شاعر المليون
29-09-2007, 02:36
أيام في العراق (1) ـ عراقيون: الحكومة وإيران وسورية وأميركا سبب خراب العراق
المدينة التي اخترعت فيها أول ساعات لقياس الزمن بات الزمن مقسما فيها حسب عدد التفجيرات والجثث المتناثرة
عراقيون ينظرون الى الدمار أثر انفجار سيارة مفخخة ادى الى مقتل أكثر من 20 وجرح ما لا يقل عن 60 شخصا في حي كرادة ببغداد في يوليو الماضي (أ.ف.ب)
بغداد: معد فياض
ما من عراقي يلتقي مواطنه، في أي مكان أو زمان، إلا وطرح عليه السؤال الأزلي «شكو.. ماكو». وحسب الباحث الآثاري العراقي فوزي رشيد فإن البابليين كانوا يتبادلون هذا السؤال بمثابة التحية. وفي العراق اليوم وبعد أكثر من أربع سنوات على غزو العراق وسقوط النظام السابق يتردد هذا السؤال أكثر من ذي قبل. «الشرق الأوسط» قامت بجولة في العراق وعايشت حياة العراقيين في بغداد والنجف وكركوك وكردستان عن قرب، وزارت مواقع ساخنة متحدثة إلى المواطنين وعدد من المسؤولين. وبدءاً من اليوم ننشر سلسلة حلقات عن الحياة اليومية للناس وعن أبرز القضايا، مع صور عدد من المدن والمواقع.
دخان أم غبار ذلك الذي يلف بغداد؟ بغداد التي انتجت آلاف الكتب العلمية والادبية والفنية تنام اليوم وسط طبقة داكنة لا تستطيع ان تعرف ان كانت غبارا أم دخانا.
دخان التفجيرات المتلاحقة التي تمزق جسد المدينة، التي ارادها ابو جعفر المنصور يوم بناها ان تكون واحدة من اجمل حواضر الدنيا، يغطي كل شيء، حتى ان تمثال بانيها (المنصور) لم يسلم من عبوة ناسفة مزقت جسده النحاسي بتهمة طائفية مقيتة. دخان يزكم الأنوف ويعمي العيون ويغشي العقول. دخان الصراعات السياسية والتمزق الطائفي والتناحر المذهبي يعصف ببغداد.
أم هو غبار الخراب الذي لا يتوقف، وغبار تهديم مجتمعات كانت متصاهرة ومتناغمة ومتحابة حتى أيقظت فيها الطائفية واندلعت فيها الحروب.
بالحذر والريبة تهبط الطائرة القادمة من عمان الى بغداد.. لا صباح في المدينة، ولا مساء ايضا.. لا وقت في المدينة التي اخترعت فيها اول الساعات التي تقيس الزمن، هنا الزمن مقسم حسب عدد التفجيرات والجثث المتناثرة والعيون الدامعة.. الساعة الآن 10 تفجيرات و45 جثة متناثرة و30 جريحا. في الانواء الجوية يقولون ان الشمس حمراء تعكس لون الدم في شوارع العاصمة العراقية، والرياح تسير بعكس ما يشتهيه شعب مدينة كان اسمها دار السلام.
طائرة متعبة مستأجرة من جنوب افريقيا للخطوط الجوية الاردنية نقلتنا عند الساعة الثامنة صباحا الى بغداد.. تدور الطائرة عدة مرات وبشكل حلزوني لتهبط ضمن مربع آمن في المطار الذي كان يحمل اسم «مطار صدام الدولي».
عندما يدخل المسافر الى قاعة المطار لا يسمع صوت نداءات تخبر المسافرين والمسقبلين بمواعيد الطيران او الهبوط. فالاجهزة الامنية، العراقية منها والاميركية، تمنع وصول أي عراقي الى المطار ما لم يحمل تذكرة وجواز سفر. المستقبلون ينتظرون عادة في ساحة تقع بالقرب من موتيل عباس بن فرناس، ونقطة الانتظار هذه كانت قد تعرضت للقصف مرات عديدة، وهي الساحة ذاتها التي يتعرض فيها المسافر لاجراءات تفتيش دقيقة للغاية.
