smsm judo
18-01-2007, 20:55
كل شيء في العالم يتحرك ويتغير بسرعة جنونية ويتجه نحو فوضى عارمة وحروب ساخنة وباردة صغيرة وكبيرة، يدخل فيها السلاح النووي عنصراً رئيساً ومرعباً ليفلت العقال وتخلط الاوراق ويختلط الحابل بالنابل.
فبعد سنوات قليلة من انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المعسكر الاشتراكي هلَّل كثيرون لانتهاء الحرب الباردة وبشروا بنظام عالمي جديد لا صراع فيه ولا خوف من مواجهة محتومة بين الشرق والغرب وبين الشيوعية والرأسمالية. ولكن الرياح لم تأت بما تشتهي سفن هؤلاء اذ أفرزت المتغيرات تحولات مهمة في الصراعات الدولية وولدت حروباً صغيرة وأزمات تبدو حلولها مستعصية إن لم تكن مستحيلة بسبب العناد والتعنت والقراءات الخاطئة والصراعات المستترة ومحاولات ضرب مقومات الشرعية الدولية بزعم خضوع العالم لقوة آحادية هي الولايات المتحدة واحتكار الهيمنة على العالم لعقود طويلة وجشع وطمع ورغبات جامحة بالسيطرة على منابع النفط وطرقها ومواطن الثروة العالمية.
فالفوضى «البناءة» أو «الخلاقة» المزعومة التي ابتدعها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بعد ان تربعوا على عرش السلطة تحولت الى فوضى عالمية مدمرة تغطي الكرة الارضية بأسرها، والتفكيك «النظيف» المزعوم خلق بؤر توتر وصراعات وحروباً تهدد الاستقرار والأمن العالميين وتقض مضاجع الدول والشعوب في الشرق والغرب والشمال والجنوب.
ومع الأيام انقلب السحر على الساحر وارتدت نظريات اصحاب الهيمنة الى صدورهم تحت وطأة ضربات التجارب المريرة المغمسة بالدم والدمار ونيران الحقد والكراهية والتطرف والارهاب.
وعندما يحين وقت الحساب والمحاسبة يدرك القاصي والداني أن كل هذه النظريات الهدامة قد سقطت الواحدة تلو الأخرى وتحولت عبئاً قاتلاً يخيم على الولايات المتحدة ومن ثم على العالم بأسره، على رغم مكابرة البعض وإصرار من تبقى من المحافظين الجدد في البنتاغون والبيت الابيض ومراكز صنع القرار على المضي في غيهم وشرب كأس سمومهم حتى الثمالة والانهيار الذي ستظهر مفاعيله في الانتخابات النصفية للكونغرس.
فقد كان هؤلاء يحاولون دفن الأمم المتحدة والضرب بقرارات الشرعية الدولية بعرض الحائط باعتبارها العائق الرئيس في وجه الهيمنة الاميركية والمركز المعرقل لمخططات التوسع وشن الحروب والسيطرة على الثروات تمهيداً لتكريس «الامبراطورية الاميركية العظمى» التي يخضع لها العالم ويأتمر بقراراتها وإملاءاتها. لكن هذه النظرية سقطت بسلسلة ضربات متلاحقة لتعود الولايات المتحدة الى «بيت الطاعة الدولية» وتستجدي قرارات معدلة ومخففة يفرضها الكبير والصغير داخل مجلس الأمن وخارجه.
وكان هؤلاء يزعمون ان الولايات المتحدة تستطيع خوض حربين في آن واحد فاذا بها تبدو عاجزة في حربي أفغانستان والعراق ومضطرة لمواجهة تحديات حروب تلو اخرى في العالم تتردد في خوض غمارها وتضطر للتغاضي عن استفزازات من دول لم تكن تتجرأ على رفع صوتها في وجهها.
وخاض هؤلاء ما يسمى بالحرب على الارهاب بعد زلزال ايلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن وهم يرفعون علامات النصر ويبشرون بعالم خال من الارهاب والارهابيين، فاذا بهذه الآفة تنتشر ويتسع مداها وتهدد الأمن العالمي واذا بالقاعدة «تفرّخ» قواعد وتضرب العديد من الدول وتقتل وتدمر وتنشر الرعب. وما الاعتراف الاميركي والبريطاني الاخير على أعلى المستويات بأن الارهاب قد تضخم بعد حربي أفغانستان والعراق سوى عينة من هذا العجز فكان صورة واضحة من صور الفشل الذريع.
