Dr.Hamzeh Malkawi
18-05-2007, 05:00
الجزء الأول :
الشباب هم قوة المجتمعات وعمادها، وصلاح أي مجتمع ـ بل أي أمة ـ مرتبط بل متوقف على صلاح شبابها، وهذه القاعدة تطرد فسادًا بعد ثبوتها في حال الصلاح، فالشباب للأمة كمثل القلب للبدن إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد وانحرف انعكس ذلك على المجتمع كله.
وهناك معوقات تعصف بمسيرة الشباب، تعوق عملهم، وتهدر طاقتهم، بل وتغير وجهتهم.. مما يعود بالسلب عليهم وعلى مجتمعاتهم.. هذه المعوقات التي نقصدها هي عوامل الانحراف عــند الشباب.. وقد تنوعت هذه المعوقات (داخلية وخارجية) وتعددت مصادرها وأسبابها بحيث مـن أفلت من أحدها وقع في حبائل غيرها، والمعصوم من عصمه الله. ومن أهم هذه الأسباب:
الفـــــــــــراغ:
روى الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ".
فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الفراغ نعمة في حق العبد إذا استعمله فيما يعود عليه بالنفع في دنياه وأخراه، أما إذا لم يغتنمه الشاب تحول من نعمة إلى نقمة، ومن منحة إلى محنـــــــة، ويصبح شبحًا مخيفًا يحول الشاب إلى ألعوبة بيد شياطين الجن والإنس.
إن الشباب والفراغ والجدة.. ... ..مفسدة للمرء أي مفسدة
وقد قرر علماء النفس والتربية في الغرب أن فراغ الشباب في تلك البلاد يعد واحدا من أكـــــبر أسباب الجرائم فيها. وأجمعوا على أن الشاب إذا اختلى بنفسه أوقات فراغه وردت عليه الأفكار الحالمة، والهواجس السارحة، والأهواء الآثمة، والتخيلات الجنسية المثيرة، فلا يجد نفســـــــه الأمارة إلا وقد تحركت وهاجت أمام هذه الموجة من التخيلات والأهواء والهواجس، فيتحرك لتحقيق خيالاته مما يحمله على الوقوع في كثير مما هو محظور.
وليس هذا مما ينفرد به شباب الغرب بل هو مما يشترك فيه شباب الدنيا بأسرها؛ ولذلك كـــان اغتنام أوقات الفراغ قبل الانشغال، واستغلال زمان الشباب قبل الهرم، والصحة قبل المرض، والحياة قبل الممات، من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته.
ورحم الله عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "إنـــــي لأمقت الرجل أن أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة".
التفكك الأسري:
الأسرة هي المحضن الذي ينبت فيه الشاب ويترعرع في كنفه، ولتأثيرها وضوح في صـقل شخصية الشاب واكتمال شخصيته. والوالدان يعتبران القدوة الفعالة في نفس الشاب، فكــــما يعودانه يعتاد، وكما يعلمانه يتعلم، إن كانا صالحين نشأ صالحًا، وإن كانا فاسدين نشـأ فاسدًا
وينشأ ناشئ الفتيان منا.. ... ..على ما كان عودُه أبوه
والتفكك الأسري من أكبر الأسباب التي تدفع إلى انحراف الشباب، فإذا وجد الشاب والفتاة أن الأبوان دائما الخلافات، فالأم في ناحية والأب في ناحية أخرى، أو أن الأب لا يأبه للبيت ولتربية أولاده.. فكل هذه الأمور تتسبب في القلق النفسي عند الطفل، ويشب على هذا القلق ثم يتجه إلى الانحراف من شرب للخمور، أو المخدرات لينسى مجتمعه الصغير "الأسرة" ويبحث له عن رفقة خارج الأسرة يكوّن بها مجتمعا آخر لعله يجد فيه ما لم يجده في أسرته. وهذه الرفقة لها دورها في تشكيل هذا الشاب صلاحا أو عكسه؛ كما سنبينه في العنوان التالي.