عربات حمل الأمتعة مصنوعة محليا من حديد رخيص، ورغم ذلك فإنها معروضة للايجار بأسعار عالية قد تصل الى 5 دولارات، والعامل الذي تستأجر منه العربة لا يساعد بحمل او دفع العربة فهذا لا يدخل في صلب مهماته او اختصاصه،على المسافر نفسه ان يدفع العربة حتى بوابة القاعة.
خارج المطار وجدت سائقا بدا في أواخر الاربعينات من عمره وكم استغربت عندما اخبرني فيما بعد بانه لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، «ولكن الزمن الصعب هو الذي شيب شعرنا وارواحنا مبكرا».. هكذا علق. طرحت عليه السؤال الازلي العراقي «شكو، ماكو»، فاجاب وشبه ابتسامة فوق وجهه «كل شي أكو، سيارات مفخخة، عبوات ناسفة، انتحاريون، قناصة، انفجارات بالجملة، جثث في الشوارع كل يوم، الاسعار في ارتفاع». قلت: «كل هذا يوجد عندكم.. اذن ما هو الذي لا يوجد (بمعنى آخر اذا كان هذا هو الأكو، فماذا عن الماكو)» اجاب على الفور وكأنه توقع سؤالي مسبقا، فقال «ماكو حكومة، ماكو أمل، ماكو أمان، ماكو استقرار».
واضاف: «تصور نحن تحمسنا للانتخابات وخرجنا منذ الفجر مع عوائلنا لانتخاب ممثلينا في البرلمان. الذين انتخبناهم دافعوا اولا عن حقوقهم ورواتبهم وامتيازاتهم المادية والمعنوية واجازاتهم ونسوا الشعب الذي يمثلونه، عمليا نحن قمنا بتحويل مواطنين عاديين الى مواطنين من الدرجة الممتازة، المصيبة اننا لم نعد نرى هؤلاء النواب ولا نستطيع الاتصال بهم لايصال مشاكلنا لهم، ولا ندري كيف يمثلوننا. أغلب اعضاء مجلس النواب (البرلمان) يقيمون في مجمع القادسية ذات الفلل الراقية التي بناها صدام حسين لوزرائه وقادته السياسيين والعسكريين، وقسم آخر من ممثلي الشعب العراقي يقيمون في المنطقة الخضراء خلف جدران الكونكريت، اما القسم الثالث فقد اختاروا الاقامة في فندق الرشيد وذلك عندما يصلون الى بغداد قادمين من فللهم في عمان. اما القلة النادرة من النواب المقيمين في مناطق سكنية محمية ببغداد فهؤلاء احاطوا شوارعهم بعوارض كونكريتية وحواجز واسلاك شائكة وحمايات مخولين باطلاق النار في أي لحظة.. وهؤلاء من المستحيل ان يصلهم مواطنهم الذي انتخبهم».
السائق ذكر انه خريج معهد المهن الصحية واختصاصه معاون طبي وله اهتمامات موسيقية منذ طفولته حيث يعزف على القيثارة الغربية ويعرف اسماء غالبية المغنين في العالم، وكان يحمل ثلاث هويات شخصية، اثنتان منها مزورتين، ذلك ان اسمه الاصلي سامي، وهو مسيحي، لكنه يحمل هوية تحمل اسما شيعيا وأخرى تحمل اسما سنيا.
توقفت السيارة ثلاث مرات في الطريق الذي يربط المطار بمركز المدينة. فطريق المطار، والى فترة قريبة، كان يسمى بطريق الموت، وكان يعد واحدا من اكثر الشوارع خطورة في العاصمة العراقية، لكن القوات الأميركية دججته الآن بالدوريات المسلحة، وبدا آمنا بعض الشيء. وكان هذا الشارع في الماضي يعد واحدا من أجمل شوارع بغداد، واكثرها تحريما على العراقيين، بسبب الاستخدام المستمر له من قبل الرئيس السابق صدام حسين للذهاب والاياب من مجمع قصوره في منطقة الرضوانية القريبة من المطار.
لكن هذا الشارع يبدو اليوم كغيره من شوارع بغداد مهملا، تنتشر الحفر على اديمه مثل بثور الجدري فوق الوجه، بسبب الانفجارات التي خلفتها قنابل الهاون او العبوات الناسفة، وكذلك السيارات المفخخة، بينما تحولت الحدائق الى مستنقعات يستوطن بها البعوض وانواع لا تحصى من الحشرات وتزدحم بالقصب البردي، وتنبعث منها رائحة عفنة.