وراهن المحافظون الجدد على الاعتماد على اسرائيل وأغمضوا عيونهم على الواقع وحاولوا تجهيل الفاعل الاساسي في كل المصائب والحروب والازمات وحالات الارهاب والتطرف بهدف طمس الحقيقة فاذا بهم يجدون أنفسهم امام حائط مسدود وواقع جديد تمثل في فوز حركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية وفشل اسرائيل في حربها على لبنان واتساع دائرة النقمة واهتزاز الاستقرار في المنطقة بأسرها واتجاه الرأي العام نحو التطرف والحقد على السياسة الاميركية ووقوع اسرائيل في شرور اعمالها ووحشيتها واعتداءاتها لينتقل الصراع الى مؤسساتها المدنية والحزبية والعسكرية. وتحدث هؤلاء عن الشرق الاوسط الجديد او الكبير فاذا نحن امام شرق أوسط هزيل وضعيف ومفكك الاوصال. وروجوا لديموقراطية مزعومة فاذا بالعنف يسود المنطقة، وسخر المحافظون الجدد من اوروبا المتجهة الى تثبيت دعائم اتحادها وبناء قوتها الذاتية لتحجز مكانها الاول بين القوى العظمى المستقبلية وقللوا من اهمية دورها وأرادوها تابعة لإراداتهم وسياساتهم فتمردت عليهم وخرجت دولها، الواحدة تلو الاخرى، عن طاعة اميركا ودوائر نفوذها وعملت على تكريس سياساتها المستقلة والدعوة الى عدم الانصياع لأوامر الادارة الاميركية والخضوع لإملاءاتها الخاطئة. وامتدت المتغيرات من فرنسا الى ألمانيا واسبانيا وايطاليا ووصلت اخيراً الى بريطانيا الحليفة المخلصة، حيث يعاني رئيس الوزراء توني بلير من المشاكل والإذلال وانخفاض الشعبية والرفض من داخل حزبه الحاكم مما اضطره الى الإعلان عن «موافقته» على التنحي خلال أقل من عام بعد ان ورطه الرئيس جورج بوش في حروب طائشة وقرارات محرجة وسياسات خاطئة.
وطمأن المحافظون الجدد انصارهم بأن القوى العظمى الأخرى تحولت الى نمور من ورق نزعت أظافرها وأسنانها ولم تعد قادرة على تحدي الولايات المتحدة فاذا بهذه القوى تنتفض في وجه اميركا مراراً وتكراراً وتعرقل خطواتها وتزرع الألغام في طريقها لتشلها حيناً ولتشمت بها احياناً اخرى. فروسيا تتبع سياسة ماكرة ظاهرها المسايرة وباطنها المناورة، فهي تعطي بيد وتأخذ بيد أخرى أضعاف ما أعطته، وتسلح الدول المعادية لأميركا ثم تشارك معها في قرارات معدلة صادرة عن مجلس الأمن وهي تعرف في سرها أنها ستبقى حبراً على ورق ولن ينفذ منها سوى النزر اليسير. وباختصار فإن روسيا تتصرف وكأن الحرب الباردة ما زالت تدور رحاها الساخنة من دون ضجة ولا اعلان ولا تحديات. اما الصين فتتصرف من موقع قوة واقتدار بحكمة وهدوء وصبر. فهي تبني قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية وتعد لمستقبل تكون فيه هي القوة المحركة الاساسية وتساير الولايات المتحدة في أمور ثانوية وتساوم على امور مصيرية بعد ترضيتها بفتات القرارات الدولية والمواقف «الصوتية» الظاهرة التي لا تسمن ولا تغني.
ودخل على خط الفوضى الدولية اخيراً ملف السلاح النووي بعد اصرار ايران على برامجها ورفضها مطالب وقف تخصيب اليورانيوم ثم بعد نجاح كوريا الشمالية في اجراء تجاربها النووية وتحديها للدول الكبرى مجتمعة ولقرارات المقاطعة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي.
فلو أضفنا الى هذا الملف امتلاك اسرائيل أسلحة نووية وتحديها المجتمع الدولي ونجاح باكستان والهند في امتلاك مثل هذه الاسلحة لأدركنا حجم المتغيرات في العالم الجديد وحجم التحديات والمخاطر عليه من وقوع حروب نووية مدمرة وتسرب هذا السلاح الى منظمات ارهابية.