الرفقة السيئة:
لا شك أن الرفقة تقع في قاعدة الحاجات الاجتاعية فكل إنسان يحتاج الرفقة، لأن الرفقة حاجة نفسية متأصلة في النفس البشرية من يوم يبدأ يدرك ويفهم ما يدور حوله، فإذا صلحت الرفقة صلح الإنسان وإذا حدث العكس فسد الإنسان، ولذلك كان التوجيه النبوي في اختيار الأصدقاء والرفقاء في قوله عليه الصلاة والسلام : [مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك : إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة](متفق عليه)
فإذا صاحبت خيّراً حيا قلبك، وانشرح صدرك، واستنار فكرك، وبصّرك بعيوبك، وأعانك على الطاعة، ودلّك على أهل الخير.
وجليس الخير يذكرك بالله، ويحفظك في حضرتك ومغيبك، ويحافظ على سمعتك، ومجالس الخير تغشاها الرحمة وتحفّها الملائكة، وتتنزّل عليها السكينة، فاحرص على رفقة الطيبين المستقيمين، ولا تعد عيناك عنهم، فإنهم أمناء.
والحذر كل الحذر من رفيق السوء، فإنه يُفسد عليك دينك، ويخفي عنك عيوبك، يُحسّن لك القبيح، ويُقبّح لك الحسن، يجرّك إلى الرذيلة، ويباعدك من كل فضيلة، حتى يُجرّئك على فعل الموبقات والآثام، والصاحب ساحب، فقد يقودك إلى الفضيحة والخزي والعار، وليست الخطورة فقط في إيقاعك في التدخين أو الخمر أو المخدرات، بل الخطورة كل الخطورة في الأفكار المنحرفة والعقائد الضالة، فهذه أخطر وأشد من طغيان الشهوة؛ لأن زائغ العقيدة قد يستهين بشعائر الإسلام، ومحاسن الآداب، فهو لا يتورع عن المناكر، ولا يُؤتمن على المصالح، بل يُلبس الحق بالباطل، فهو ليس عضواً أشل، بل عضو مسموم يسري فساده كالهشيم في النار.
وفي الأثر: "إياك وقرين السوء فإنك به تُعرف".
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وإن كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
التأثير السلبي للإعلام:
إن للإعلام تأثيرا سلبيا على عقول الناس جميعًا كبيرهم وصغيرهم وقد تنوع الإعلام بين مرئي ومسموع كلها تقصف العقول قصفا وتخاطب غرائز الشباب خطابا مشبوبا، أججت معه العواطف وأثارت مكنونات النفوس وعرضت نماذج للقدوات غير صالحة مما أثر في شخصية الشباب، حتى أخذ كثير من الشباب يشكل ثقافته وشخصيته بالطريقة التي يحبها ويهواها.
والإعلام بشكل عام سلاح ذو حدين من الممكن أن يكون نافعًا للشاب، ومن الممكن أن يكون عاملاً من عوامل الانحراف، ولكن المشاهد في الواقع هو أن ماتعرضه وسائل إعلامنا بداية من أفلام الكارتون إلى الأفلام والمسلسلات الأجنبية البوليسية، أو الإثارة أو الرعب، مع التفصيل في مواطن الانحراف كالرقص والزنا وشرب المخدرات وجرائم السرقة، كل هذا ما هو إلا طريق للانحراف الفكري والسلوكي لدى شبابنا.
البيئة المحيطة بالشباب:
للبيئة تأثير خاص في الإنسان، فالإنسان كما يقال ابن بيئته، فإن تربى في بيئة تعتز بالفضيلة والأخلاق الحسنة، صار الإنسان يعتز بالفضيلة والأخلاق، وإن عاش في بيئة موبوءة بالسموم الأخلاقية والفكرية، أصبح كذلك، فالإنسان يؤثر ويتأثر.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" والنفس الإنسانية قابلة للخير والشر، وعندها استعداد للاستقامة أو الانحراف والبيئة هي التي تعزز ذلك وتيسره
هي الأخلاق تنبت كالنبات.. ... ..إذا سقيت بماء المكرمـات
تقوم إذا تعهــدها المربـي.. ... ..على ساق الفضيلة مثمرات
وأكبر الأخطار على الشاب أن يعيش في بيئة يشوبها القلق والاضطرابات النفسية والسلوكية، سواء كانت بيئة البيت أو بيئة الشارع، فكل يؤثر في مجاله، لذلك يرى كثير من المربين: أن الإنسان منذ مراهقته يجب أن يهيأ له جو صالح في البيت أولاً ثم خارجه في المدرسة والشارع لأنه حتمًا سوف يتأثر بما يختلط به ويعايشه والبيت، والمدرسة، والشارع هي المحيط والبيئة التي تستغرق أكثر حياة الإنسان، فإذا صلحت هذه الأماكن صلح الإنسان.