توقف السائق في انتظار مرور دورية اميركية مكونة من المدرعات وعربات همفي، حيث كانت كل عربة تحمل على مؤخرتها عبارات التحذير من الموت السريع، اذا غامر أحدهم واقترب لأقل من 200 متر (انتبه قوة مميتة لا تقترب اكثر من 200 متر وإلا سيطلق عليك النار).
«هؤلاء لا يمزحون ولا يعرفون معنى المزح»، علق السائق، وواصل قائلا «قبل ايام اطلقوا النار على جارنا (ابو محمد) وهو رجل كبير في نهاية الستين من عمره في نهاية شارع حيفا وبالقرب من ساحة الطلائع عندما كان في طريقه الى محل ابنه الخاص ببيع المواد الاحتياطية».
كان علينا ان نتأخر ثلاث مرات في طريق المطار بسبب مفاجآت الارتال الاميركية، حيث كلما مر رتل نتوقف ما بين 10 دقائق الى 15 دقيقة. كانت هناك عوائق اخرى هي نقاط التفتيش ومواكب المسؤولين الذين تنطلق سيارات حماياتهم في مقدمة الموكب لتقطع السير وسط زخات من الرصاص يرميها فريق الحماية لاجبار بقية السيارات على التوقف.
كانت هناك نقطة تفتيش في منطقة الحارثية مقابل معرض بغداد الدولي، توقفت السيارة في طابور طويل جدا قبل ان يصل دورنا، طلب الشرطي البطاقات الشخصية، تفرس في وجوهنا جيدا بينما انشغل زميله بتفتيش صندوق السيارة، اعاد الينا بطاقاتنا الشخصية وسمح للسيارة بالمرور، عندها سألت السائق اذا كانت هناك نقاط تفتيش تابعة للميليشيات المسلحة في شوارع بغداد، أجاب: الآن أقل من الماضي بكثير. الماضي يعني قبل تطبيق الخطة الامنية التي تحمل اسم «فرض القانون»، ثم تابع قائلا «في السابق كانت تتوزع نقاط التفتيش التابعة للميليشيات في جميع الشوارع من غير ان نميز بين هذه المجموعة او تلك، اما اليوم فان غالبية نقاط التفتيش حكومية اما نقاط الميليشيات فتتوزع في داخل الاحياء والشوارع الفرعية. اي انها اعادت توزيعها ولم تنسحب او تختفي».
عندما تتجول في شوارع بغداد وتسأل الناس عمن يقف وراء سوء الاوضاع الامنية تتباين الآراء وتتقاطع أحيانا. البعض يقول ان دول الجوار هي التي تتسبب بكل هذه الفوضى الامنية، ودول الجوار المعنية هنا وحسب مساهمتها في تردي الأوضاع الامنية هي ايران بالدرجة الاولى، وتجد في بغداد من يقسم بأغلظ الأيمان بانه تعرض للتحقيق على أيدي ضباط ايرانيين في معتقل ملجأ الجادرية الذي افتضح امره في عهد حكومة الجعفري، وانه عذب باقسى الاساليب على ايدي ضباط لا يجيدون اللغة العربية مثل اجادة اللغة الفارسية.
الى ابعد من ذلك يؤكد ضابط سابق في وزارة الداخلية العراقية يحمل لقب النعيمي انه طورد وفصل من الوزارة وتم اغتيال شقيقيه بعد تعذيبهما حيث وجدت جثتاهما مع 14 جثة اخرى عند تخوم بلدة زرباطية الواقعة عند الحدود العراقية الايرانية والسبب كان هو فضحه لوجود طابق كامل في الوزارة تعمل فيه عناصر ايرانية. كذلك يشير البعض إلى سورية ويقولون إن لها يدا في تمرير الارهاب والارهابيين الى الاراضي العراقية. وهناك أيضا بين العراقيين من يحمل القوات الاميركية مسؤولية كل ما جرى وما يجري بدءا بحل الجيش العراقي والقوات الامنية الاخرى وصولا الى تحميلهم مسؤولية التفجيرات والانهيار الأمني في بغداد وغيرها من المدن العراقية. اصحاب هذا التفسير او الاجابة يؤكدون ان «اميركا تريد ان تبقي العراق غارقا في الفوضى والخراب حتى تبقى فترة اطول فيه مستفيدة من النفط العراقي ومسيطرة على بقعة استراتيجية مهمة في المنطقة».
