وفـــاء
05-10-2006, 09:01
http://us.moheet.com/asp/report/1837157/nm.jpg
في هذه الأيام المباركة يسترجع المصريون والعرب ذكرى غالية على قلوبهم هي الانتصار المجيد الذي تحقق في العاشر من رمضان الموافق السادس من أكتوبر عام 1973 ، والذي سطر فيه الجيش المصري صفحة من أنصع الصفحات في تاريخ العسكرية المصرية والعربية كما سطره التاريخ بحروف من نور.
ورغم مرور ثلاثة وثلاثين عاما على هذا الانتصار الكبير ، إلا أنه مازال يخضع للتحليل والدراسة في المؤسسات العسكرية في العالم لماشهده من براعة في القتال من الجندى المصرى ومن مفاجآت عجزت إسرائيل عن مواجهتها وانهارت على إثرها أسطورة القوة العسكرية الاسرائيلية التي لا تقهر .
ففي هذه الحرب ، تمكن المصريون من عبور قناة السويس ، أكبر مانع مائى في العالم ، وتحطيم دفاعات خط بارليف الحصينة وهى أمور تبدو معجزات بحسب التوصيف العسكرى ولذلك سوف يظل يوم السادس من أكتوبر واحدا من أعظم أيام مصر لأنه صحح أوضاع النكسة ، وقهر إرادة عدوان غاشم تتسلط عليه أطماع السيطرة والتوسع ، وأعاد الإعتبار للوطن وإسترد له كرامته .
لقد كان السادس من أكتوبر 1973 ثلاثة حروب فى حرب واحدة..
كان حربا أرادها الشعب العربى وفرضتها الجماهير التى ظلت من العام 1968 وحتى العام 1973 تطالب فى الشوارع والجامعات بتحرير الأراضى المحتلة، وكان حربا أرادتها القيادات العسكرية فى كل من مصر وسوريا دفاعا عن الكرامة الوطنية وشرف العسكرية العربية بعد هزيمة يونيو 1967 ، وكان حربا أرادها السادات بعد أن وجد نفسه أمام قرارها مضطرا بعد أن أغلقت فى وجهه كل نوافذ الحل بدون سلاح ، فإسرائيل كانت ترى أن الجيش المصرى أصبح جثة هامدة غير قادرة على المواجهة من جديد! وأمريكا أعرضت عن التجاوب مع مبادرات السادات الباحثة عن الحل فى واشنطن، وكانت ترى - عبر هنرى كيسنجر وزير الخارجية في هذا الوقت - أنها غير مضطرة للاقتراب إلا من الملفات الساخنة.
وفوجئ الإسرائيليون ومعهم الأمريكيون أيضاً بعد ظهر يوم 6 أكتوبر بالقوات المسلحة المصرية تعبر قناة السويس وتتجاوز خط بارليف الحصين إلى سيناء المحتلة فى أقل من ست ساعات وكانت حرب أكتوبر بالفعل كما أراد لها السادات حرب تحريك للملف، حرب جذب أنظار العالم إلى منطقة اشتعلت فيها النيران، وعليه التحرك لإطفائها .
وكان من أبرز نتائج تلك الحرب :
* أثبتت الحرب للعالم أجمع قدرة المصريين علي إنجاز عمل عسكري جسور ، يستند إلي شجاعة القرار ، ودقة الإعداد والتخطيط ، وبسالة الأداء والتنفيذ ، مما أكد للجميع أن التفوق العسكري ليس حكرا علي طرف دون طرف ، وأن براعة التخطيط العسكري المصري ، وبسالة المقاتل المصري ، وإيمانه بشرف الأهداف التي يقاتل من أجلها كانت أقوي وأكبر من الفارق في القدرة والتقدم في المعدات والعتاد ، كما ضرب الشعب المصري أروع صور البطولة حينما تجاوز الصراعات الداخلية ، ووقف إلي جوار قواته المسلحة وقفة رجل واحد ، يشد أزرها ، ويدعم قدراتها ، ويضع مطلب تحرير الأرض فوق كل المطالب والأولويات .
