محمد دغيدى
15-04-2007, 10:47
من نسف الجسور الى محاولات شق المقاومة : ماذا يجري في العراق؟
شبكة البصرة
صلاح المختار
قد يبدو ما يجري في العراق احداثا متناثرة لا رابط بينها لكن الفحص الدقيق يوصلنا الى نتيجة مغايرة تماما، وهي ان الاحداث المتسارعة التي نلاحظها في العراق هي عبارة عن خطوات خطيرة ومترابطة، أستباقا، وتهيئة، للحظات الحسم النهائي للاحتلال الامريكي والايراني. ما الذي يجري؟ وماهي اهدافه واغراضه ونتائجه؟
نسف الجسرين
لقد صعق العراقيون نتيجة تفجير اقدم جسور بغداد وهو جسر الصرافية، وتعددت التفسيرات حول من قام بذلك ولم قام به. ولم يكمل العراقيون خروجهم من الصعقة حتى جاء نسف جسر الجادرية ليعيد رفع الصعقة الى مستوى الذهول الممزوج بقلق مشروع مضاف، لان نسف الجسرين بلور بسرعة الافكار المقلقة التالية :
1 – ان معاناة العراقيين ستزداد نتيجة الغاء جسرين يوصلان بين ضفتي بغداد.
2 – ان الفوضى ستنتشر اكثر في بغداد.
3 – ان هناك اتجاها لعدم ابقاء أي حجر فوق حجر في بغداد واكمال الدمار الشامل الذي احدثه الاحتلال.
4 – والاهم والاخطر هو عزل الضفة الشرقية لبغداد عن توأمها الضفة الغربية تقريبا لهدف تقسيم العراق!
5 – ان العدو المشترك الامريكي الايراني مصصم على مواصلة جريمته في العراق مهما كان ثمنها باهضا على العراقيين.
وقبل هذه الصدمات لوحظ بانتباه شديد ان هناك امرا خطيرا كان وراء التعجيل باغتيال سيد الشهداء صدام حسين، واحاطة ذلك باجواء طائفية مصطنعة عمدا، وتعمد امريكا تشجيع عملاء ايران على اغتياله بالطريقة الاستفزازية التي تم بها، ثم التعجيل باغتيال الشهداء طه ياسين رمضان وبرزان التكريتي وعواد البندر، فاكد ذلك الشكوك العميقة بالنوايا الاخطر لامريكا وايران وهي تصعيد الصراع في العراق ليأخذ منحى اخرا.
وجاءت خطوة اخرى موحية بمعانيها وهي الاقدام الاجرامي والبشع على تنفيذ مؤامرة لشق الحزب قامت بها زمرة، اغلب افرادها انقطعت صلتهم بالحزب بعد الغزو، باستثناء قلة صغيرة منها وكلهم في سوريا، بدفع وتنسيق مباشر مع قوات الاحتلال الامريكي، في توقيت فضحهم وفضح حقيقتهم، وهو التامر على شق الحزب، قبل ان يجف دم الشهيد القائد صدام حسين. وتزايدت المؤشرات بتكثيف الحملات الفاشية على البعث قيادة ومناضلين وقواعد، فازدادت عمليات الاغتيالات المنظمة داخل العراق لكوادرالبعثيين المجاهدين على يد الاحتلال وعملاء ايران وعناصر مشبوهة تستخدم التكفير سلاحا ضد العراقيين وطلائعهم المجاهدة، وتضاعفت حملات اعتقال البعثيين، خصوصا بعد احباط الحزب لمؤامرة شقه وعزل المتامرين وفضحهم، وعززت امريكا اجراءاتها لمنع البعث ومجاهدية من الحصول عل أي دعم مادي او معنوي واعلامي.