فهذه المتغيرات تعني في شكل واضح لا لبس فيه ان العالم كله أصبح مهدداً، وأن توازنات الرعب قد سقطت ومعها كل ما عقد من اتفاقات ومعاهدات دولية حول الحد من انتشار الأسلحة النووية واحتكار دول عظمى لها وبالتالي زوال مبررات شرعية مجلس الأمن الدولي والدول الخمس الدائمة العضوية صاحبة حق استخدام قرار النقض «الفيتو».
امام كل هذه المخاطر والتحديات لا بد لنا من طرح سؤال محير عن موقع العرب ودورهم وحقوقهم ومصيرهم في ظل المتغيرات الدولية وتحت مطرقة الفوضى المرتقبة، أو على الاقل دورهم في منطقتهم وداخل دولهم.
والإجابة على هذا السؤال تحمل الكثير من نوازع الخوف والقلق والتوجس من الحاضر والمستقبل بسبب حالات الضياع والتخبط وفقدان التوازن في المواقف والقرارات والتخطيط، فالخلافات تزداد حدة داخل كل دولة وعلى مستوى العالم العربي وسياسة المحاور عادت الى الواجهة «على عينك يا تاجر» ليغيب القرار العربي المشترك او يسرق لحساب قوى اقليمية ودولية صارت تملك مفتاح الحل والربط وتحول مصير المنطقة العربية الى يد ايران وتركيا واسرائيل بعد تهميش الدور العربي تدريجاً بيد الآخرين حيناً وبأيدي العرب أحياناً وبيد الولايات المتحدة بالذات التي ارتكبت اخطاء فادحة في إضعاف المناعة العربية وتسليم المفاتيح لاسرائيل وايران فيما تحاول تركيا اللحاق بالركب للمحافظة على مصالحها المهددة.
وعلى رغم كل ما سلف من شرح وتوصيف للواقع العربي فإن الواجب يدعونا الى المطالبة بالنهوض والحذر واليقظة والعمل على انقاذ ما يمكن انقاذه من المصير العربي المهدد واستعادة الدور السليب، اعتماداً على مقولة: عند تغيير الدول احفظ رأسك، وعند هبوب عاصفة عاتية إحنِ رأسك قليلاً حتى لا تأخذه في طريقها كي تنهض من جديد وترفع رأسك عالياً مطالباً بحقوقك المشروعة لا ان تدفن رأسك في التراب تشبهاً بالنعامة.
ولا بد اولاً من مبادرة سريعة من حكماء العرب لحل الخلافات والتوصل الى قواسم مشتركة من اجل استعادة الدور العربي المفقود ورفض سياسة المحاور، فالعالم يعيش على حافة بركان هائج والمنطقة العربية ستكون الساحة الرئيسة لحممه ولهيب نيرانه التي تهدد بجولات جديدة من الحروب والأزمات ومؤامرات التفتيت والتفكيك والفوضى والقتل والدمار.
وعلى حكماء العرب ان ينطلقوا من العراق ولبنان لنزع صواعق التفجير ويكملوا مبادرة «صلح مكة» بين الأخوة العراقيين من سنة وشيعة، ويعملوا على انجاحها لوقف حمامات الدم وإحباط المؤامرات الخبيثة لإشعال نيران فتنة قاتلة للمسلمين بشتى طوائفهم ومذاهبهم.
ولا بد أيضاً من إنجاح المبادرة الثانية لإيجاد مخرج للازمة في لبنان ومنع انجراره الى حروب اخرى قد تشكل بداية النهاية لوحدته واستقرره واستقلاله، لا سمح الله، والعمل على تحقيق مصالحة تاريخية مع سورية تنهي حال العداء والتوتر.