هذه كانت بعض العوامل التي تساعد على انحراف الشباب، ذكرناها للتنبيه على خطرها والتصدي لمعالجتها ولينتبه أخواننا الشباب والمربون لها.. ونسأل الله لنا ولإخواننا الشباب الحفظ والسلامة.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
نتائج الانحراف وآثاره
لانحراف الشباب ، الذي يمثل بداية الإنزلاق نحو الهاوية ، والابتعاد عن الخط الصحيح ، آثاره السلبية ونتائجه الوخيمة التي لو نظر إليها الشاب والفتاة نظرة متفحّصة لرأفوا بأنفسهم وخافوا عليها وثابوا إلى رشدهم وما فضّلوا على الاستقامة والاعتدال شيئاً . فمن بين النتائج التي يفرزها الانحراف :
1 ـ الاسترسال والمضي في طريق الانحراف أشواطاً أخرى .
فليس المدمن هو الذي أدمن تعاطي المخدرات أو الخمر أو التدخين فقط ، فالذي يدمن التحرّش الجنسي ، والألفاظ البذيئة ، والتهاون في العبادات ، والتساهل في أحكام الشريعة ، هو مدمن من نوع آخر ، أي أنّ هذه الأمور تصبح ـ مع الإصرار والمداومة ـ صفات ملازمة ولصيقة ومتحكّمة بالشاب أو الفتاة ، مما يشكل فاتحة لعهد الانحراف الذي إذا لم تغلق بابه مبكراً دخلت منه الشرور كلّها .
2 ـ الانحراف عن طريق معيّن قد يؤدي إلى الانحراف عن طريق آخر .
كما لو أنّ الشاب أو الفتاة انحرفا ابتداءً بإقامة علاقات غير مدروسة مع قرناء السوء ، فإنّ الانحرافات التي تستتبع ذلك ستكون
نتائج حتمية للانحراف الأوّل ، ولو تتبعت انحرافات بعض الشبان لرأيت إنّها ابتدأت بانحراف واحد ، ثمّ أهمل فتطوّر فجرّ إلى انحرافات أخرى .
3ـ الأمراض والاضطرابات النفسية التي تنجم عن الانحراف .
إنّ الانحراف عن خطّ السير يجرّ إلى انحراف في الصحّة سواء البدنية أو النفسية أو الروحية أو العقلية أو السلوكية العملية . فالسارق قد لا تبدو عليه علائم الانحراف بدنياً لكن سرقته ستترك أثرها في نفسيته وقد يعيش حالة التأنيب الداخلي ، ولكنّ المدمن على المخدّرات يعاني من اضطرابات كثيرة بدنية وعقلية ونفسية وروحية وسلوكية .
إنّ الكثير من حالات الكآبة والقلق والأرق والتشاؤم واليأس والإحباط والشعور بالعجز وتأنيب الضمير ، والإعراض عن الطعام والهزال والانطواء ، هي ثمار للعديد من الانحرافات التي يبتلى بها الشباب ، وقد يدفع بعضها إلى البرم والنرفزة وضيق الصدر بالآخرين ، وإلى الملل والسأم السريعين ، والاستمناء ، والرغبة بالانتقام ، والحقد ، والميل إلى الأفكار السلبية ومنها الانتحار .
4 - التدهور الإيماني : إنّ ضعف الإيمان أو الوازع الديني الذي
اعتبرناه عاملاً من عوامل الانحراف ، هو سبب ونتيجة أيضاً ، فالمنحرف إذا تعايش مع انحرافه واستفحل لديه ازداد تدهوره القيمي والديني والأخلاقي فلا يعود يقيم وزناً للعفّة والطهارة والنزاهة والاستقامة ونبل الشخصية ومكانتها بين الناس ، ولا يعود يأبه بالالتزامات العبادية حيث تبدأ مؤشرات الانحراف عنده بالشعور بعدم جدواها أوّلاً ، ثمّ بالتقصير في أدائها ، ثمّ ينتهي إلى إهمالها تماماً .
