Dr.Hamzeh Malkawi
30-10-2006, 17:56
متحف الهولوكوست الفلسطيني
29/10/2006
وجدت صعوبة في شرح مفهوم المخيم لطفلتي عند مرورنا بمخيم البقعة. فهي من طرف الأم والأب لا تعرف معنى اللجوء والتهجير ويصعب عليها التمييز بينه وبين الهجرة الطوعية. وهي سمة سكان عمان الذين استقروا بها طلبا لعلم أو وظيفة أو هربا من قراهم الطاردة. حالها كحالنا عندما كنا صغارا لا نفهم الفرق بين جبل الحسين ومخيم الحسين.
جبل الحسين فيه بيت جدي لأمي الذين قدموا من السلط في ثلاثينيات القرن الماضي، وهم مثل حالنا الذين قدمنا من معان مطلع السبعينيات. المخيم بالنسبة لنا هو المكان الذي تشترى منها احتياجات البيت من خضار وغيرها بأسعار أقل. وأطفال المخيم هم الذين يفدون إلى جبل الحسين لبيع "الحاملة" و"الدراية" و"القرقوشة" و"سحبة البلالين" وهي مهنة لطالما حلمت بامتهانها ولم أتمكن.
فهم قضية الفلسطينيين احتاج سنوات من الجلوس على مقاعد الدراسة وصولا إلى الثانوية العامة والكتاب المقيت "القضية الفلسطينية". لا أنكر هنا أناشيد وقصائد ودروس وكتب ومسلسلات، ولكن أتحدث عن تربية تخص عقل الطفل ابتداء كما تجمع مبادئ علم النفس. فالطفل يتعلم من المحسوس لا المجرد، أي من المتحف لا من الوثائق. والكبير أيضا يسهل عليه فهم المجسمات والمحسوسات لذلك انتشرت المتاحف في أرجاء الكون.
من المؤكد أن حالي صغيرا وحال طفلتي لا ينطبق على كثير من ذوي الأصول الفلسطينية الذين لا يزالون يحتفظون بمفاتيح البيوت و"قواشين" الأرض، الأهم البشر الذين يحنون إلى "البلاد". لكن حتى هؤلاء تحتاج ذاكرتهم لتنشيط وإحياء.
في الأردن الأقرب إلى فلسطين والأكثر تضررا من معاناتها يمكن إقامة متحف الهولوكوست الفلسطيني على شاكلة جزيرة دبي. مجسم لخارطة فلسطين على مساحة من الأرض (ليست وطنا بديلا بالتأكيد!)، تتوزع عليها مدن فلسطين وقراها وبواديها ومخيماتها. كل مدينة تضم مجسمات لمعالمها الأساسية وأزيائها ومتعلقاتها وقوائم بأسماء عوائلها وشهدائها ونبذة عن تاريخها وصولا إلى التهجير والاحتلال والتدمير. ومن يفتح صفحة النعي في الصحف الأردنية يدرك أن لا شبر من فلسطين ولا عائلة إلا ولها في عمان جمعية وديوان.
هذا المتحف ليس مهما لذاكرة الأجيال الطالعة التي لم تشاهد تلك البلاد، بل مهم في عرض قضيتنا أمام السياح والوفود التي تزور البلاد أو تمر فيها. وهو التجسيد الحقيقي للهوية الفلسطينية التي تأسست على مأساة اللجوء. والحفاظ على الهوية الفلسطينية ليس حماية لها وحدها بل حماية للهوية الأردنية أيضا. فالكارثة أن يعتقد الحفدة أن شركة في دبي أو محطة محروقات في نيوجرسي أو شقة في عمان هي الوطن منشأ ومآلا.
الحركة الصهيونية ما انفكت حتى اليوم تستغل محرقة اليهود (الهولوكوست) حفاظا على الهوية وجلبا للهجرة وحشدا للأنصار والمؤيدين. وما كانت دولة اليهود لتقوم لولا الشعور الجامع بالمعاناة والاضطهاد، وإن كان شعور كهذا أنشأ دولة من عدم وهجر شعبا ومزق أمة فمن باب أولى أن يحفظ حق العودة الفلسطيني. من السخف إنكار محرقة اليهود والأسخف إنكار محرقتنا. في الغرب كله يتسامحون مع من ينكر وجود الله أو يشكك بوجوده لكنهم قانونيا وأخلاقيا لا يتسامحون مع من ينكر المحرقة اليهودية أو يشكك في أرقامها. لم يتم ذلك بقرار من حكومة العالم السرية التي يتحكم بها اليهود (كما يؤمن كثير من العرب!) وإنما بجهد مضن اشتغل على المخيال الجمعي للناس في الغرب.