وكانت من اهم الخطوات ايحاء هي خطوة مهاجمة مدينة الدور التي ينتمي اليها قائد الجهاد الرفيق عزة الدوري مرتين خلال اقل من شهر وتطويقها وتفتيشها واعتقال مئات المواطنين او عوائلهم لاجبارهم على التسليم. وكان الهدف الحقيقي في المرتين هو اسر المناضل عزة الدوري، بعد ان اكتشفت امريكا ان المتامرين، الذين اشترطوا للتعاون معها علنا تصفية سيد الشهداء، كانوا لايعرفون حقيقة التماسك والانضباط الحزبيين، فظنوا ان اغتيال الشهيد سيسهل السطو على الحزب بسهولة، لكنهم اكتشفو ان كافة قواعد وكوادر الحزب في العراق قد ادانت المتامرين ووصمتهم بالخيانة، والتفت حول امين سر القطر عزة الدوري خليفة سيد الشهداء، لذلك قررت امريكا وبدفع من المتامرين ايضا العمل على اسر او اغتيال المجاهد الدوري تسهيلا لمحاولات لاحقة لشق الحزب.
وبالاضافة لمحاولات السطو على اسم الحزب فان المخابرات الامريكية قد اخذت تنفذ خطة اخرى، وبدعم ايراني واضح سواء بالتنسيق المباشر او بالتلاقي، وهي خطة افتعال قتال بين فصائل الجهاد العراقية بتشجيع عناصر اسلاموية تكفيرية داخل بعض الفصائل،
وليس الفصائل ذاتها، على اعلان نيتها في الانفراد بحكم العراق او ساحة الجهاد منذ الان، ووضع الفصائل الاخرى بين خيار قطع الرقاب او مبايعتها والسير تحت قيادتها، مع انها لا تمثل الا مجموعة صغيرة! كما لجأت عناصر اخرى الى تكفير الفصائل القومية التقدمية والعروبية ومهاجمتها بنفس مفردات فيلق بدر الايراني ومحاولة تشويه دورها الجهادي. بل انها اقدمت على اغتيال عشرات الكوادر العسكرية المقاتلة ضد الاحتلال من بعثيين وعروبيين، لاجل اشعال اقتتال بين فصائل الجهاد، خدمة لهدف امريكا وايران الاول وهو شق المقاومة العراقية، لان ذلك هو الشرط الاساسي لتحويل هزيمة امريكا في العراق الى نصر.
ما دلالات هذه التحركات؟
دون ادنى شك فان ما يجري في العراق هو محاولات امريكية وايرانية اجرامية للسيطرة على العراق من خلال شق الحزب والمقاومة وتفتيتهما للاسباب التالية :
1 – ما دامت المقاومة الوطنية المسلحة هي القوة الضاربة التي حولت الغزو الى هزيمة امريكية وكارثة هي الاسوأ في تاريخ السياسة الخارجية الامريكية، كما اعترفت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، فان خطوة البداية الصحيحة لتحويل الهزيمة والكارثة الى نصر ستراتيجي امريكي هي شق المقاومة العراقية، عبر أيقاظ المناجذ النائمة (المناجذ هي جمع خلد وهو حيوان قارض يشبه الجرذ يعيش تحت الارض، ويستخدم هذا المصطلح لوصف الجواسيس المندسين في صفوف احزاب او منظمات وطنية او ثورية لتخريبها من الداخل). والخلد هو الاحتياطي المهم جدا والخطير جدا الذي يخفيه العدو للحظات الحسم الصعبة للتغلب على العقبات الاخيرة التي تعترض الحسم، وقد اطلق القائد صدام جسين سيد الشهداء على هؤلاء وصف (الاحتياطي المضموم والعزيز)، أي المخفي للحظات الحاسمة. ويقوم دور الخلد على التسلل الى الاحزاب والمنظمات التي تريد امريكا او اسرائيل ضربها وتدميرها من الداخل. لذلك فان اهم شروط النجاح هو تأهيل الخلد وطنيا او اسلاميا ليكسب سمعة طيبة وثقة الكوادر والناس، خصوصا في الوسط النضالي والجهادي، وبعد ان يكتمل التـأهيل ويأتي الوقت المطلوب للتحرك يأخذ بالعمل بطريقة تخدم من جنده للعمل الاستخباري وليس للحركة الجهادية التي اندس فيها.