المدينة التي اخترعت فيها أول ساعات لقياس الزمن بات الزمن مقسما فيها حسب عدد التفجيرات والجثث المتناثرة
عراقيون ينظرون الى الدمار أثر انفجار سيارة مفخخة ادى الى مقتل أكثر من 20 وجرح ما لا يقل عن 60 شخصا في حي كرادة ببغداد في يوليو الماضي (أ.ف.ب)
بغداد: معد فياض
ما من عراقي يلتقي مواطنه، في أي مكان أو زمان، إلا وطرح عليه السؤال الأزلي «شكو.. ماكو». وحسب الباحث الآثاري العراقي فوزي رشيد فإن البابليين كانوا يتبادلون هذا السؤال بمثابة التحية. وفي العراق اليوم وبعد أكثر من أربع سنوات على غزو العراق وسقوط النظام السابق يتردد هذا السؤال أكثر من ذي قبل. «الشرق الأوسط» قامت بجولة في العراق وعايشت حياة العراقيين في بغداد والنجف وكركوك وكردستان عن قرب، وزارت مواقع ساخنة متحدثة إلى المواطنين وعدد من المسؤولين. وبدءاً من اليوم ننشر سلسلة حلقات عن الحياة اليومية للناس وعن أبرز القضايا، مع صور عدد من المدن والمواقع.
دخان أم غبار ذلك الذي يلف بغداد؟ بغداد التي انتجت آلاف الكتب العلمية والادبية والفنية تنام اليوم وسط طبقة داكنة لا تستطيع ان تعرف ان كانت غبارا أم دخانا.
دخان التفجيرات المتلاحقة التي تمزق جسد المدينة، التي ارادها ابو جعفر المنصور يوم بناها ان تكون واحدة من اجمل حواضر الدنيا، يغطي كل شيء، حتى ان تمثال بانيها (المنصور) لم يسلم من عبوة ناسفة مزقت جسده النحاسي بتهمة طائفية مقيتة. دخان يزكم الأنوف ويعمي العيون ويغشي العقول. دخان الصراعات السياسية والتمزق الطائفي والتناحر المذهبي يعصف ببغداد.
أم هو غبار الخراب الذي لا يتوقف، وغبار تهديم مجتمعات كانت متصاهرة ومتناغمة ومتحابة حتى أيقظت فيها الطائفية واندلعت فيها الحروب.
بالحذر والريبة تهبط الطائرة القادمة من عمان الى بغداد.. لا صباح في المدينة، ولا مساء ايضا.. لا وقت في المدينة التي اخترعت فيها اول الساعات التي تقيس الزمن، هنا الزمن مقسم حسب عدد التفجيرات والجثث المتناثرة والعيون الدامعة.. الساعة الآن 10 تفجيرات و45 جثة متناثرة و30 جريحا. في الانواء الجوية يقولون ان الشمس حمراء تعكس لون الدم في شوارع العاصمة العراقية، والرياح تسير بعكس ما يشتهيه شعب مدينة كان اسمها دار السلام.
طائرة متعبة مستأجرة من جنوب افريقيا للخطوط الجوية الاردنية نقلتنا عند الساعة الثامنة صباحا الى بغداد.. تدور الطائرة عدة مرات وبشكل حلزوني لتهبط ضمن مربع آمن في المطار الذي كان يحمل اسم «مطار صدام الدولي».
عندما يدخل المسافر الى قاعة المطار لا يسمع صوت نداءات تخبر المسافرين والمسقبلين بمواعيد الطيران او الهبوط. فالاجهزة الامنية، العراقية منها والاميركية، تمنع وصول أي عراقي الى المطار ما لم يحمل تذكرة وجواز سفر. المستقبلون ينتظرون عادة في ساحة تقع بالقرب من موتيل عباس بن فرناس، ونقطة الانتظار هذه كانت قد تعرضت للقصف مرات عديدة، وهي الساحة ذاتها التي يتعرض فيها المسافر لاجراءات تفتيش دقيقة للغاية.
عربات حمل الأمتعة مصنوعة محليا من حديد رخيص، ورغم ذلك فإنها معروضة للايجار بأسعار عالية قد تصل الى 5 دولارات، والعامل الذي تستأجر منه العربة لا يساعد بحمل او دفع العربة فهذا لا يدخل في صلب مهماته او اختصاصه،على المسافر نفسه ان يدفع العربة حتى بوابة القاعة.