5 ـ ضعف الأداء العملي : ففي الكثير من الحالات ، لا يبقى المنحرف مواظباً على تقديم نفس المستوى من النشاط والفعالية والجدية والتجاوب مع الأفكار الإيجابية والإبداع . فكما يضعف التزامه الديني يضعف كذلك مستواه الدراسي والثقافي والأخلاقي والاجتماعي ، أي أن منعكسات الانحراف لا تقف عند حد واحد ، فالسارق يلجأ إلى السرقة الدراسية فيغشّ ، ويرى أن لا حاجة للتحصيل العلمي طالما أ نّه يمكن أن يؤمّن احتياجاته بالسرقة ، كما أ نّه يشعر بالاستغناء عن أسرته باستقلاله المالي وهكذا يضعف ارتباطه بأسرته ، وهذه كلّها انحدارات وانحرافات متلاحقة تضعف الأداء في مختلف المجالات .
6 ـ النفور الاجتماعي : أي أنّ الشاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة سيجدان إعراضاً وصدوداً وجفاء بل امتعاضاً من الناس والمجتمع
الذي يعيشان فيه خاصة إذا كان للمجتمع تقاليده وأعرافه والتزاماته التي يُراعيها . وإذا أمعن أحدهما في الانحراف فإن ذلك قد يؤدي إلى مقاطعته تماماً حتى يجد نفسه بعد حين منبوذاً مما يخلق له متاعب كان في غنى عنها ، فلا يجد مَنْ يؤويه أو يوظّفه أو يزوّجه بل لا يجد مَنْ يصادقه مخافة أن يُتهم به ، أللّهمّ إلاّ النفر الضالّ الذي يماثله في انحرافه على طريقة «شبيه الشيء منجذب إليه» . وبالتالي فإن أجواء الانحراف التي ستحتضنه ستوقعه في المزيد من الارتكاس والتردّي في مهاوي الانحراف والضياع .
7 ـ ضعف الإرادة وانحلالها وفقدان السيطرة على النفس : وهي أيضاً سبب ونتيجة ، فالإرادة الواهية تقود إلى الانحراف ، والانحراف يزيد في ضعفها وانحلالها حتى ليغدو الشاب المنحرف كالمريض الضعيف البنية يسهل على الجراثيم والميكروبات والفيروسات افتراسه فيصاب لأدنى عارض ، أي أن قابليته على الإصابة تزداد بسبب نقص المناعة أو اندثارها .
منقول بعلم من جمع الموضوع .
الشباب هم قوة المجتمعات وعمادها، وصلاح أي مجتمع ـ بل أي أمة ـ مرتبط بل متوقف على صلاح شبابها، وهذه القاعدة تطرد فسادًا بعد ثبوتها في حال الصلاح، فالشباب للأمة كمثل القلب للبدن إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد وانحرف انعكس ذلك على المجتمع كله.
وهناك معوقات تعصف بمسيرة الشباب، تعوق عملهم، وتهدر طاقتهم، بل وتغير وجهتهم.. مما يعود بالسلب عليهم وعلى مجتمعاتهم.. هذه المعوقات التي نقصدها هي عوامل الانحراف عــند الشباب.. وقد تنوعت هذه المعوقات (داخلية وخارجية) وتعددت مصادرها وأسبابها بحيث مـن أفلت من أحدها وقع في حبائل غيرها، والمعصوم من عصمه الله. ومن أهم هذه الأسباب:
الفـــــــــــراغ:
روى الإمام البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ".
فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن الفراغ نعمة في حق العبد إذا استعمله فيما يعود عليه بالنفع في دنياه وأخراه، أما إذا لم يغتنمه الشاب تحول من نعمة إلى نقمة، ومن منحة إلى محنـــــــة، ويصبح شبحًا مخيفًا يحول الشاب إلى ألعوبة بيد شياطين الجن والإنس.
إن الشباب والفراغ والجدة.. ... ..مفسدة للمرء أي مفسدة
وقد قرر علماء النفس والتربية في الغرب أن فراغ الشباب في تلك البلاد يعد واحدا من أكـــــبر أسباب الجرائم فيها. وأجمعوا على أن الشاب إذا اختلى بنفسه أوقات فراغه وردت عليه الأفكار الحالمة، والهواجس السارحة، والأهواء الآثمة، والتخيلات الجنسية المثيرة، فلا يجد نفســـــــه الأمارة إلا وقد تحركت وهاجت أمام هذه الموجة من التخيلات والأهواء والهواجس، فيتحرك لتحقيق خيالاته مما يحمله على الوقوع في كثير مما هو محظور.