ولن تكون إساءة لفصيل او حزب ان يكون هناك عميل مندس بين صفوفه على الاطلاق لان السياسة صراع معقد ويجب توقع أي احتمال فيه، فما دام الفصيل المقصود وطنيا فانه لابد ان يكون هدفا للاختراق المعادي. لذلك يجب ان نلفت النظر الى حقيقة خطيرة على الجميع التعامل معها، فلقد أهلّت المناجذ داخل فصائل جهادية حالما ادركت امريكا انها وقعت في فخ عراقي محكم، لن تخرج منه سالمة ما لم تلجأ لعمل ذكي مخطط بدقة، فشرعت بدس المناجذ في فصائل محددة، وقدمت لها عبر هذه المناجذ الدعم المادي والاعلامي بصورة مموهة طبعا، فازدادت الثقة بهذه المناجذ وتعاظم دورها داخل بعض الفصائل، وتولى بعضها مواقع قيادية داخلها. ويجب ان نتذكر بان اهمال هذه الحقيقة هو خطأ فادح بكل المعايير، وعلينا ان لا ننسى للحظة واحدة سؤالا مركزيا وهو : لم لم يكشف أي عميل جديد لامريكا بعد ان افتضح دور العملاء القدماء علاوي والحكيم والجلبي وغيرهم؟ هل هؤلاء هم العملاء فقط؟ ام ان لامريكا عملاء اكثر اهمية لانهم يعملون داخل الصف الوطني ولم يكشفوا بعد؟
وعملية تأهيل عناصر تكفيرية تشبه عملية تأهيل ايران باظهارها بمظهر من يناهض امريكا لصالح قضايا الاسلام وفلسطين، من اجل السطو على عقول بعض العرب والمسلمين تمهيدا لشقهم وتحويل الصراع من صراع تحرري ضد امريكا واسرائيل الى صراعات طائفية بين مسلمين بدل توجه كل البنادق للصهيونية وامريكا. ولم يكن ممكنا لهذه العناصر المشبوهة القيام بدورها الانشقاقي الحالي لولا التأهيل السابق لها والمتمثل في مقاتلة الاحتلال. اما الان، وبعد تأهلت، فان هجمات هذه العناصر العسكرية تتركز اساسا ضد العراقيين شيعة وسنة ولا تطال الاحتلال الا في ريشه. وبنفس الوقت تركز حملات الاغتيالات المنظمة على البعث والجهاديين البعثيين والعروبيين ذوي الانتماءات الاسلامية غير المعتدلة.
لقد جاء دور الاحتياطي العزيز والمضموم، أي المخفي، كما كان سيد الشهداء صدام حسين يصف جواسيس المرحلة الحاسمة من الصراع، والذين اندسوا في صفوف الوطنيين والمجاهدين منذ زمن وتبرقعوا بشعارات وقاموا باعمال تستحق الاحترام والدعم ومنحهم الثقة، جاء دور هؤلاء الان للاستيقاظ من رقدتهم وتنفيذ الدور المرسوم لهم وهو تدمير المقاومة من الداخل بعد ان فشلت خطط امريكا كلها في تدميرها من الخارج.
وهذا الدور ليس غريبا، فالنار يمكن ان تطفأ بالنار، وتكتيك المخابرات الغربية والصهيونية والايرانية يعتمد على هذه القاعدة. فلكي تحقق الهدف الاكبر عليك ان تضحي بمال ورجال قد يقتلون على يدك، او يد من تأمرهم، اكمالا للدور المرسوم وضمانا لنجاحك في تضليل العدو. لقد ضحت امريكا بثلاثة الاف انسان في احداث ايلول – سبتمبر عام 2001 وضحت بمليارات الدولارات لانها كانت تتطلع لاستخدام تلك العملية كمبرر لغزو العراق وافغانستان وهو غزو، لو نجح، لوضع كل احتياطي نفط العالم تحت سيطرتها الكاملة والمباشرة، وبذلك تقيم ديكتاتوريتها العاليمة بثمن بخس لانها ستجني من استعمار العالم الاف اضعاف ما خسرته في هجمات ايلول. ان دور امريكا في التخطيط وتنفيذ هجمات نيويورك لم يعد راي اعداء لامريكا بل اصبحت هناك شخصيات ومنظمات امريكية رسمية وغير رسمية تطالب بالتحقيق في ملابسات الهجمات ودور اجهزة امريكية فيها.