خارج المطار وجدت سائقا بدا في أواخر الاربعينات من عمره وكم استغربت عندما اخبرني فيما بعد بانه لم يتجاوز الخامسة والثلاثين، «ولكن الزمن الصعب هو الذي شيب شعرنا وارواحنا مبكرا».. هكذا علق. طرحت عليه السؤال الازلي العراقي «شكو، ماكو»، فاجاب وشبه ابتسامة فوق وجهه «كل شي أكو، سيارات مفخخة، عبوات ناسفة، انتحاريون، قناصة، انفجارات بالجملة، جثث في الشوارع كل يوم، الاسعار في ارتفاع». قلت: «كل هذا يوجد عندكم.. اذن ما هو الذي لا يوجد (بمعنى آخر اذا كان هذا هو الأكو، فماذا عن الماكو)» اجاب على الفور وكأنه توقع سؤالي مسبقا، فقال «ماكو حكومة، ماكو أمل، ماكو أمان، ماكو استقرار».
واضاف: «تصور نحن تحمسنا للانتخابات وخرجنا منذ الفجر مع عوائلنا لانتخاب ممثلينا في البرلمان. الذين انتخبناهم دافعوا اولا عن حقوقهم ورواتبهم وامتيازاتهم المادية والمعنوية واجازاتهم ونسوا الشعب الذي يمثلونه، عمليا نحن قمنا بتحويل مواطنين عاديين الى مواطنين من الدرجة الممتازة، المصيبة اننا لم نعد نرى هؤلاء النواب ولا نستطيع الاتصال بهم لايصال مشاكلنا لهم، ولا ندري كيف يمثلوننا. أغلب اعضاء مجلس النواب (البرلمان) يقيمون في مجمع القادسية ذات الفلل الراقية التي بناها صدام حسين لوزرائه وقادته السياسيين والعسكريين، وقسم آخر من ممثلي الشعب العراقي يقيمون في المنطقة الخضراء خلف جدران الكونكريت، اما القسم الثالث فقد اختاروا الاقامة في فندق الرشيد وذلك عندما يصلون الى بغداد قادمين من فللهم في عمان. اما القلة النادرة من النواب المقيمين في مناطق سكنية محمية ببغداد فهؤلاء احاطوا شوارعهم بعوارض كونكريتية وحواجز واسلاك شائكة وحمايات مخولين باطلاق النار في أي لحظة.. وهؤلاء من المستحيل ان يصلهم مواطنهم الذي انتخبهم».
السائق ذكر انه خريج معهد المهن الصحية واختصاصه معاون طبي وله اهتمامات موسيقية منذ طفولته حيث يعزف على القيثارة الغربية ويعرف اسماء غالبية المغنين في العالم، وكان يحمل ثلاث هويات شخصية، اثنتان منها مزورتين، ذلك ان اسمه الاصلي سامي، وهو مسيحي، لكنه يحمل هوية تحمل اسما شيعيا وأخرى تحمل اسما سنيا.
توقفت السيارة ثلاث مرات في الطريق الذي يربط المطار بمركز المدينة. فطريق المطار، والى فترة قريبة، كان يسمى بطريق الموت، وكان يعد واحدا من اكثر الشوارع خطورة في العاصمة العراقية، لكن القوات الأميركية دججته الآن بالدوريات المسلحة، وبدا آمنا بعض الشيء. وكان هذا الشارع في الماضي يعد واحدا من أجمل شوارع بغداد، واكثرها تحريما على العراقيين، بسبب الاستخدام المستمر له من قبل الرئيس السابق صدام حسين للذهاب والاياب من مجمع قصوره في منطقة الرضوانية القريبة من المطار.
لكن هذا الشارع يبدو اليوم كغيره من شوارع بغداد مهملا، تنتشر الحفر على اديمه مثل بثور الجدري فوق الوجه، بسبب الانفجارات التي خلفتها قنابل الهاون او العبوات الناسفة، وكذلك السيارات المفخخة، بينما تحولت الحدائق الى مستنقعات يستوطن بها البعوض وانواع لا تحصى من الحشرات وتزدحم بالقصب البردي، وتنبعث منها رائحة عفنة.