ونجاح هذه المبادرات سيفتح الطريق امام العرب للالتفات الى قضيتهم الرئيسة وتشديد الضغوط من اجل تفعيل المبادرة العربية وحمل العالم والولايات المتحدة بالذات على الاعتراف بأن لا سلام ولا استقرار ولا أمن ولا أمان ولا ضرب للارهاب إلا بإيجاد حل عادل وشامل لأزمة الشرق الأوسط، يقوم على اساس مبادئ الشرعية الدولية وانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة بما فيها حقه في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
والبديل عن كل ذلك هو الفوضى والدمار ليس للعرب فحسب بل لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم بأسره
المصدر (دار الحياه)
http://www.9m.com/upload/18-01-2007/0.8165101169153588.jpg
فبعد سنوات قليلة من انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المعسكر الاشتراكي هلَّل كثيرون لانتهاء الحرب الباردة وبشروا بنظام عالمي جديد لا صراع فيه ولا خوف من مواجهة محتومة بين الشرق والغرب وبين الشيوعية والرأسمالية. ولكن الرياح لم تأت بما تشتهي سفن هؤلاء اذ أفرزت المتغيرات تحولات مهمة في الصراعات الدولية وولدت حروباً صغيرة وأزمات تبدو حلولها مستعصية إن لم تكن مستحيلة بسبب العناد والتعنت والقراءات الخاطئة والصراعات المستترة ومحاولات ضرب مقومات الشرعية الدولية بزعم خضوع العالم لقوة آحادية هي الولايات المتحدة واحتكار الهيمنة على العالم لعقود طويلة وجشع وطمع ورغبات جامحة بالسيطرة على منابع النفط وطرقها ومواطن الثروة العالمية.
فالفوضى «البناءة» أو «الخلاقة» المزعومة التي ابتدعها المحافظون الجدد في الولايات المتحدة بعد ان تربعوا على عرش السلطة تحولت الى فوضى عالمية مدمرة تغطي الكرة الارضية بأسرها، والتفكيك «النظيف» المزعوم خلق بؤر توتر وصراعات وحروباً تهدد الاستقرار والأمن العالميين وتقض مضاجع الدول والشعوب في الشرق والغرب والشمال والجنوب.
ومع الأيام انقلب السحر على الساحر وارتدت نظريات اصحاب الهيمنة الى صدورهم تحت وطأة ضربات التجارب المريرة المغمسة بالدم والدمار ونيران الحقد والكراهية والتطرف والارهاب.
وعندما يحين وقت الحساب والمحاسبة يدرك القاصي والداني أن كل هذه النظريات الهدامة قد سقطت الواحدة تلو الأخرى وتحولت عبئاً قاتلاً يخيم على الولايات المتحدة ومن ثم على العالم بأسره، على رغم مكابرة البعض وإصرار من تبقى من المحافظين الجدد في البنتاغون والبيت الابيض ومراكز صنع القرار على المضي في غيهم وشرب كأس سمومهم حتى الثمالة والانهيار الذي ستظهر مفاعيله في الانتخابات النصفية للكونغرس.
فقد كان هؤلاء يحاولون دفن الأمم المتحدة والضرب بقرارات الشرعية الدولية بعرض الحائط باعتبارها العائق الرئيس في وجه الهيمنة الاميركية والمركز المعرقل لمخططات التوسع وشن الحروب والسيطرة على الثروات تمهيداً لتكريس «الامبراطورية الاميركية العظمى» التي يخضع لها العالم ويأتمر بقراراتها وإملاءاتها. لكن هذه النظرية سقطت بسلسلة ضربات متلاحقة لتعود الولايات المتحدة الى «بيت الطاعة الدولية» وتستجدي قرارات معدلة ومخففة يفرضها الكبير والصغير داخل مجلس الأمن وخارجه.
وكان هؤلاء يزعمون ان الولايات المتحدة تستطيع خوض حربين في آن واحد فاذا بها تبدو عاجزة في حربي أفغانستان والعراق ومضطرة لمواجهة تحديات حروب تلو اخرى في العالم تتردد في خوض غمارها وتضطر للتغاضي عن استفزازات من دول لم تكن تتجرأ على رفع صوتها في وجهها.
وخاض هؤلاء ما يسمى بالحرب على الارهاب بعد زلزال ايلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن وهم يرفعون علامات النصر ويبشرون بعالم خال من الارهاب والارهابيين، فاذا بهذه الآفة تنتشر ويتسع مداها وتهدد الأمن العالمي واذا بالقاعدة «تفرّخ» قواعد وتضرب العديد من الدول وتقتل وتدمر وتنشر الرعب. وما الاعتراف الاميركي والبريطاني الاخير على أعلى المستويات بأن الارهاب قد تضخم بعد حربي أفغانستان والعراق سوى عينة من هذا العجز فكان صورة واضحة من صور الفشل الذريع.