لذلك سيكون من السذاجة افتراض ان كل من يقتل امريكيا في العراق او اسرائيليا هو بالضرورة مناضل او مجاهد، فالعبرة هي في النتائج النهائية وليس نتائج منتصف الطريق. والعبرة هي في من خدمت هذه الاعمال اساسا وبشكل رئيسي وليس لمن خدمت بشكل ثانوي. يجب ان لا نقوّم العمليات العسكرية ضد الاحتلال الا في ضوء نتائجها الحقيقية واهدافها الحقيقية، فان خدمت هدف التحرير، وهذا الامر مشروط بالمحافظة على الشرط الاهم للانتصار وهو وحدة المقاومة، فانها هجمات تحريرية، وان استغلت لاكتساب سمعة طيبة تستخدم لاحقا في لحظات الحسم النهائي لتحقيق اهم متطلبات انتصار الاحتلال، وهو شق المقاومة وتفتيتها، فانها هجمات تدميرية وليس تحريرية، ولا تخدم الا الاحتلال.
ومن الملاحظات الخطيرة التي تجنبنا الحديث عنها طويلا حرصا على وحدة الصف الوطني المقاوم ملاحظتين يجب الان طرحهما، بعد ان شرعت عناصر مشبوهة في ممارسة القتل والتخريب في الصف المقاوم، وعلى الراي العام العربي والنخب الثقافية والوطنية الاطلاع عليهما :
الملاحظة الاولى هي ان المخابرات الامريكية في الوقت الذي تشدد فيه حملة اجتثاث البعث بصور مختلفة، مثل تصاعد عمليات اغتيال كوادر المقاومة العروبية والقومية والاسلامية الحقيقية، خصوصا البعثيين، واعدام قادة البعث بلا تردد، والتركيز المتطرف على تجفيف المنابع المالية للحزب ومقاومته واعتقال عشرات الالاف من مناضليه ومجاهديه، فانها تتساهل على نحو مذهل مع التكفيريين الطائفيين السنة وتقدم لهم الدعم المالي والعسكري مباشرة، او عبر قنوات خليجية، بحيث اصبح الاشد تكفيرا للقوميين والوطنيين والاسلاميين الحقيقيين هو الاكثر ثراء وسلاحا من بين فصائل المقاومة!
هذه حقيقة يجب ان لا تغيب عن بال أي مهتم بالشأن العراقي لانها تقدم لنا صورة دقيقة عما تفعله امريكا في العراق، وما تقوم به من تكتيكات يراد بها نقل الصراع الحالي من صراع ضد الاستعمار الامريكي الى اقتتال طائفي سني شيعي لن يحصل الا اذا اصبحت القوى الطائفية التكفيرية هي القوى السائدة في الساحة العراقية. وهذا التحويل يتطلب اول ما يتطلب اجتثاث البعث فكرا وتنظيما ومقاومة وشعبية ومالا، لانه الحزب الوطني والقومي الام والاكبر، وهو الوحيد الذي يملك تنظيما وطنيا يغطي كل العراق ويضم كل مكوناته من شيعة وسنة وغيرهما.
الملاحظة الثانية تكمل الاولى وتوضح حجم المؤامرة على الامة العربية انطلاقا من العراق، وهي ان ايران ذات الشعار الطائفي الصفوي الابرز، والمعادية ظاهريا للتكفيريين السنة، تقدم لهم دعما ماليا وعسكريا وخبرة للقيام بعملياتهم ضد شيعة العراق من اجل اجبار الشيعة العرب على الاصطفاف مع ايران، وبذلك تتقرب امكانية جعل الصراع في العراق طائفيا وليس تحرريا. ان هذه الحقيقة اصبحت معروفة ولم تعد مجرد معلومة قد تكون صحيحة وقد تكون ملفقة، وعلى كل عربي يهمه المصير العربي ان يدرس هاتين الملاحظتين بدقة للخروج بالاستنتاج الصحيح بصددهما. وما تفعله ايران مع الطائفيين التكفيريين السنة فعلته الصهيونية من قبل حينما كانت تعطي الاموال الى هتلر، الذي كان يحتاجها بشدة، لكي يضطهد اليهود الالمان فيجبرون على الهجرة من المانيا الى فلسطين!
