو نتذوقه، ولو من بعيد..!!
بأي حال عدت يا عيد، وأحبة أمي ما زالوا في الغربة والشتات، والاحلام لم تتحقق فلا زالوا في المهجر يقارعون نصيبهم المجهول، ويصعب عليهم الوصول الى قبر أمي..!!
بأي حال عدت يا عيد، والأسرى يقبعون خلف القضبان في هذا اليوم العظيم لا يستطيعون الجلوس مع أحبتهم وأبنائهم، فيتذوقون معنى العيد، ويشعرون بالفرحة كغيرهم من البشر على هذه الكوكبة..!!
بأي حال عدت يا عيد، والاخوة والاشقاء والأحبة تحولوا بقدرة العزيمة والتصميم والتحدي الى دائرة التشاحن والاقتتال والكره والحقد، فأصبحت العلاقة بينهم ممزقة والتحدي هو عنوان والبقاء هو الهدف الذي يجب أن يحققوه في زمن لا يستطيع أحد منهم تحقيق أي هدف، لأنهم مستهدفون ولا أحد يستطيع الفوز أو النصر..!!
بأي حال عدت يا عيد، وقد أصبح الوطن ممزقاً كما أهله وأناسه!! بأي حال عدت يا عيد، والعالم أجمع تكالب علينا وعلى وطننا وعلى قضيتنا كما تكالبت الذئاب على فريستها..!!
بأي حال عدت يا عيد، وقد نسي شعبنا الأصيل، أهدافه النيلة!! باي حال عدت يا عيد، وقد أصبح شغلنا الشاغل هو الجلوس طيلة الليل، وطيلة ساعات النهار أمام الفضائيات لمتابعة مسلسل باب الحارة، والذي لا يسمن ولا يغني من جوع، سوى أنه يحبذ العادات والتقاليد السبية ويزرع في نفوس مشاهديه القيم الدنيا، فمن الغيبة الى النميمة، الى الطعن في الظهر، إلى اختلاط الحابل بالنابل، والحياة في غابة تحكمها الفوضى، والقوة هي لغة المنطق، غابة تفتقر الى أسود تضع الأمور في نصابها..!! فمن باب الحارة، إلى باب الواد، إلى أسماء ومسميات يخجل المسلم حتّى من ذكرها..
بأي حال عدت يا عيد، وقد خسرت أنا والجميع الأم التي كانت العنوان، أمي التي عجزت عن فهم معنى ما قالته: "بأي حال عدت يا عيد..!! وكل عام وجميع أبناء شعبي الفلسطيني في الوطن والشتات، وجميع الأشقاء العرب وغير العرب، وجميع الأحبة، بخير..
هاني جبران
بأي حال عدت يا عيدُ...؟؟!!
رحمَ الله أُمي – وأسكنها فسيح جناته، وجعل حكمها ونصائحها في ميزان حسناتها، وجعل صبرها ودموعها أجراً وثواباً عند خالتها، فلقد كانت أماً عظيمة، أمّاً فلسطينية كباقي الأمهات في الوطن – تضحك أحياناً من أجل إسعاد أبنائها وإخفاء ما يجول في قلبها من هموم.. وتبكي أحياناً كثيرة في يوم عظيم، هو يوم العيد سنة الله تعالى على أمته فرحاً على طاعته وعبادته في شهر رمضان الفضيل..
لا زلت أذكر ذلك العيد الذي أصبح في عالم الخيال، وأتذكر تماماً لقاء أمي وجلستنا معها أمام منزلنا، في كل عام يصادف يوم العيد، فبعد صلاة العيد، حضر الأخوة والأخوات والأبناء والاحبة، وكالعادة قام الجميع بتقبيل يدها وجبينها الطاهر، والبهجة والسرور والبشاشة تظهر على محيانا، عدا أمي – رحمها الله – فلقد كانت تبتسم ابتسامة عريضة لكنها مصطنعة، ودموعها واضحة وضوح الشمس، تبتسم لشيء واحد لأنها كانت تشعر بأننا سعداء وتريد وتتمنى بأن نبقى أمامها وفي هذا الوطن سعداء، وتبكي على حالها وأحوالها وعلى ما نحن فيه، فأحبتها لا زالوا في مخيمات الشتات، وأحوال أبنائها لا تسرُ صديقاً ولا عدواً..