توقف السائق في انتظار مرور دورية اميركية مكونة من المدرعات وعربات همفي، حيث كانت كل عربة تحمل على مؤخرتها عبارات التحذير من الموت السريع، اذا غامر أحدهم واقترب لأقل من 200 متر (انتبه قوة مميتة لا تقترب اكثر من 200 متر وإلا سيطلق عليك النار).
«هؤلاء لا يمزحون ولا يعرفون معنى المزح»، علق السائق، وواصل قائلا «قبل ايام اطلقوا النار على جارنا (ابو محمد) وهو رجل كبير في نهاية الستين من عمره في نهاية شارع حيفا وبالقرب من ساحة الطلائع عندما كان في طريقه الى محل ابنه الخاص ببيع المواد الاحتياطية».
كان علينا ان نتأخر ثلاث مرات في طريق المطار بسبب مفاجآت الارتال الاميركية، حيث كلما مر رتل نتوقف ما بين 10 دقائق الى 15 دقيقة. كانت هناك عوائق اخرى هي نقاط التفتيش ومواكب المسؤولين الذين تنطلق سيارات حماياتهم في مقدمة الموكب لتقطع السير وسط زخات من الرصاص يرميها فريق الحماية لاجبار بقية السيارات على التوقف.
كانت هناك نقطة تفتيش في منطقة الحارثية مقابل معرض بغداد الدولي، توقفت السيارة في طابور طويل جدا قبل ان يصل دورنا، طلب الشرطي البطاقات الشخصية، تفرس في وجوهنا جيدا بينما انشغل زميله بتفتيش صندوق السيارة، اعاد الينا بطاقاتنا الشخصية وسمح للسيارة بالمرور، عندها سألت السائق اذا كانت هناك نقاط تفتيش تابعة للميليشيات المسلحة في شوارع بغداد، أجاب: الآن أقل من الماضي بكثير. الماضي يعني قبل تطبيق الخطة الامنية التي تحمل اسم «فرض القانون»، ثم تابع قائلا «في السابق كانت تتوزع نقاط التفتيش التابعة للميليشيات في جميع الشوارع من غير ان نميز بين هذه المجموعة او تلك، اما اليوم فان غالبية نقاط التفتيش حكومية اما نقاط الميليشيات فتتوزع في داخل الاحياء والشوارع الفرعية. اي انها اعادت توزيعها ولم تنسحب او تختفي».
عندما تتجول في شوارع بغداد وتسأل الناس عمن يقف وراء سوء الاوضاع الامنية تتباين الآراء وتتقاطع أحيانا. البعض يقول ان دول الجوار هي التي تتسبب بكل هذه الفوضى الامنية، ودول الجوار المعنية هنا وحسب مساهمتها في تردي الأوضاع الامنية هي ايران بالدرجة الاولى، وتجد في بغداد من يقسم بأغلظ الأيمان بانه تعرض للتحقيق على أيدي ضباط ايرانيين في معتقل ملجأ الجادرية الذي افتضح امره في عهد حكومة الجعفري، وانه عذب باقسى الاساليب على ايدي ضباط لا يجيدون اللغة العربية مثل اجادة اللغة الفارسية.
الى ابعد من ذلك يؤكد ضابط سابق في وزارة الداخلية العراقية يحمل لقب النعيمي انه طورد وفصل من الوزارة وتم اغتيال شقيقيه بعد تعذيبهما حيث وجدت جثتاهما مع 14 جثة اخرى عند تخوم بلدة زرباطية الواقعة عند الحدود العراقية الايرانية والسبب كان هو فضحه لوجود طابق كامل في الوزارة تعمل فيه عناصر ايرانية. كذلك يشير البعض إلى سورية ويقولون إن لها يدا في تمرير الارهاب والارهابيين الى الاراضي العراقية. وهناك أيضا بين العراقيين من يحمل القوات الاميركية مسؤولية كل ما جرى وما يجري بدءا بحل الجيش العراقي والقوات الامنية الاخرى وصولا الى تحميلهم مسؤولية التفجيرات والانهيار الأمني في بغداد وغيرها من المدن العراقية. اصحاب هذا التفسير او الاجابة يؤكدون ان «اميركا تريد ان تبقي العراق غارقا في الفوضى والخراب حتى تبقى فترة اطول فيه مستفيدة من النفط العراقي ومسيطرة على بقعة استراتيجية مهمة في المنطقة».