شبكة البصرة
صلاح المختار
قد يبدو ما يجري في العراق احداثا متناثرة لا رابط بينها لكن الفحص الدقيق يوصلنا الى نتيجة مغايرة تماما، وهي ان الاحداث المتسارعة التي نلاحظها في العراق هي عبارة عن خطوات خطيرة ومترابطة، أستباقا، وتهيئة، للحظات الحسم النهائي للاحتلال الامريكي والايراني. ما الذي يجري؟ وماهي اهدافه واغراضه ونتائجه؟
نسف الجسرين
لقد صعق العراقيون نتيجة تفجير اقدم جسور بغداد وهو جسر الصرافية، وتعددت التفسيرات حول من قام بذلك ولم قام به. ولم يكمل العراقيون خروجهم من الصعقة حتى جاء نسف جسر الجادرية ليعيد رفع الصعقة الى مستوى الذهول الممزوج بقلق مشروع مضاف، لان نسف الجسرين بلور بسرعة الافكار المقلقة التالية :
1 – ان معاناة العراقيين ستزداد نتيجة الغاء جسرين يوصلان بين ضفتي بغداد.
2 – ان الفوضى ستنتشر اكثر في بغداد.
3 – ان هناك اتجاها لعدم ابقاء أي حجر فوق حجر في بغداد واكمال الدمار الشامل الذي احدثه الاحتلال.
4 – والاهم والاخطر هو عزل الضفة الشرقية لبغداد عن توأمها الضفة الغربية تقريبا لهدف تقسيم العراق!
5 – ان العدو المشترك الامريكي الايراني مصصم على مواصلة جريمته في العراق مهما كان ثمنها باهضا على العراقيين.
وقبل هذه الصدمات لوحظ بانتباه شديد ان هناك امرا خطيرا كان وراء التعجيل باغتيال سيد الشهداء صدام حسين، واحاطة ذلك باجواء طائفية مصطنعة عمدا، وتعمد امريكا تشجيع عملاء ايران على اغتياله بالطريقة الاستفزازية التي تم بها، ثم التعجيل باغتيال الشهداء طه ياسين رمضان وبرزان التكريتي وعواد البندر، فاكد ذلك الشكوك العميقة بالنوايا الاخطر لامريكا وايران وهي تصعيد الصراع في العراق ليأخذ منحى اخرا.
وجاءت خطوة اخرى موحية بمعانيها وهي الاقدام الاجرامي والبشع على تنفيذ مؤامرة لشق الحزب قامت بها زمرة، اغلب افرادها انقطعت صلتهم بالحزب بعد الغزو، باستثناء قلة صغيرة منها وكلهم في سوريا، بدفع وتنسيق مباشر مع قوات الاحتلال الامريكي، في توقيت فضحهم وفضح حقيقتهم، وهو التامر على شق الحزب، قبل ان يجف دم الشهيد القائد صدام حسين. وتزايدت المؤشرات بتكثيف الحملات الفاشية على البعث قيادة ومناضلين وقواعد، فازدادت عمليات الاغتيالات المنظمة داخل العراق لكوادرالبعثيين المجاهدين على يد الاحتلال وعملاء ايران وعناصر مشبوهة تستخدم التكفير سلاحا ضد العراقيين وطلائعهم المجاهدة، وتضاعفت حملات اعتقال البعثيين، خصوصا بعد احباط الحزب لمؤامرة شقه وعزل المتامرين وفضحهم، وعززت امريكا اجراءاتها لمنع البعث ومجاهدية من الحصول عل أي دعم مادي او معنوي واعلامي.
