المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة قصيرة


غزالة المغرب
03-01-2007, 16:24
قصة قصيرة
بقلم حسن البنا
كل شئ كان راقص البهجة حولي مع إشراقة شمس ذلك الصباح الربيعي الدافئ، وكأن الطبيعة أبت إلا أن تشاركني تلك السعادة الغامرة التي سرت في كل شراييني وأنا أعد العدة للسفر، فليس هناك أعمق من مشاعر الفرحة بالعودة إلى أرض الوطن بعد غياب دام حولاً كاملاً.
هذا الإحساس لا بد وأن ينتاب كل مغترب باعدت المسافات بينه وبين أهله ووطنه، وبالنسبة لي كان الإحساس مضاعفاً، لأن عودتي لم تكن إلى الأرض والأهل والأصدقاء فحسب، بل عودة إليها، إلى حبي الأول الذي لا تغرب شمسه ولا يأفل نجمه، إلى دوحة زمهريري وقنديل ظلمتي ومرفأ أماني وطمأنينتي.
عشرون عاماً مضت على ذلك اللقاء الأول الذي جمع بيننا، كان بمثابة العروة الوثقى التي لا انفصام لها، حتى زوجها لم تعد تأبه بأوامره ونواهيه التي لا تنتهي، ولم تجد غضاضة في أن تعترف لي ذات يوم بأنها أحبتني قبل أن تراني، وأن ملامح صورتي كانت تعيش في مخيلتها بأدق تفاصيلها، وعندما رأتني لأول مرة تأكد لها بأن خيالها لم يخدعها.
عام كامل وأنا بعيد عنها بجسدي، أما قلبي فقد تركته وديعة لديها، وكانت صورتها حية بكل ملامحها في أعماقي، فهي آخر ما أغمض عليه جفني، وأول طيف يداعب أهدابي مع نسمات الصباح الأولى كل يوم.
ما كان يشغل تفكيري في ذلك اليوم هو لقائي المرتقب بها، ورحت أرسم صوراً وسيناريوهات لتلك اللحظات التي ادخرت لها كل مشاعر الحبيب الغائب، واختزنت من أجلها كل وسائل البوح عن العواطف المكبوتة في أعماق فؤادي.

تذكرت وأنا طائر فوق أجنحة الغمام كل لحظات السعادة التي أمضيناها معاً، تذكرت حبها لي، وخوفها عليّ، واهتمامها بكل صغيرة وكبيرة في حياتي، وتنبهت على صوت المضيفة وهي تسألني عن الوجبة التي أرغب في تناولها، وكـم وددت أن أنهـرها لأنها انتزعتـني مـــن خميلة ذكرياتي الجميلة، غير أن ابتـسامتـها الرقيـقة دفعتـني لامتصاص نقمتي عليها، وشكرتها وأنا أطلب منها تأجيل الطعام إلى وقت لاحق.
ورمقني الجالس بجواري نظرة مبهمة شعرت من خلالها بأكثر من علامة استفهام، لا شك أنني أستميح له بعض العذر في ذلك، فالرحلة طويلة وليس من المنطقي أن يمـــر الوقت بنا دون أن نتعرف ونتبادل أطراف الحديث، غير أن شغفي بها شغلني عن كل من هم حولي، ولم أشأ أن أمنح جاري الفرصة لثرثرة لا طائل من ورائها، وفي النهاية فإن كلا منا سوف يسير في طريقه دون أن يكترث بالآخر.
كان طبيعياً ألا يكون هناك من ينتظرني في المطار، فأنا لم أبلغ أحداً بموعد وصولي، وآثرت أن تكون المفاجأة مكتملة الحلقات.
حاولت مراراً أن أحـــث سائق سيارة الأجرة على زيـــادة الســرعة لدرجة أن الرجل بدأ يمتعـــض من كثرة إلحـــاحي عليه، ويلفـــت نظـــري إلى زحام الشــارع واختناق حركـة المرور، ولم ينس أن يذكرني بالحكمـــة التــي تقول "في التـأني السلامة وفي العجلة الندامة".
قبلت تبريراته على مضض، ولا أدري كم مضى من الوقت منذ غادرت بوابة الخروج من المطار، وها نحن ندخل الشارع الذي يحتضن بيتها، ودقات القلب تضطرب، فلم يبق سوى دقائق معدودة وتتعانق القلوب قبل أن يلتحم جسدانا.
يا لها من مفاجأة سارة، ها هو زوجها يغادر المنزل ويستقل سيارته، إذن ستكون بمفردها، وهذا ما كنت أتمناه.
ضغطت على جرس الباب بكل ما اختزنته من لوعة الشوق، وعندما أصبحنا وجهاً لوجه، اجتاحتنا موجة عارمة من الأحضان والقبلات ولسان حالي يتغنى بكلمات أمير الشعراء أحمد شوقي:
لم أدر ما طيب العناق على الهوى
حتى ترفق سـاعدي فطواك
لا أمس من عمر الزمان ولا غد
جُمع الزمان فكان يوم لقاك
وفجأة.. دخل علينا زوجها.. لتكتمل أضلاع المثلث الأسري.. الذي جمــعني من جديد بأمي وأبي.