* حققت حرب أكتوبر ما لم يكن الكثير من العرب يتخيل أنها ستحققه، فالنظرية القائلة بأن هذا الكيان الإسرائيلي هو قوة شيطانية لا يمكن دحرها، وقفت عائقاً أمام العرب في الكثير من سنوات النزاع التي تبعت حرب 1948، لتجعلهم يسلّموا بهذه النظرية وخاصة بعد نكسة الخامس من يونيو 1967، التي احتلت فيها إسرائيل في غضون أيام قليلة أراض لثلاثة دول عربية، فاحتلت آنذاك هضبةالجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية، والقدس والضفة الغربية، ولذلك شكلت حرب أكتوبر التي أتت بعد ست سنوات من نكسة يونيو تحولاً استراتيجياً هاماً في إدارة دفّة الصراع وفي قدرة العرب على التحول إلى موقع المواجهة ، وعلى قلب الأدوار من موقع المتلقي الدائم لضربات واعتداءات إسرائيل المتكررة، إلى أصحاب البادرة في الضرب وإعلان الحرب على هذا الكيان الصهيونى
* أكدت حرب أكتوبر إستحالة سياسة فرض الأمر الواقع ، وإستحالة إستمرار حالة اللاسلم واللاحرب ، وإستحالة إحتكار التفوق العسكري ، وإستحالة إجبار شعوب المنطقة علي قبول الاحتلال .. كما أثبتت أيضا أن الأمن الحقيقي لا يضمنه التوسع الجغرافي علي حساب الآخرين ولذلك تنبه العالم لضرورة إيجاد حل للصراع العربى الإسرائيلى ، وكان من أبرز نتائج تلك الحرب رفع شعار المفاوضات وليس السلاح لحل الصراع العربى الإسرائيلى .
كان الرئيس السادات أول من رفع هذا الشعار عندما أعلن أن تلك الحرب هى آخر الحروب العربية الإسرائيلية وقام بزيارة إسرائيل ووقع اتفاقية سلام معها ، إلا أن خطوات السادات تلك لم تحظى بقبول بعض الدول العربية وخاصة سوريا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية ، وعندما اقتنعت تلك الدول بأهمية وجهة نظر السادات كان الوقت في غير صالحها بعد انهيار الاتحاد السوفيتى السابق وتفرد أمريكا بوضعية القطب الأوحد وقيامها في أعقاب هجمات سبتمبر بشن حرب على ما تسميه الإرهاب والتى استهدفت بالأساس العرب والمسلمين ما أعطى لإسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة مخططاتها التوسعية ورفض دعوات العرب للسلام ووصف المقاومة بالإرهاب ، ما أدى لتراجع كبير في الدعم الدولى بل والعربى في بعض الأحيان للفلسطينيين في كفاحهم لاستعادة حقوقهم المغتصبة وإقامة دولتهم المستقلة .
* مثل التضامن العربي الذي ظهر بوضوح في حرب أكتوبر دليلاً قاطعاً على بداية شعور العرب ولأول مرّة في تاريخهم المعاصر بالخطر على أمنهم القومي والاستراتيجي ولذلك توج هذا التضامن بنصر عسكرى كبير فخر به الجميع .
وتمثلت صور التضامن العربى في تلك الحرب في تهديد الدول المنتجة للنفط باستخدام سلاح النفط ما وجه ضربة موجعة لاقتصاديات الغرب ، كما شاركت بعض الدول العربية بإرسال قوات لخطوط الجبهة في مصر وسوريا .
ورغم أن كل المؤشرات في أعقاب حرب أكتوبر كانت تبشر بميلاد الوحدة العربية المرجوة ، إلا أن هذا التضامن تراجع بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 التي لم يباركها العرب حينها ، بل على العكس من ذلك وجدوا فيها خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي ووقفوا ضدّها ...؟!.
وبعد تغير المعادلات الدولية وانعدام توازن القوى، وغياب الأقطاب العالمية الذي ترافق مع سيطرة الولايات المتحدة على القرار الدولي وظهور النظام العالمي الجديد وارهاصات العولمة وتبعاتها، اقتنع العرب بوجهة نظر الرئيس السادات بشأن السلام مع إسرائيل وقبلوا بما رفضوه من قبل ، إلا أن هذا جاء متأخرا جدا لظهور ما يسمى بالحرب على الإرهاب والتى كان العرب والمسلمون ضحيتها الأولى.