وكانت من اهم الخطوات ايحاء هي خطوة مهاجمة مدينة الدور التي ينتمي اليها قائد الجهاد الرفيق عزة الدوري مرتين خلال اقل من شهر وتطويقها وتفتيشها واعتقال مئات المواطنين او عوائلهم لاجبارهم على التسليم. وكان الهدف الحقيقي في المرتين هو اسر المناضل عزة الدوري، بعد ان اكتشفت امريكا ان المتامرين، الذين اشترطوا للتعاون معها علنا تصفية سيد الشهداء، كانوا لايعرفون حقيقة التماسك والانضباط الحزبيين، فظنوا ان اغتيال الشهيد سيسهل السطو على الحزب بسهولة، لكنهم اكتشفو ان كافة قواعد وكوادر الحزب في العراق قد ادانت المتامرين ووصمتهم بالخيانة، والتفت حول امين سر القطر عزة الدوري خليفة سيد الشهداء، لذلك قررت امريكا وبدفع من المتامرين ايضا العمل على اسر او اغتيال المجاهد الدوري تسهيلا لمحاولات لاحقة لشق الحزب.
وبالاضافة لمحاولات السطو على اسم الحزب فان المخابرات الامريكية قد اخذت تنفذ خطة اخرى، وبدعم ايراني واضح سواء بالتنسيق المباشر او بالتلاقي، وهي خطة افتعال قتال بين فصائل الجهاد العراقية بتشجيع عناصر اسلاموية تكفيرية داخل بعض الفصائل،
وليس الفصائل ذاتها، على اعلان نيتها في الانفراد بحكم العراق او ساحة الجهاد منذ الان، ووضع الفصائل الاخرى بين خيار قطع الرقاب او مبايعتها والسير تحت قيادتها، مع انها لا تمثل الا مجموعة صغيرة! كما لجأت عناصر اخرى الى تكفير الفصائل القومية التقدمية والعروبية ومهاجمتها بنفس مفردات فيلق بدر الايراني ومحاولة تشويه دورها الجهادي. بل انها اقدمت على اغتيال عشرات الكوادر العسكرية المقاتلة ضد الاحتلال من بعثيين وعروبيين، لاجل اشعال اقتتال بين فصائل الجهاد، خدمة لهدف امريكا وايران الاول وهو شق المقاومة العراقية، لان ذلك هو الشرط الاساسي لتحويل هزيمة امريكا في العراق الى نصر.
ما دلالات هذه التحركات؟
دون ادنى شك فان ما يجري في العراق هو محاولات امريكية وايرانية اجرامية للسيطرة على العراق من خلال شق الحزب والمقاومة وتفتيتهما للاسباب التالية :
1 – ما دامت المقاومة الوطنية المسلحة هي القوة الضاربة التي حولت الغزو الى هزيمة امريكية وكارثة هي الاسوأ في تاريخ السياسة الخارجية الامريكية، كما اعترفت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، فان خطوة البداية الصحيحة لتحويل الهزيمة والكارثة الى نصر ستراتيجي امريكي هي شق المقاومة العراقية، عبر أيقاظ المناجذ النائمة (المناجذ هي جمع خلد وهو حيوان قارض يشبه الجرذ يعيش تحت الارض، ويستخدم هذا المصطلح لوصف الجواسيس المندسين في صفوف احزاب او منظمات وطنية او ثورية لتخريبها من الداخل). والخلد هو الاحتياطي المهم جدا والخطير جدا الذي يخفيه العدو للحظات الحسم الصعبة للتغلب على العقبات الاخيرة التي تعترض الحسم، وقد اطلق القائد صدام جسين سيد الشهداء على هؤلاء وصف (الاحتياطي المضموم والعزيز)، أي المخفي للحظات الحاسمة. ويقوم دور الخلد على التسلل الى الاحزاب والمنظمات التي تريد امريكا او اسرائيل ضربها وتدميرها من الداخل. لذلك فان اهم شروط النجاح هو تأهيل الخلد وطنيا او اسلاميا ليكسب سمعة طيبة وثقة الكوادر والناس، خصوصا في الوسط النضالي والجهادي، وبعد ان يكتمل التـأهيل ويأتي الوقت المطلوب للتحرك يأخذ بالعمل بطريقة تخدم من جنده للعمل الاستخباري وليس للحركة الجهادية التي اندس فيها.