وليس هذا مما ينفرد به شباب الغرب بل هو مما يشترك فيه شباب الدنيا بأسرها؛ ولذلك كـــان اغتنام أوقات الفراغ قبل الانشغال، واستغلال زمان الشباب قبل الهرم، والصحة قبل المرض، والحياة قبل الممات، من وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته.
ورحم الله عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "إنـــــي لأمقت الرجل أن أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة".
التفكك الأسري:
الأسرة هي المحضن الذي ينبت فيه الشاب ويترعرع في كنفه، ولتأثيرها وضوح في صـقل شخصية الشاب واكتمال شخصيته. والوالدان يعتبران القدوة الفعالة في نفس الشاب، فكــــما يعودانه يعتاد، وكما يعلمانه يتعلم، إن كانا صالحين نشأ صالحًا، وإن كانا فاسدين نشـأ فاسدًا
وينشأ ناشئ الفتيان منا.. ... ..على ما كان عودُه أبوه
والتفكك الأسري من أكبر الأسباب التي تدفع إلى انحراف الشباب، فإذا وجد الشاب والفتاة أن الأبوان دائما الخلافات، فالأم في ناحية والأب في ناحية أخرى، أو أن الأب لا يأبه للبيت ولتربية أولاده.. فكل هذه الأمور تتسبب في القلق النفسي عند الطفل، ويشب على هذا القلق ثم يتجه إلى الانحراف من شرب للخمور، أو المخدرات لينسى مجتمعه الصغير "الأسرة" ويبحث له عن رفقة خارج الأسرة يكوّن بها مجتمعا آخر لعله يجد فيه ما لم يجده في أسرته. وهذه الرفقة لها دورها في تشكيل هذا الشاب صلاحا أو عكسه؛ كما سنبينه في العنوان التالي.
الرفقة السيئة:
لا شك أن الرفقة تقع في قاعدة الحاجات الاجتاعية فكل إنسان يحتاج الرفقة، لأن الرفقة حاجة نفسية متأصلة في النفس البشرية من يوم يبدأ يدرك ويفهم ما يدور حوله، فإذا صلحت الرفقة صلح الإنسان وإذا حدث العكس فسد الإنسان، ولذلك كان التوجيه النبوي في اختيار الأصدقاء والرفقاء في قوله عليه الصلاة والسلام : [مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك : إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة](متفق عليه)
فإذا صاحبت خيّراً حيا قلبك، وانشرح صدرك، واستنار فكرك، وبصّرك بعيوبك، وأعانك على الطاعة، ودلّك على أهل الخير.
وجليس الخير يذكرك بالله، ويحفظك في حضرتك ومغيبك، ويحافظ على سمعتك، ومجالس الخير تغشاها الرحمة وتحفّها الملائكة، وتتنزّل عليها السكينة، فاحرص على رفقة الطيبين المستقيمين، ولا تعد عيناك عنهم، فإنهم أمناء.
والحذر كل الحذر من رفيق السوء، فإنه يُفسد عليك دينك، ويخفي عنك عيوبك، يُحسّن لك القبيح، ويُقبّح لك الحسن، يجرّك إلى الرذيلة، ويباعدك من كل فضيلة، حتى يُجرّئك على فعل الموبقات والآثام، والصاحب ساحب، فقد يقودك إلى الفضيحة والخزي والعار، وليست الخطورة فقط في إيقاعك في التدخين أو الخمر أو المخدرات، بل الخطورة كل الخطورة في الأفكار المنحرفة والعقائد الضالة، فهذه أخطر وأشد من طغيان الشهوة؛ لأن زائغ العقيدة قد يستهين بشعائر الإسلام، ومحاسن الآداب، فهو لا يتورع عن المناكر، ولا يُؤتمن على المصالح، بل يُلبس الحق بالباطل، فهو ليس عضواً أشل، بل عضو مسموم يسري فساده كالهشيم في النار.
وفي الأثر: "إياك وقرين السوء فإنك به تُعرف".
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وإن كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي
التأثير السلبي للإعلام:
إن للإعلام تأثيرا سلبيا على عقول الناس جميعًا كبيرهم وصغيرهم وقد تنوع الإعلام بين مرئي ومسموع كلها تقصف العقول قصفا وتخاطب غرائز الشباب خطابا مشبوبا، أججت معه العواطف وأثارت مكنونات النفوس وعرضت نماذج للقدوات غير صالحة مما أثر في شخصية الشباب، حتى أخذ كثير من الشباب يشكل ثقافته وشخصيته بالطريقة التي يحبها ويهواها.