* من أبرز نتائج الانتصار الكبير في أكتوبر أيضا إعادة تعمير سيناء وبدء مشروعات ربطها بوادي النيل والعمل علي تحويلها إلي منطقة إستراتيجية متكاملة تمثل درع مصر الشرقية.
ومن أجل ذلك تمت اعادة تقسيم سيناء اداريا الي محافظتين، بعد أن كانت محافظة واحدة فقسمت الي محافظة شمال سيناء ومحافظة جنوب سيناء فيما انضمت شريحة من سيناء شرق قناة السويس بعرض20 كيلو مترا إلي محافظات القناة الثلاث: بورسعيد والإسماعيلية والسويس، تأكيدا لارتباط سيناء بوادي النيل، حيث لم تعد القناة تمثل حاجزا إداريا يعزل شبه جزيرة سيناء عن وادي النيل.
وبدأ تنفيذ العمليات الكبري لتحقيق الربط الجغرافي بين وادي النيل وسيناء عبر قناة السويس، فأنشئ نفق أحمد حمدي شمال السويس.. ليمر تحت القناة ويربط غربها بشرقها برا.. كما شقت ترعة السلام جنوب بورسعيد إلي سيناء لكي تروي بمياه النيل ما يقرب من نصف مليون فدان في شمال سيناء
وفي إطار الخطة القومية لإعادة تعمير سيناء والتي ستستمر حتي عام2017.. استكملت عملية الربط العضوي بإنشاء جسرين فوق القناة هما: الكوبري المعلق جنوب القنطرة وكوبري الفردان المتحرك للسكك الحديدية فضلا عن مد خط السكة الحديد بين الإسماعيلية ورفح ويبلغ طوله217 كيلو مترا .
ولم تعد سيناء أو كما يطلق عليها "أرض الفيروز" - لتميز شواطئها بلون فيروزى وهو لون خليط من الأخضر والأزرق - مجرد أرض صحراوية تشكل عازلا جغرافيا ومنطقة استراتيجية تفصلنا عن إسرائيل ، ولكنها أصبحت حصنا يحمي البوابة الشرقيه لمصر ويصونها من كل تهديد بعد أن تحقق لها الأمن بمفهومه الحقيقي القائم على البناء وامتداد الرقعة السكانية, كما أصبحت رافدا من روافد النمو الاقتصادي بعد اكتشاف البترول فيها ، بالإضافة إلى احتوائها على العديد من المدن والأماكن ذات الجذب السياحى الكبير
الصراع العربى الإسرائيلى بعد حرب أكتوبر
* حرب أكتوبر كان ترتيبها الرابع في سلسلة الحروب العربية - الاسرائيلية التي بدأت بحرب 1948 ثم حرب 1956 ثم حرب 1967‚ كما كانت آخر الحروب النظامية بين الجانبين وبعدها أخذ الصراع العربي - الإسرائيلي طابعا آخر هو حـــــــرب المقاومة الممتدة ضد جيش نظامي إسرائيلي بعد توقيع مصر والأردن اتفاقيتى سلام مع إسرائيل ، والمقاومة بشقيها اللبناني والفلسطيني اعتمدت على عمليات عسكرية مباغتة يختلف عليها حاليا تقييم مشروعيتها ففيما الغرب يصفها بالارهاب يراها الجانب العربي أنها حرب تحرير مشروعة لكونها مقاومة للاحتلال وكون هناك حقوق عربية سليبة لم تتم استعادتها حتى الآن ، الغرب من جانبه يحاول الربط والخلط بين تيارات الإرهاب في العالم والمقاومة للاحتلال رغم التناقض الواضح بينهما ، ومن ذلك فان الحرب الخامسة في الصراع العربي - الإسرائيلي هي حرب المقاومة اللا نظامية‚ وهى الحرب التي أسفرت في عن تحرير جنوب لبنان باستثناء مزارع شبعا ، وأسفرت أيضا عن انسحاب إسرائيل من غزة .