ولن تكون إساءة لفصيل او حزب ان يكون هناك عميل مندس بين صفوفه على الاطلاق لان السياسة صراع معقد ويجب توقع أي احتمال فيه، فما دام الفصيل المقصود وطنيا فانه لابد ان يكون هدفا للاختراق المعادي. لذلك يجب ان نلفت النظر الى حقيقة خطيرة على الجميع التعامل معها، فلقد أهلّت المناجذ داخل فصائل جهادية حالما ادركت امريكا انها وقعت في فخ عراقي محكم، لن تخرج منه سالمة ما لم تلجأ لعمل ذكي مخطط بدقة، فشرعت بدس المناجذ في فصائل محددة، وقدمت لها عبر هذه المناجذ الدعم المادي والاعلامي بصورة مموهة طبعا، فازدادت الثقة بهذه المناجذ وتعاظم دورها داخل بعض الفصائل، وتولى بعضها مواقع قيادية داخلها. ويجب ان نتذكر بان اهمال هذه الحقيقة هو خطأ فادح بكل المعايير، وعلينا ان لا ننسى للحظة واحدة سؤالا مركزيا وهو : لم لم يكشف أي عميل جديد لامريكا بعد ان افتضح دور العملاء القدماء علاوي والحكيم والجلبي وغيرهم؟ هل هؤلاء هم العملاء فقط؟ ام ان لامريكا عملاء اكثر اهمية لانهم يعملون داخل الصف الوطني ولم يكشفوا بعد؟
وعملية تأهيل عناصر تكفيرية تشبه عملية تأهيل ايران باظهارها بمظهر من يناهض امريكا لصالح قضايا الاسلام وفلسطين، من اجل السطو على عقول بعض العرب والمسلمين تمهيدا لشقهم وتحويل الصراع من صراع تحرري ضد امريكا واسرائيل الى صراعات طائفية بين مسلمين بدل توجه كل البنادق للصهيونية وامريكا. ولم يكن ممكنا لهذه العناصر المشبوهة القيام بدورها الانشقاقي الحالي لولا التأهيل السابق لها والمتمثل في مقاتلة الاحتلال. اما الان، وبعد تأهلت، فان هجمات هذه العناصر العسكرية تتركز اساسا ضد العراقيين شيعة وسنة ولا تطال الاحتلال الا في ريشه. وبنفس الوقت تركز حملات الاغتيالات المنظمة على البعث والجهاديين البعثيين والعروبيين ذوي الانتماءات الاسلامية غير المعتدلة.
لقد جاء دور الاحتياطي العزيز والمضموم، أي المخفي، كما كان سيد الشهداء صدام حسين يصف جواسيس المرحلة الحاسمة من الصراع، والذين اندسوا في صفوف الوطنيين والمجاهدين منذ زمن وتبرقعوا بشعارات وقاموا باعمال تستحق الاحترام والدعم ومنحهم الثقة، جاء دور هؤلاء الان للاستيقاظ من رقدتهم وتنفيذ الدور المرسوم لهم وهو تدمير المقاومة من الداخل بعد ان فشلت خطط امريكا كلها في تدميرها من الخارج.
وهذا الدور ليس غريبا، فالنار يمكن ان تطفأ بالنار، وتكتيك المخابرات الغربية والصهيونية والايرانية يعتمد على هذه القاعدة. فلكي تحقق الهدف الاكبر عليك ان تضحي بمال ورجال قد يقتلون على يدك، او يد من تأمرهم، اكمالا للدور المرسوم وضمانا لنجاحك في تضليل العدو. لقد ضحت امريكا بثلاثة الاف انسان في احداث ايلول – سبتمبر عام 2001 وضحت بمليارات الدولارات لانها كانت تتطلع لاستخدام تلك العملية كمبرر لغزو العراق وافغانستان وهو غزو، لو نجح، لوضع كل احتياطي نفط العالم تحت سيطرتها الكاملة والمباشرة، وبذلك تقيم ديكتاتوريتها العاليمة بثمن بخس لانها ستجني من استعمار العالم الاف اضعاف ما خسرته في هجمات ايلول. ان دور امريكا في التخطيط وتنفيذ هجمات نيويورك لم يعد راي اعداء لامريكا بل اصبحت هناك شخصيات ومنظمات امريكية رسمية وغير رسمية تطالب بالتحقيق في ملابسات الهجمات ودور اجهزة امريكية فيها.