والإعلام بشكل عام سلاح ذو حدين من الممكن أن يكون نافعًا للشاب، ومن الممكن أن يكون عاملاً من عوامل الانحراف، ولكن المشاهد في الواقع هو أن ماتعرضه وسائل إعلامنا بداية من أفلام الكارتون إلى الأفلام والمسلسلات الأجنبية البوليسية، أو الإثارة أو الرعب، مع التفصيل في مواطن الانحراف كالرقص والزنا وشرب المخدرات وجرائم السرقة، كل هذا ما هو إلا طريق للانحراف الفكري والسلوكي لدى شبابنا.
البيئة المحيطة بالشباب:
للبيئة تأثير خاص في الإنسان، فالإنسان كما يقال ابن بيئته، فإن تربى في بيئة تعتز بالفضيلة والأخلاق الحسنة، صار الإنسان يعتز بالفضيلة والأخلاق، وإن عاش في بيئة موبوءة بالسموم الأخلاقية والفكرية، أصبح كذلك، فالإنسان يؤثر ويتأثر.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه" والنفس الإنسانية قابلة للخير والشر، وعندها استعداد للاستقامة أو الانحراف والبيئة هي التي تعزز ذلك وتيسره
هي الأخلاق تنبت كالنبات.. ... ..إذا سقيت بماء المكرمـات
تقوم إذا تعهــدها المربـي.. ... ..على ساق الفضيلة مثمرات
وأكبر الأخطار على الشاب أن يعيش في بيئة يشوبها القلق والاضطرابات النفسية والسلوكية، سواء كانت بيئة البيت أو بيئة الشارع، فكل يؤثر في مجاله، لذلك يرى كثير من المربين: أن الإنسان منذ مراهقته يجب أن يهيأ له جو صالح في البيت أولاً ثم خارجه في المدرسة والشارع لأنه حتمًا سوف يتأثر بما يختلط به ويعايشه والبيت، والمدرسة، والشارع هي المحيط والبيئة التي تستغرق أكثر حياة الإنسان، فإذا صلحت هذه الأماكن صلح الإنسان.
هذه كانت بعض العوامل التي تساعد على انحراف الشباب، ذكرناها للتنبيه على خطرها والتصدي لمعالجتها ولينتبه أخواننا الشباب والمربون لها.. ونسأل الله لنا ولإخواننا الشباب الحفظ والسلامة.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
نتائج الانحراف وآثاره
لانحراف الشباب ، الذي يمثل بداية الإنزلاق نحو الهاوية ، والابتعاد عن الخط الصحيح ، آثاره السلبية ونتائجه الوخيمة التي لو نظر إليها الشاب والفتاة نظرة متفحّصة لرأفوا بأنفسهم وخافوا عليها وثابوا إلى رشدهم وما فضّلوا على الاستقامة والاعتدال شيئاً . فمن بين النتائج التي يفرزها الانحراف :
1 ـ الاسترسال والمضي في طريق الانحراف أشواطاً أخرى .
فليس المدمن هو الذي أدمن تعاطي المخدرات أو الخمر أو التدخين فقط ، فالذي يدمن التحرّش الجنسي ، والألفاظ البذيئة ، والتهاون في العبادات ، والتساهل في أحكام الشريعة ، هو مدمن من نوع آخر ، أي أنّ هذه الأمور تصبح ـ مع الإصرار والمداومة ـ صفات ملازمة ولصيقة ومتحكّمة بالشاب أو الفتاة ، مما يشكل فاتحة لعهد الانحراف الذي إذا لم تغلق بابه مبكراً دخلت منه الشرور كلّها .
2 ـ الانحراف عن طريق معيّن قد يؤدي إلى الانحراف عن طريق آخر .
كما لو أنّ الشاب أو الفتاة انحرفا ابتداءً بإقامة علاقات غير مدروسة مع قرناء السوء ، فإنّ الانحرافات التي تستتبع ذلك ستكون
نتائج حتمية للانحراف الأوّل ، ولو تتبعت انحرافات بعض الشبان لرأيت إنّها ابتدأت بانحراف واحد ، ثمّ أهمل فتطوّر فجرّ إلى انحرافات أخرى .
3ـ الأمراض والاضطرابات النفسية التي تنجم عن الانحراف .