وراهن المحافظون الجدد على الاعتماد على اسرائيل وأغمضوا عيونهم على الواقع وحاولوا تجهيل الفاعل الاساسي في كل المصائب والحروب والازمات وحالات الارهاب والتطرف بهدف طمس الحقيقة فاذا بهم يجدون أنفسهم امام حائط مسدود وواقع جديد تمثل في فوز حركة «حماس» في الانتخابات الفلسطينية وفشل اسرائيل في حربها على لبنان واتساع دائرة النقمة واهتزاز الاستقرار في المنطقة بأسرها واتجاه الرأي العام نحو التطرف والحقد على السياسة الاميركية ووقوع اسرائيل في شرور اعمالها ووحشيتها واعتداءاتها لينتقل الصراع الى مؤسساتها المدنية والحزبية والعسكرية. وتحدث هؤلاء عن الشرق الاوسط الجديد او الكبير فاذا نحن امام شرق أوسط هزيل وضعيف ومفكك الاوصال. وروجوا لديموقراطية مزعومة فاذا بالعنف يسود المنطقة، وسخر المحافظون الجدد من اوروبا المتجهة الى تثبيت دعائم اتحادها وبناء قوتها الذاتية لتحجز مكانها الاول بين القوى العظمى المستقبلية وقللوا من اهمية دورها وأرادوها تابعة لإراداتهم وسياساتهم فتمردت عليهم وخرجت دولها، الواحدة تلو الاخرى، عن طاعة اميركا ودوائر نفوذها وعملت على تكريس سياساتها المستقلة والدعوة الى عدم الانصياع لأوامر الادارة الاميركية والخضوع لإملاءاتها الخاطئة. وامتدت المتغيرات من فرنسا الى ألمانيا واسبانيا وايطاليا ووصلت اخيراً الى بريطانيا الحليفة المخلصة، حيث يعاني رئيس الوزراء توني بلير من المشاكل والإذلال وانخفاض الشعبية والرفض من داخل حزبه الحاكم مما اضطره الى الإعلان عن «موافقته» على التنحي خلال أقل من عام بعد ان ورطه الرئيس جورج بوش في حروب طائشة وقرارات محرجة وسياسات خاطئة.
وطمأن المحافظون الجدد انصارهم بأن القوى العظمى الأخرى تحولت الى نمور من ورق نزعت أظافرها وأسنانها ولم تعد قادرة على تحدي الولايات المتحدة فاذا بهذه القوى تنتفض في وجه اميركا مراراً وتكراراً وتعرقل خطواتها وتزرع الألغام في طريقها لتشلها حيناً ولتشمت بها احياناً اخرى. فروسيا تتبع سياسة ماكرة ظاهرها المسايرة وباطنها المناورة، فهي تعطي بيد وتأخذ بيد أخرى أضعاف ما أعطته، وتسلح الدول المعادية لأميركا ثم تشارك معها في قرارات معدلة صادرة عن مجلس الأمن وهي تعرف في سرها أنها ستبقى حبراً على ورق ولن ينفذ منها سوى النزر اليسير. وباختصار فإن روسيا تتصرف وكأن الحرب الباردة ما زالت تدور رحاها الساخنة من دون ضجة ولا اعلان ولا تحديات. اما الصين فتتصرف من موقع قوة واقتدار بحكمة وهدوء وصبر. فهي تبني قوتها العسكرية والسياسية والاقتصادية وتعد لمستقبل تكون فيه هي القوة المحركة الاساسية وتساير الولايات المتحدة في أمور ثانوية وتساوم على امور مصيرية بعد ترضيتها بفتات القرارات الدولية والمواقف «الصوتية» الظاهرة التي لا تسمن ولا تغني.
ودخل على خط الفوضى الدولية اخيراً ملف السلاح النووي بعد اصرار ايران على برامجها ورفضها مطالب وقف تخصيب اليورانيوم ثم بعد نجاح كوريا الشمالية في اجراء تجاربها النووية وتحديها للدول الكبرى مجتمعة ولقرارات المقاطعة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي.
فلو أضفنا الى هذا الملف امتلاك اسرائيل أسلحة نووية وتحديها المجتمع الدولي ونجاح باكستان والهند في امتلاك مثل هذه الاسلحة لأدركنا حجم المتغيرات في العالم الجديد وحجم التحديات والمخاطر عليه من وقوع حروب نووية مدمرة وتسرب هذا السلاح الى منظمات ارهابية.