لذلك سيكون من السذاجة افتراض ان كل من يقتل امريكيا في العراق او اسرائيليا هو بالضرورة مناضل او مجاهد، فالعبرة هي في النتائج النهائية وليس نتائج منتصف الطريق. والعبرة هي في من خدمت هذه الاعمال اساسا وبشكل رئيسي وليس لمن خدمت بشكل ثانوي. يجب ان لا نقوّم العمليات العسكرية ضد الاحتلال الا في ضوء نتائجها الحقيقية واهدافها الحقيقية، فان خدمت هدف التحرير، وهذا الامر مشروط بالمحافظة على الشرط الاهم للانتصار وهو وحدة المقاومة، فانها هجمات تحريرية، وان استغلت لاكتساب سمعة طيبة تستخدم لاحقا في لحظات الحسم النهائي لتحقيق اهم متطلبات انتصار الاحتلال، وهو شق المقاومة وتفتيتها، فانها هجمات تدميرية وليس تحريرية، ولا تخدم الا الاحتلال.
ومن الملاحظات الخطيرة التي تجنبنا الحديث عنها طويلا حرصا على وحدة الصف الوطني المقاوم ملاحظتين يجب الان طرحهما، بعد ان شرعت عناصر مشبوهة في ممارسة القتل والتخريب في الصف المقاوم، وعلى الراي العام العربي والنخب الثقافية والوطنية الاطلاع عليهما :
الملاحظة الاولى هي ان المخابرات الامريكية في الوقت الذي تشدد فيه حملة اجتثاث البعث بصور مختلفة، مثل تصاعد عمليات اغتيال كوادر المقاومة العروبية والقومية والاسلامية الحقيقية، خصوصا البعثيين، واعدام قادة البعث بلا تردد، والتركيز المتطرف على تجفيف المنابع المالية للحزب ومقاومته واعتقال عشرات الالاف من مناضليه ومجاهديه، فانها تتساهل على نحو مذهل مع التكفيريين الطائفيين السنة وتقدم لهم الدعم المالي والعسكري مباشرة، او عبر قنوات خليجية، بحيث اصبح الاشد تكفيرا للقوميين والوطنيين والاسلاميين الحقيقيين هو الاكثر ثراء وسلاحا من بين فصائل المقاومة!
هذه حقيقة يجب ان لا تغيب عن بال أي مهتم بالشأن العراقي لانها تقدم لنا صورة دقيقة عما تفعله امريكا في العراق، وما تقوم به من تكتيكات يراد بها نقل الصراع الحالي من صراع ضد الاستعمار الامريكي الى اقتتال طائفي سني شيعي لن يحصل الا اذا اصبحت القوى الطائفية التكفيرية هي القوى السائدة في الساحة العراقية. وهذا التحويل يتطلب اول ما يتطلب اجتثاث البعث فكرا وتنظيما ومقاومة وشعبية ومالا، لانه الحزب الوطني والقومي الام والاكبر، وهو الوحيد الذي يملك تنظيما وطنيا يغطي كل العراق ويضم كل مكوناته من شيعة وسنة وغيرهما.
الملاحظة الثانية تكمل الاولى وتوضح حجم المؤامرة على الامة العربية انطلاقا من العراق، وهي ان ايران ذات الشعار الطائفي الصفوي الابرز، والمعادية ظاهريا للتكفيريين السنة، تقدم لهم دعما ماليا وعسكريا وخبرة للقيام بعملياتهم ضد شيعة العراق من اجل اجبار الشيعة العرب على الاصطفاف مع ايران، وبذلك تتقرب امكانية جعل الصراع في العراق طائفيا وليس تحرريا. ان هذه الحقيقة اصبحت معروفة ولم تعد مجرد معلومة قد تكون صحيحة وقد تكون ملفقة، وعلى كل عربي يهمه المصير العربي ان يدرس هاتين الملاحظتين بدقة للخروج بالاستنتاج الصحيح بصددهما. وما تفعله ايران مع الطائفيين التكفيريين السنة فعلته الصهيونية من قبل حينما كانت تعطي الاموال الى هتلر، الذي كان يحتاجها بشدة، لكي يضطهد اليهود الالمان فيجبرون على الهجرة من المانيا الى فلسطين!