عندما زرت متحف الهولوكوست في واشنطن (وهو واحد من متاحف هولوكوست كثيرة) تفاجأت ببساطة الفكرة وجاذبيتها. مع أني زرت قسما بسيطا منه يتحدث عن معاناة طفل يهودي فقد عائلته في الهولوكوست، تدخل ركن الطفل فتستعيد أجواء تلك المرحلة حقائب المهجرين الجلدية القديمة، الأسرة الحديدية الطابقية، صور بالأبيض والأسود لتفاصيل حياة تلك الحقبة، بعد الزيارة ولتثبيت الأثر على المتلقي للطفل في نهاية الركن صندوق بريد تراسله عليه، ويختار القيمون أفضل الرسائل لعرضها.
المفاجأة الأسوأ كانت مشاهدة ركن لمأساة دارفور في متحف الهولوكوست اليهودي، فأبناء دارفور الأفارقة الذين نشروا العروبة والإسلام في إفريقيا وتصدوا لعادية الاحتلال البريطاني، صاروا جزءا من دعاية الصهاينة ليثبتوا أن العرب هم من أبادوا اليهود والأفارقة والأكراد من قبل!
متحف للمحرقة الفلسطينية يمكن أن يقوم به رجل أعمال فلسطيني واحد. ومن الممكن أن يبدأ بشكل بسيط ويتطور بحسب التمويل والدعم، لكن من المعيب أن نقيم متحفا للحياة البرية المهددة بالانقراض ولا نقيم متحفا لقضية مهددة بالانقراض.
ياسر أبو هلالة - ( صحفي وكاتب أردني )
http://www.alghad.jo/?article=4951
29/10/2006
وجدت صعوبة في شرح مفهوم المخيم لطفلتي عند مرورنا بمخيم البقعة. فهي من طرف الأم والأب لا تعرف معنى اللجوء والتهجير ويصعب عليها التمييز بينه وبين الهجرة الطوعية. وهي سمة سكان عمان الذين استقروا بها طلبا لعلم أو وظيفة أو هربا من قراهم الطاردة. حالها كحالنا عندما كنا صغارا لا نفهم الفرق بين جبل الحسين ومخيم الحسين.
جبل الحسين فيه بيت جدي لأمي الذين قدموا من السلط في ثلاثينيات القرن الماضي، وهم مثل حالنا الذين قدمنا من معان مطلع السبعينيات. المخيم بالنسبة لنا هو المكان الذي تشترى منها احتياجات البيت من خضار وغيرها بأسعار أقل. وأطفال المخيم هم الذين يفدون إلى جبل الحسين لبيع "الحاملة" و"الدراية" و"القرقوشة" و"سحبة البلالين" وهي مهنة لطالما حلمت بامتهانها ولم أتمكن.
فهم قضية الفلسطينيين احتاج سنوات من الجلوس على مقاعد الدراسة وصولا إلى الثانوية العامة والكتاب المقيت "القضية الفلسطينية". لا أنكر هنا أناشيد وقصائد ودروس وكتب ومسلسلات، ولكن أتحدث عن تربية تخص عقل الطفل ابتداء كما تجمع مبادئ علم النفس. فالطفل يتعلم من المحسوس لا المجرد، أي من المتحف لا من الوثائق. والكبير أيضا يسهل عليه فهم المجسمات والمحسوسات لذلك انتشرت المتاحف في أرجاء الكون.
من المؤكد أن حالي صغيرا وحال طفلتي لا ينطبق على كثير من ذوي الأصول الفلسطينية الذين لا يزالون يحتفظون بمفاتيح البيوت و"قواشين" الأرض، الأهم البشر الذين يحنون إلى "البلاد". لكن حتى هؤلاء تحتاج ذاكرتهم لتنشيط وإحياء.