حاولت في ذلك اليوم تغيير الموقف، فقلت لها: كل عام وأنت بخير يا أمي، أعاده الله عليك وأنت بموفور الصحة والعافية، ابتسمت أمي – رحمها الله – وأرسلت بنظراتها الى عنان السماء، وكأنها تريد أن تشكي همومها لربّ هذا الكون ولسان حالها يقول: الشكوى لغيرك يا ربّ من المستحيلات..!!
وقالت والدموع تنهمر على وجنتيها: "بأي حال عدت يا عيد، لم أفهم قصد أمي، ولم استوعب أو أحلل الغرض أو المدلول، إلا بعد فوات الأوان. بعد رحيلها عنّا وعن هذا الوجود الدنيوي الزائل، فلقد جلست ليلة هذا العيد، فتذكرتها، وتذكرت تلك الجملة.. سهلة التعبير، صعبة المعنى ومعقد الدلالة، وكان طيف أمي – رحمها الله – يحوم حول رأسي، كطائر يطير حول صغيره، ويقول لي: بأي حال عدت يا عيد، ففهمت القصد، ووعيت الكلام مع أنه جاء متأخراً، واستبقته الأيام وتغلبت عليه في زمن التعقيد هو عنوانه..
رحم الله أمي، لقد كانت تريد أن تقول لي: بأي حال عدت يا عيد، ونحن إلى هذا اليوم لم نرّ الأمن ولا الأمان ولم نحسّ به، أو نشعره أو نعايشه أو على الأقل نشمّه أو نتذوقه، ولو من بعيد..!!
بأي حال عدت يا عيد، وأحبة أمي ما زالوا في الغربة والشتات، والاحلام لم تتحقق فلا زالوا في المهجر يقارعون نصيبهم المجهول، ويصعب عليهم الوصول الى قبر أمي..!!
بأي حال عدت يا عيد، والأسرى يقبعون خلف القضبان في هذا اليوم العظيم لا يستطيعون الجلوس مع أحبتهم وأبنائهم، فيتذوقون معنى العيد، ويشعرون بالفرحة كغيرهم من البشر على هذه الكوكبة..!!
بأي حال عدت يا عيد، والاخوة والاشقاء والأحبة تحولوا بقدرة العزيمة والتصميم والتحدي الى دائرة التشاحن والاقتتال والكره والحقد، فأصبحت العلاقة بينهم ممزقة والتحدي هو عنوان والبقاء هو الهدف الذي يجب أن يحققوه في زمن لا يستطيع أحد منهم تحقيق أي هدف، لأنهم مستهدفون ولا أحد يستطيع الفوز أو النصر..!!
بأي حال عدت يا عيد، وقد أصبح الوطن ممزقاً كما أهله وأناسه!! بأي حال عدت يا عيد، والعالم أجمع تكالب علينا وعلى وطننا وعلى قضيتنا كما تكالبت الذئاب على فريستها..!!
بأي حال عدت يا عيد، وقد نسي شعبنا الأصيل، أهدافه النيلة!! باي حال عدت يا عيد، وقد أصبح شغلنا الشاغل هو الجلوس طيلة الليل، وطيلة ساعات النهار أمام الفضائيات لمتابعة مسلسل باب الحارة، والذي لا يسمن ولا يغني من جوع، سوى أنه يحبذ العادات والتقاليد السبية ويزرع في نفوس مشاهديه القيم الدنيا، فمن الغيبة الى النميمة، الى الطعن في الظهر، إلى اختلاط الحابل بالنابل، والحياة في غابة تحكمها الفوضى، والقوة هي لغة المنطق، غابة تفتقر الى أسود تضع الأمور في نصابها..!! فمن باب الحارة، إلى باب الواد، إلى أسماء ومسميات يخجل المسلم حتّى من ذكرها..
بأي حال عدت يا عيد، وقد خسرت أنا والجميع الأم التي كانت العنوان، أمي التي عجزت عن فهم معنى ما قالته: "بأي حال عدت يا عيد..!! وكل عام وجميع أبناء شعبي الفلسطيني في الوطن والشتات، وجميع الأشقاء العرب وغير العرب، وجميع الأحبة، بخير..
هاني جبران