ويرى مراقبون أنه لايمكن في الوقت الراهن تصور توظيف العسكرية النظامية وحدها لاستعادة الحقوق العربية المغتصبة مثلما حدث في حرب أكتوبر بعد تغير الظروف الدولية والعربية عما كانت عليه قبل وأثناء حرب أكتوبر ، فالمنطقة العربية تمر الآن بأفدح كبواتها في العراق المحتل والضغوط الهائلة التي تتعرض لها سوريا وأيضا الضغوط التي تتعرض لها المقاومتان اللبنانية والفلسطينية (حزب الله في لبنان‚ والجهاد وحماس في فلسطين) حيث تسعى أمريكا وإسرائيل للإجهاز على أدوات الحرب الخامسة بالضغط لتفكيك حركات المقاومة وتسليم أسلحتها وإدخالها في العملية السياسية لتنفيذ مخططات السيطرة على ثروات المنطقة العربية بأكملها دون أى رادع .
وبسبب تغير الظروف الدولية تطرق بعض المحللين لأوجه التشابه والاختلاف بين حرب أكتوبر وحرب لبنان.
ووفقا للمراقبين فإن الحرب السادسة التي خاضتها إسرائيل ضد حزب الله كما حرب 6 أكتوبر1973 أثبتت أن إرادة الشعوب في التحرير والكرامة لاتعرف موازين القوة العسكرية ففى الفترة بعد نكسة يونيو كانت إسرائيل تصف الجيوش العربية والجيش المصرى بصفة خاصة بالجثة الهامدة ، إلا أن تلك الجثة الهامدة حسب وصفها ألحقت بها هزيمة عسكرية نكراء لن تنساها أبد الدهر، وقبل حرب لبنان الأخيرة كانت إسرائيل ترتكب يوميا أبشع المجازر في غزة وتنتهك الأجواء اللبنانية يوميا وتهدد باستمرار سوريا وحركات المقاومة تدعمها في بلطجتها تلك أمريكا ، إلى أن شنت الحرب على لبنان في 12 يوليو وكان الجحيم بانتظارها بعد أن تعرضت لخسائر فادحة على أيدى بضعة آلاف من مقاتلى حزب الله وبعد أن تعرض عمقها للمرة الأولى في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية لقصف صواريخ حزب الله .
حرب لبنان كحرب أكتوبر توقفت بقرار دولى بعد أسابيع من بدء القتال ولم يصدر قرار دولى فورى بوقف الحرب في الحالتين بعد اندلاع القتال مباشرة .
ورغم ذلك فإنه يوجد فروق هائلة بين الحربين ، فحرب أكتوبر كانت حرب نظامية بينماحرب لبنان كانت حرب بين جيش وميليشيا وفى حرب أكتوبر تآلف العرب جميعاً وتضامنوا مستخدمين الكثير من أدوات الصراع، فعملوا على استخدام النفط وكان سلاحاً ناجحاً أدى إلى نتائج مبهرة، كما شارك الكثير من الدول العربية في الجيوش التي تحارب على جبهات القتال، ناهيك عن التضامن المعنوي والسياسي والدبلوماسي المطلق الذي أظهره العرب في ذلك الزمن ، بينما أتت حرب حزب الله مع إسرائيل قاسية في وحشيتها الصهيونية، مثقلة كاهل حزب الله بوقوفه وحيداً في الساحة وعلى جبهة واحدة، حيث افتقد التضامن العربي والدولي، وافتقد حتى التضامن في الشارع اللبناني من بعض القوى السياسية ؟.
نتائج الحربين كانت مختلفة ، فبعد حرب أكتوبر انطلقت مفاوضات سلام بين مصر وإسرائيل انتهت بتوقيع اتفاقية سلام ، بينما في حرب لبنان مازال الوضع شائكا ويمكن أن يندلع القتال مجددا في أية لحظة ، لرفض لبنان توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية وانسحاب إسرائيل من الجولان السورى ، كما أن إسرائيل ترفض إجراء أى مفاوضات مع حزب الله الذى تعتبره منظمة إرهابية.