فهذه المتغيرات تعني في شكل واضح لا لبس فيه ان العالم كله أصبح مهدداً، وأن توازنات الرعب قد سقطت ومعها كل ما عقد من اتفاقات ومعاهدات دولية حول الحد من انتشار الأسلحة النووية واحتكار دول عظمى لها وبالتالي زوال مبررات شرعية مجلس الأمن الدولي والدول الخمس الدائمة العضوية صاحبة حق استخدام قرار النقض «الفيتو».
امام كل هذه المخاطر والتحديات لا بد لنا من طرح سؤال محير عن موقع العرب ودورهم وحقوقهم ومصيرهم في ظل المتغيرات الدولية وتحت مطرقة الفوضى المرتقبة، أو على الاقل دورهم في منطقتهم وداخل دولهم.
والإجابة على هذا السؤال تحمل الكثير من نوازع الخوف والقلق والتوجس من الحاضر والمستقبل بسبب حالات الضياع والتخبط وفقدان التوازن في المواقف والقرارات والتخطيط، فالخلافات تزداد حدة داخل كل دولة وعلى مستوى العالم العربي وسياسة المحاور عادت الى الواجهة «على عينك يا تاجر» ليغيب القرار العربي المشترك او يسرق لحساب قوى اقليمية ودولية صارت تملك مفتاح الحل والربط وتحول مصير المنطقة العربية الى يد ايران وتركيا واسرائيل بعد تهميش الدور العربي تدريجاً بيد الآخرين حيناً وبأيدي العرب أحياناً وبيد الولايات المتحدة بالذات التي ارتكبت اخطاء فادحة في إضعاف المناعة العربية وتسليم المفاتيح لاسرائيل وايران فيما تحاول تركيا اللحاق بالركب للمحافظة على مصالحها المهددة.
وعلى رغم كل ما سلف من شرح وتوصيف للواقع العربي فإن الواجب يدعونا الى المطالبة بالنهوض والحذر واليقظة والعمل على انقاذ ما يمكن انقاذه من المصير العربي المهدد واستعادة الدور السليب، اعتماداً على مقولة: عند تغيير الدول احفظ رأسك، وعند هبوب عاصفة عاتية إحنِ رأسك قليلاً حتى لا تأخذه في طريقها كي تنهض من جديد وترفع رأسك عالياً مطالباً بحقوقك المشروعة لا ان تدفن رأسك في التراب تشبهاً بالنعامة.
ولا بد اولاً من مبادرة سريعة من حكماء العرب لحل الخلافات والتوصل الى قواسم مشتركة من اجل استعادة الدور العربي المفقود ورفض سياسة المحاور، فالعالم يعيش على حافة بركان هائج والمنطقة العربية ستكون الساحة الرئيسة لحممه ولهيب نيرانه التي تهدد بجولات جديدة من الحروب والأزمات ومؤامرات التفتيت والتفكيك والفوضى والقتل والدمار.
وعلى حكماء العرب ان ينطلقوا من العراق ولبنان لنزع صواعق التفجير ويكملوا مبادرة «صلح مكة» بين الأخوة العراقيين من سنة وشيعة، ويعملوا على انجاحها لوقف حمامات الدم وإحباط المؤامرات الخبيثة لإشعال نيران فتنة قاتلة للمسلمين بشتى طوائفهم ومذاهبهم.
ولا بد أيضاً من إنجاح المبادرة الثانية لإيجاد مخرج للازمة في لبنان ومنع انجراره الى حروب اخرى قد تشكل بداية النهاية لوحدته واستقرره واستقلاله، لا سمح الله، والعمل على تحقيق مصالحة تاريخية مع سورية تنهي حال العداء والتوتر.
ونجاح هذه المبادرات سيفتح الطريق امام العرب للالتفات الى قضيتهم الرئيسة وتشديد الضغوط من اجل تفعيل المبادرة العربية وحمل العالم والولايات المتحدة بالذات على الاعتراف بأن لا سلام ولا استقرار ولا أمن ولا أمان ولا ضرب للارهاب إلا بإيجاد حل عادل وشامل لأزمة الشرق الأوسط، يقوم على اساس مبادئ الشرعية الدولية وانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة بما فيها حقه في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
والبديل عن كل ذلك هو الفوضى والدمار ليس للعرب فحسب بل لإسرائيل والولايات المتحدة والعالم بأسره
المصدر (دار الحياه)
http://www.9m.com/upload/18-01-2007/0.8165101169153588.jpg