في الأردن الأقرب إلى فلسطين والأكثر تضررا من معاناتها يمكن إقامة متحف الهولوكوست الفلسطيني على شاكلة جزيرة دبي. مجسم لخارطة فلسطين على مساحة من الأرض (ليست وطنا بديلا بالتأكيد!)، تتوزع عليها مدن فلسطين وقراها وبواديها ومخيماتها. كل مدينة تضم مجسمات لمعالمها الأساسية وأزيائها ومتعلقاتها وقوائم بأسماء عوائلها وشهدائها ونبذة عن تاريخها وصولا إلى التهجير والاحتلال والتدمير. ومن يفتح صفحة النعي في الصحف الأردنية يدرك أن لا شبر من فلسطين ولا عائلة إلا ولها في عمان جمعية وديوان.
هذا المتحف ليس مهما لذاكرة الأجيال الطالعة التي لم تشاهد تلك البلاد، بل مهم في عرض قضيتنا أمام السياح والوفود التي تزور البلاد أو تمر فيها. وهو التجسيد الحقيقي للهوية الفلسطينية التي تأسست على مأساة اللجوء. والحفاظ على الهوية الفلسطينية ليس حماية لها وحدها بل حماية للهوية الأردنية أيضا. فالكارثة أن يعتقد الحفدة أن شركة في دبي أو محطة محروقات في نيوجرسي أو شقة في عمان هي الوطن منشأ ومآلا.
الحركة الصهيونية ما انفكت حتى اليوم تستغل محرقة اليهود (الهولوكوست) حفاظا على الهوية وجلبا للهجرة وحشدا للأنصار والمؤيدين. وما كانت دولة اليهود لتقوم لولا الشعور الجامع بالمعاناة والاضطهاد، وإن كان شعور كهذا أنشأ دولة من عدم وهجر شعبا ومزق أمة فمن باب أولى أن يحفظ حق العودة الفلسطيني. من السخف إنكار محرقة اليهود والأسخف إنكار محرقتنا. في الغرب كله يتسامحون مع من ينكر وجود الله أو يشكك بوجوده لكنهم قانونيا وأخلاقيا لا يتسامحون مع من ينكر المحرقة اليهودية أو يشكك في أرقامها. لم يتم ذلك بقرار من حكومة العالم السرية التي يتحكم بها اليهود (كما يؤمن كثير من العرب!) وإنما بجهد مضن اشتغل على المخيال الجمعي للناس في الغرب.
عندما زرت متحف الهولوكوست في واشنطن (وهو واحد من متاحف هولوكوست كثيرة) تفاجأت ببساطة الفكرة وجاذبيتها. مع أني زرت قسما بسيطا منه يتحدث عن معاناة طفل يهودي فقد عائلته في الهولوكوست، تدخل ركن الطفل فتستعيد أجواء تلك المرحلة حقائب المهجرين الجلدية القديمة، الأسرة الحديدية الطابقية، صور بالأبيض والأسود لتفاصيل حياة تلك الحقبة، بعد الزيارة ولتثبيت الأثر على المتلقي للطفل في نهاية الركن صندوق بريد تراسله عليه، ويختار القيمون أفضل الرسائل لعرضها.
المفاجأة الأسوأ كانت مشاهدة ركن لمأساة دارفور في متحف الهولوكوست اليهودي، فأبناء دارفور الأفارقة الذين نشروا العروبة والإسلام في إفريقيا وتصدوا لعادية الاحتلال البريطاني، صاروا جزءا من دعاية الصهاينة ليثبتوا أن العرب هم من أبادوا اليهود والأفارقة والأكراد من قبل!
متحف للمحرقة الفلسطينية يمكن أن يقوم به رجل أعمال فلسطيني واحد. ومن الممكن أن يبدأ بشكل بسيط ويتطور بحسب التمويل والدعم، لكن من المعيب أن نقيم متحفا للحياة البرية المهددة بالانقراض ولا نقيم متحفا لقضية مهددة بالانقراض.
ياسر أبو هلالة - ( صحفي وكاتب أردني )
http://www.alghad.jo/?article=4951