إنّ الانحراف عن خطّ السير يجرّ إلى انحراف في الصحّة سواء البدنية أو النفسية أو الروحية أو العقلية أو السلوكية العملية . فالسارق قد لا تبدو عليه علائم الانحراف بدنياً لكن سرقته ستترك أثرها في نفسيته وقد يعيش حالة التأنيب الداخلي ، ولكنّ المدمن على المخدّرات يعاني من اضطرابات كثيرة بدنية وعقلية ونفسية وروحية وسلوكية .
إنّ الكثير من حالات الكآبة والقلق والأرق والتشاؤم واليأس والإحباط والشعور بالعجز وتأنيب الضمير ، والإعراض عن الطعام والهزال والانطواء ، هي ثمار للعديد من الانحرافات التي يبتلى بها الشباب ، وقد يدفع بعضها إلى البرم والنرفزة وضيق الصدر بالآخرين ، وإلى الملل والسأم السريعين ، والاستمناء ، والرغبة بالانتقام ، والحقد ، والميل إلى الأفكار السلبية ومنها الانتحار .
4 - التدهور الإيماني : إنّ ضعف الإيمان أو الوازع الديني الذي
اعتبرناه عاملاً من عوامل الانحراف ، هو سبب ونتيجة أيضاً ، فالمنحرف إذا تعايش مع انحرافه واستفحل لديه ازداد تدهوره القيمي والديني والأخلاقي فلا يعود يقيم وزناً للعفّة والطهارة والنزاهة والاستقامة ونبل الشخصية ومكانتها بين الناس ، ولا يعود يأبه بالالتزامات العبادية حيث تبدأ مؤشرات الانحراف عنده بالشعور بعدم جدواها أوّلاً ، ثمّ بالتقصير في أدائها ، ثمّ ينتهي إلى إهمالها تماماً .
5 ـ ضعف الأداء العملي : ففي الكثير من الحالات ، لا يبقى المنحرف مواظباً على تقديم نفس المستوى من النشاط والفعالية والجدية والتجاوب مع الأفكار الإيجابية والإبداع . فكما يضعف التزامه الديني يضعف كذلك مستواه الدراسي والثقافي والأخلاقي والاجتماعي ، أي أن منعكسات الانحراف لا تقف عند حد واحد ، فالسارق يلجأ إلى السرقة الدراسية فيغشّ ، ويرى أن لا حاجة للتحصيل العلمي طالما أ نّه يمكن أن يؤمّن احتياجاته بالسرقة ، كما أ نّه يشعر بالاستغناء عن أسرته باستقلاله المالي وهكذا يضعف ارتباطه بأسرته ، وهذه كلّها انحدارات وانحرافات متلاحقة تضعف الأداء في مختلف المجالات .
6 ـ النفور الاجتماعي : أي أنّ الشاب المنحرف أو الفتاة المنحرفة سيجدان إعراضاً وصدوداً وجفاء بل امتعاضاً من الناس والمجتمع
الذي يعيشان فيه خاصة إذا كان للمجتمع تقاليده وأعرافه والتزاماته التي يُراعيها . وإذا أمعن أحدهما في الانحراف فإن ذلك قد يؤدي إلى مقاطعته تماماً حتى يجد نفسه بعد حين منبوذاً مما يخلق له متاعب كان في غنى عنها ، فلا يجد مَنْ يؤويه أو يوظّفه أو يزوّجه بل لا يجد مَنْ يصادقه مخافة أن يُتهم به ، أللّهمّ إلاّ النفر الضالّ الذي يماثله في انحرافه على طريقة «شبيه الشيء منجذب إليه» . وبالتالي فإن أجواء الانحراف التي ستحتضنه ستوقعه في المزيد من الارتكاس والتردّي في مهاوي الانحراف والضياع .
7 ـ ضعف الإرادة وانحلالها وفقدان السيطرة على النفس : وهي أيضاً سبب ونتيجة ، فالإرادة الواهية تقود إلى الانحراف ، والانحراف يزيد في ضعفها وانحلالها حتى ليغدو الشاب المنحرف كالمريض الضعيف البنية يسهل على الجراثيم والميكروبات والفيروسات افتراسه فيصاب لأدنى عارض ، أي أن قابليته على الإصابة تزداد بسبب نقص المناعة أو اندثارها .
منقول بعلم من جمع الموضوع .