في هذه الأيام المباركة يسترجع المصريون والعرب ذكرى غالية على قلوبهم هي الانتصار المجيد الذي تحقق في العاشر من رمضان الموافق السادس من أكتوبر عام 1973 ، والذي سطر فيه الجيش المصري صفحة من أنصع الصفحات في تاريخ العسكرية المصرية والعربية كما سطره التاريخ بحروف من نور.
ورغم مرور ثلاثة وثلاثين عاما على هذا الانتصار الكبير ، إلا أنه مازال يخضع للتحليل والدراسة في المؤسسات العسكرية في العالم لماشهده من براعة في القتال من الجندى المصرى ومن مفاجآت عجزت إسرائيل عن مواجهتها وانهارت على إثرها أسطورة القوة العسكرية الاسرائيلية التي لا تقهر .
ففي هذه الحرب ، تمكن المصريون من عبور قناة السويس ، أكبر مانع مائى في العالم ، وتحطيم دفاعات خط بارليف الحصينة وهى أمور تبدو معجزات بحسب التوصيف العسكرى ولذلك سوف يظل يوم السادس من أكتوبر واحدا من أعظم أيام مصر لأنه صحح أوضاع النكسة ، وقهر إرادة عدوان غاشم تتسلط عليه أطماع السيطرة والتوسع ، وأعاد الإعتبار للوطن وإسترد له كرامته .
لقد كان السادس من أكتوبر 1973 ثلاثة حروب فى حرب واحدة..
كان حربا أرادها الشعب العربى وفرضتها الجماهير التى ظلت من العام 1968 وحتى العام 1973 تطالب فى الشوارع والجامعات بتحرير الأراضى المحتلة، وكان حربا أرادتها القيادات العسكرية فى كل من مصر وسوريا دفاعا عن الكرامة الوطنية وشرف العسكرية العربية بعد هزيمة يونيو 1967 ، وكان حربا أرادها السادات بعد أن وجد نفسه أمام قرارها مضطرا بعد أن أغلقت فى وجهه كل نوافذ الحل بدون سلاح ، فإسرائيل كانت ترى أن الجيش المصرى أصبح جثة هامدة غير قادرة على المواجهة من جديد! وأمريكا أعرضت عن التجاوب مع مبادرات السادات الباحثة عن الحل فى واشنطن، وكانت ترى - عبر هنرى كيسنجر وزير الخارجية في هذا الوقت - أنها غير مضطرة للاقتراب إلا من الملفات الساخنة.
وفوجئ الإسرائيليون ومعهم الأمريكيون أيضاً بعد ظهر يوم 6 أكتوبر بالقوات المسلحة المصرية تعبر قناة السويس وتتجاوز خط بارليف الحصين إلى سيناء المحتلة فى أقل من ست ساعات وكانت حرب أكتوبر بالفعل كما أراد لها السادات حرب تحريك للملف، حرب جذب أنظار العالم إلى منطقة اشتعلت فيها النيران، وعليه التحرك لإطفائها .
وكان من أبرز نتائج تلك الحرب :
* أثبتت الحرب للعالم أجمع قدرة المصريين علي إنجاز عمل عسكري جسور ، يستند إلي شجاعة القرار ، ودقة الإعداد والتخطيط ، وبسالة الأداء والتنفيذ ، مما أكد للجميع أن التفوق العسكري ليس حكرا علي طرف دون طرف ، وأن براعة التخطيط العسكري المصري ، وبسالة المقاتل المصري ، وإيمانه بشرف الأهداف التي يقاتل من أجلها كانت أقوي وأكبر من الفارق في القدرة والتقدم في المعدات والعتاد ، كما ضرب الشعب المصري أروع صور البطولة حينما تجاوز الصراعات الداخلية ، ووقف إلي جوار قواته المسلحة وقفة رجل واحد ، يشد أزرها ، ويدعم قدراتها ، ويضع مطلب تحرير الأرض فوق كل المطالب والأولويات .
* حققت حرب أكتوبر ما لم يكن الكثير من العرب يتخيل أنها ستحققه، فالنظرية القائلة بأن هذا الكيان الإسرائيلي هو قوة شيطانية لا يمكن دحرها، وقفت عائقاً أمام العرب في الكثير من سنوات النزاع التي تبعت حرب 1948، لتجعلهم يسلّموا بهذه النظرية وخاصة بعد نكسة الخامس من يونيو 1967، التي احتلت فيها إسرائيل في غضون أيام قليلة أراض لثلاثة دول عربية، فاحتلت آنذاك هضبةالجولان السورية، وصحراء سيناء المصرية، والقدس والضفة الغربية، ولذلك شكلت حرب أكتوبر التي أتت بعد ست سنوات من نكسة يونيو تحولاً استراتيجياً هاماً في إدارة دفّة الصراع وفي قدرة العرب على التحول إلى موقع المواجهة ، وعلى قلب الأدوار من موقع المتلقي الدائم لضربات واعتداءات إسرائيل المتكررة، إلى أصحاب البادرة في الضرب وإعلان الحرب على هذا الكيان الصهيونى
* أكدت حرب أكتوبر إستحالة سياسة فرض الأمر الواقع ، وإستحالة إستمرار حالة اللاسلم واللاحرب ، وإستحالة إحتكار التفوق العسكري ، وإستحالة إجبار شعوب المنطقة علي قبول الاحتلال .. كما أثبتت أيضا أن الأمن الحقيقي لا يضمنه التوسع الجغرافي علي حساب الآخرين ولذلك تنبه العالم لضرورة إيجاد حل للصراع العربى الإسرائيلى ، وكان من أبرز نتائج تلك الحرب رفع شعار المفاوضات وليس السلاح لحل الصراع العربى الإسرائيلى .
كان الرئيس السادات أول من رفع هذا الشعار عندما أعلن أن تلك الحرب هى آخر الحروب العربية الإسرائيلية وقام بزيارة إسرائيل ووقع اتفاقية سلام معها ، إلا أن خطوات السادات تلك لم تحظى بقبول بعض الدول العربية وخاصة سوريا والعراق ومنظمة التحرير الفلسطينية ، وعندما اقتنعت تلك الدول بأهمية وجهة نظر السادات كان الوقت في غير صالحها بعد انهيار الاتحاد السوفيتى السابق وتفرد أمريكا بوضعية القطب الأوحد وقيامها في أعقاب هجمات سبتمبر بشن حرب على ما تسميه الإرهاب والتى استهدفت بالأساس العرب والمسلمين ما أعطى لإسرائيل الضوء الأخضر لمواصلة مخططاتها التوسعية ورفض دعوات العرب للسلام ووصف المقاومة بالإرهاب ، ما أدى لتراجع كبير في الدعم الدولى بل والعربى في بعض الأحيان للفلسطينيين في كفاحهم لاستعادة حقوقهم المغتصبة وإقامة دولتهم المستقلة .
* مثل التضامن العربي الذي ظهر بوضوح في حرب أكتوبر دليلاً قاطعاً على بداية شعور العرب ولأول مرّة في تاريخهم المعاصر بالخطر على أمنهم القومي والاستراتيجي ولذلك توج هذا التضامن بنصر عسكرى كبير فخر به الجميع .
وتمثلت صور التضامن العربى في تلك الحرب في تهديد الدول المنتجة للنفط باستخدام سلاح النفط ما وجه ضربة موجعة لاقتصاديات الغرب ، كما شاركت بعض الدول العربية بإرسال قوات لخطوط الجبهة في مصر وسوريا .
ورغم أن كل المؤشرات في أعقاب حرب أكتوبر كانت تبشر بميلاد الوحدة العربية المرجوة ، إلا أن هذا التضامن تراجع بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979 التي لم يباركها العرب حينها ، بل على العكس من ذلك وجدوا فيها خطراً حقيقياً على الأمن القومي العربي ووقفوا ضدّها ...؟!.
وبعد تغير المعادلات الدولية وانعدام توازن القوى، وغياب الأقطاب العالمية الذي ترافق مع سيطرة الولايات المتحدة على القرار الدولي وظهور النظام العالمي الجديد وارهاصات العولمة وتبعاتها، اقتنع العرب بوجهة نظر الرئيس السادات بشأن السلام مع إسرائيل وقبلوا بما رفضوه من قبل ، إلا أن هذا جاء متأخرا جدا لظهور ما يسمى بالحرب على الإرهاب والتى كان العرب والمسلمون ضحيتها الأولى.
* من أبرز نتائج الانتصار الكبير في أكتوبر أيضا إعادة تعمير سيناء وبدء مشروعات ربطها بوادي النيل والعمل علي تحويلها إلي منطقة إستراتيجية متكاملة تمثل درع مصر الشرقية.
ومن أجل ذلك تمت اعادة تقسيم سيناء اداريا الي محافظتين، بعد أن كانت محافظة واحدة فقسمت الي محافظة شمال سيناء ومحافظة جنوب سيناء فيما انضمت شريحة من سيناء شرق قناة السويس بعرض20 كيلو مترا إلي محافظات القناة الثلاث: بورسعيد والإسماعيلية والسويس، تأكيدا لارتباط سيناء بوادي النيل، حيث لم تعد القناة تمثل حاجزا إداريا يعزل شبه جزيرة سيناء عن وادي النيل.
وبدأ تنفيذ العمليات الكبري لتحقيق الربط الجغرافي بين وادي النيل وسيناء عبر قناة السويس، فأنشئ نفق أحمد حمدي شمال السويس.. ليمر تحت القناة ويربط غربها بشرقها برا.. كما شقت ترعة السلام جنوب بورسعيد إلي سيناء لكي تروي بمياه النيل ما يقرب من نصف مليون فدان في شمال سيناء
وفي إطار الخطة القومية لإعادة تعمير سيناء والتي ستستمر حتي عام2017.. استكملت عملية الربط العضوي بإنشاء جسرين فوق القناة هما: الكوبري المعلق جنوب القنطرة وكوبري الفردان المتحرك للسكك الحديدية فضلا عن مد خط السكة الحديد بين الإسماعيلية ورفح ويبلغ طوله217 كيلو مترا .
ولم تعد سيناء أو كما يطلق عليها "أرض الفيروز" - لتميز شواطئها بلون فيروزى وهو لون خليط من الأخضر والأزرق - مجرد أرض صحراوية تشكل عازلا جغرافيا ومنطقة استراتيجية تفصلنا عن إسرائيل ، ولكنها أصبحت حصنا يحمي البوابة الشرقيه لمصر ويصونها من كل تهديد بعد أن تحقق لها الأمن بمفهومه الحقيقي القائم على البناء وامتداد الرقعة السكانية, كما أصبحت رافدا من روافد النمو الاقتصادي بعد اكتشاف البترول فيها ، بالإضافة إلى احتوائها على العديد من المدن والأماكن ذات الجذب السياحى الكبير
الصراع العربى الإسرائيلى بعد حرب أكتوبر
* حرب أكتوبر كان ترتيبها الرابع في سلسلة الحروب العربية - الاسرائيلية التي بدأت بحرب 1948 ثم حرب 1956 ثم حرب 1967‚ كما كانت آخر الحروب النظامية بين الجانبين وبعدها أخذ الصراع العربي - الإسرائيلي طابعا آخر هو حـــــــرب المقاومة الممتدة ضد جيش نظامي إسرائيلي بعد توقيع مصر والأردن اتفاقيتى سلام مع إسرائيل ، والمقاومة بشقيها اللبناني والفلسطيني اعتمدت على عمليات عسكرية مباغتة يختلف عليها حاليا تقييم مشروعيتها ففيما الغرب يصفها بالارهاب يراها الجانب العربي أنها حرب تحرير مشروعة لكونها مقاومة للاحتلال وكون هناك حقوق عربية سليبة لم تتم استعادتها حتى الآن ، الغرب من جانبه يحاول الربط والخلط بين تيارات الإرهاب في العالم والمقاومة للاحتلال رغم التناقض الواضح بينهما ، ومن ذلك فان الحرب الخامسة في الصراع العربي - الإسرائيلي هي حرب المقاومة اللا نظامية‚ وهى الحرب التي أسفرت في عن تحرير جنوب لبنان باستثناء مزارع شبعا ، وأسفرت أيضا عن انسحاب إسرائيل من غزة .
ويرى مراقبون أنه لايمكن في الوقت الراهن تصور توظيف العسكرية النظامية وحدها لاستعادة الحقوق العربية المغتصبة مثلما حدث في حرب أكتوبر بعد تغير الظروف الدولية والعربية عما كانت عليه قبل وأثناء حرب أكتوبر ، فالمنطقة العربية تمر الآن بأفدح كبواتها في العراق المحتل والضغوط الهائلة التي تتعرض لها سوريا وأيضا الضغوط التي تتعرض لها المقاومتان اللبنانية والفلسطينية (حزب الله في لبنان‚ والجهاد وحماس في فلسطين) حيث تسعى أمريكا وإسرائيل للإجهاز على أدوات الحرب الخامسة بالضغط لتفكيك حركات المقاومة وتسليم أسلحتها وإدخالها في العملية السياسية لتنفيذ مخططات السيطرة على ثروات المنطقة العربية بأكملها دون أى رادع .
وبسبب تغير الظروف الدولية تطرق بعض المحللين لأوجه التشابه والاختلاف بين حرب أكتوبر وحرب لبنان.
ووفقا للمراقبين فإن الحرب السادسة التي خاضتها إسرائيل ضد حزب الله كما حرب 6 أكتوبر1973 أثبتت أن إرادة الشعوب في التحرير والكرامة لاتعرف موازين القوة العسكرية ففى الفترة بعد نكسة يونيو كانت إسرائيل تصف الجيوش العربية والجيش المصرى بصفة خاصة بالجثة الهامدة ، إلا أن تلك الجثة الهامدة حسب وصفها ألحقت بها هزيمة عسكرية نكراء لن تنساها أبد الدهر، وقبل حرب لبنان الأخيرة كانت إسرائيل ترتكب يوميا أبشع المجازر في غزة وتنتهك الأجواء اللبنانية يوميا وتهدد باستمرار سوريا وحركات المقاومة تدعمها في بلطجتها تلك أمريكا ، إلى أن شنت الحرب على لبنان في 12 يوليو وكان الجحيم بانتظارها بعد أن تعرضت لخسائر فادحة على أيدى بضعة آلاف من مقاتلى حزب الله وبعد أن تعرض عمقها للمرة الأولى في تاريخ الحروب العربية الإسرائيلية لقصف صواريخ حزب الله .
حرب لبنان كحرب أكتوبر توقفت بقرار دولى بعد أسابيع من بدء القتال ولم يصدر قرار دولى فورى بوقف الحرب في الحالتين بعد اندلاع القتال مباشرة .
ورغم ذلك فإنه يوجد فروق هائلة بين الحربين ، فحرب أكتوبر كانت حرب نظامية بينماحرب لبنان كانت حرب بين جيش وميليشيا وفى حرب أكتوبر تآلف العرب جميعاً وتضامنوا مستخدمين الكثير من أدوات الصراع، فعملوا على استخدام النفط وكان سلاحاً ناجحاً أدى إلى نتائج مبهرة، كما شارك الكثير من الدول العربية في الجيوش التي تحارب على جبهات القتال، ناهيك عن التضامن المعنوي والسياسي والدبلوماسي المطلق الذي أظهره العرب في ذلك الزمن ، بينما أتت حرب حزب الله مع إسرائيل قاسية في وحشيتها الصهيونية، مثقلة كاهل حزب الله بوقوفه وحيداً في الساحة وعلى جبهة واحدة، حيث افتقد التضامن العربي والدولي، وافتقد حتى التضامن في الشارع اللبناني من بعض القوى السياسية ؟.
نتائج الحربين كانت مختلفة ، فبعد حرب أكتوبر انطلقت مفاوضات سلام بين مصر وإسرائيل انتهت بتوقيع اتفاقية سلام ، بينما في حرب لبنان مازال الوضع شائكا ويمكن أن يندلع القتال مجددا في أية لحظة ، لرفض لبنان توقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل قبل حل القضية الفلسطينية وانسحاب إسرائيل من الجولان السورى ، كما أن إسرائيل ترفض إجراء أى مفاوضات مع حزب الله الذى تعتبره منظمة إرهابية.