وفـــاء
04-10-2006, 08:52
بانتظار ان يرث جمال النووي حطامنا: هل يكفي الرفض الاعلامي؟
هويدا طه
2006/10/04
منذ سنوات والأشياء ـ كل الأشياء ـ في مصر تسير بعيدا عن تعريف الدولة في المواثيق الدولية.. فالدولة المصرية لم تعد تقريبا كيانا يجمع بين (شعب وإقليم وسيادة) كما ينص ذلك التعريف، بل هناك فقط (ولد) ترتب له كل الترتيبات كي يرث وحده.. ما تبقي من حطام شعب وإقليم وسيادة استولي عليها أبوه منذ ربع قرن، وأجواء فرض عليها فرضا الانشغال بتلك الترتيبات الماضية قدما.. في شد وجذب بين عائلة الولد والنخبة المثقفة التي تتجادل معها باستمرار.. أما الشعب.. الذي يقترب عدد أفراده من ثمانين مليونا فقد ترك للطرفين خيوط اللعبة.. وأكثر اسهاماته في الأمر هي الفرجة عليهما انتظارا للغالب في مباراة راهن عليه هو نفسه.. وقد لا يلام ذلك الشعب كثيرا علي هذا الانسحاب من اللعبة إلي مقاعد المتفرجين.. فتاريخيا ليست هناك جماهير تؤثر في لعبة بدون (تنظيم) قادر علي تحريكها تقوده تلك النخبة.. لكن هذا التنظيم غير موجود في مصر المفككة منذ عقود، وتلك النخبة غير قادرة علي (الفعل المبادر) بل هي غالبا ما تستجيب لفعل عائلة الولد.. حتي اللحظة الفريدة التي بادر فيها مثقفون بفعل كان رد الفعل فيها من نصيب العائلة وكان رد فعل أمنيا وحشيا .. وهي لحظة خروج حركة إلي النور باسم كفاية.. حتي هذه اللحظة.. ارتدت الآن إلي نفس الفلك (عائلة فاعلة ونخبة استجابتها رفض إعلامي ليس إلا).. وربما يكون الإعلام هو أكثر المجالات التي يتجلي فيها هذا التفكك.. ففي المتابعة الإعلامية تجد دائما الخطوة الأولي هي من الولد وعائلته والخطوة الثانية تخطوها نخبة المثقفين المصريين الرافضين لهذا الاستيلاء العائلي علي مصر شعبا وإقليما وسيادة، في الإعلام.. أتاحت الفضائيات فرصة لكل مثقف كي يهذي بمفرده رافضا مخطط التوريث في نظام جمهوري.. ثم يقف الأمر عند هذا الحد.. عند (الرفض الإعلامي) للتوريث في الفضائيات والجرائد الجريئة المسماة في مصر بالصحافة المستقلة، لتتضح حقيقة وضعنا المؤلم.. نحن لا (نفعل) شيئا نحن فقط (نرفض) إعلاميا أن يرث (الولد) جمال مبارك ما تبقي من حطامنا، وهذه الحدود لحركة المثقفين المصريين تعرفها جيدا عائلة الولد.. لذلك لا تكترث لهم كثيرا وإن سببوا لها بعض الصداع غير القادر فعليا علي المس بأحلامها.. أحلامها التي تحولت إلي خطط تهدف إلي (حصر ملكية الشعب والإقليم والسيادة في عائلة وأنجال مبارك)، لكن مع ذلك لا يمكن بخس (هذيان المثقفين المصريين وعزفهم المنفرد) حقه.. فهو علي الأقل اضطر العائلة إلي تعديل خططها و(ابتكار أساليب استمالة جديدة) تحاول بها تهدئة هذيان المثقفين العاجزين.. حتي يمر ما سموه (مخطط التوريث)، من هذه الأساليب (الإلحاح الإعلامي) علي المواطن المصري حتي يتسرب إلي وعيه الظاهر والباطن بأن الوريث الولد يمثل الشباب والفكر الجديد.. وهو ما يدغدغ أحلام شعب (تتأخر حياته) بسبب هيمنة العجائز والشيوخ علي مقدراته بل وقدره، والإلحاح الإعلامي كذلك بأنه (لا يوجد في مصر بديل آخر مناسب) وغير ذلك من أساليب (تسريب) فكرة حلول مبارك الصغير محل مبارك الكبير إلي وعي المواطن.. باعتباره بديهيا وضروريا وقدريا، ومؤخرا قام الولد بخطوة أولي في اتجاه استمالة المواطنين والمثقفين إلي التسليم بهذا القدر.. في خطابه الأخير في مؤتمر حزب الأب الحاكم (ومن العجيب أن المثقفين المصريين يتحدثون عنه كخطاب رئاسي! وكأنهم أنفسهم قبل مواطنيهم تسرب إلي وعيهم ما يحذرون منه!) قام مبارك الابن بتفجير قنبلته النووية في وجه الإعلام والمواطن والعالم.. كان يتحدث بثقة وتمكن عن حاجة مصر إلي تدشين مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة، تشاهده وأنت تعرف أنه يكذب وتعرف أنه يعرف أنك لا تصدقه.. كل المثقفين المصريين تقريبا كشفوه وعرفوا أنها محاولة لاستمالة المواطنين باللعب علي حلم مصر الشعبي الكامن حتي في نفوس البعيدين عن هذيان السياسة.. بأن تكون لهم دولة قوية متقدمة يفخرون بها وليس حطام دولة يسجنون فيها أو يخجلون منها أو يساقون باسمها كالقطيع.. والمفاعلات النووية هي الرمز لقوة الدول وتقدمها.. المواطنون أنفسهم كشفوه وابتكروا فورا النكات المضادة.. لكنهم لا يصلون إلي الإعلام بنفس سهولة وصول المثقفين إليه.. هؤلاء المثقفون الرافضون انهمكوا في الفضائيات في فضح نوايا مخطط التوريث..
وهو الأمر الذي دأبوا عليه منذ سنوات بلا جدوي، بل وزاد الأمر أن اشتبكوا مع رجال الولد الوريث في برامج حوارية مباشرة علي الهواء.. عبد الحليم قنديل وهو أبرز مثقفي مصر الذين تصدوا إعلاميا باكرا جدا لمسألة التوريث.. اشتبك مع رجال الولد الإعلاميين إلي درجة الوصول إلي عراك وتبادل الشتائم علي الهواء في قناة أوربت، وجهاد عودة وهو واحد من رجال الولد رد في برنامج ما وراء الخبر علي قناة الجزيرة علي المثقفين المصريين الذين يتهمون جمال باللعب النووي علي أحلام شعب كي يرثه.. فقال: ولا استمالة ولا حاجة الحكاية إننا في أزمة اقتصادية استوجبت البحث عن وسائل بديلة للطاقة .. أزمة اقتصادية؟!.. صح النوم!، أما البرامج المتاحة للمواطن ومنها برنامج منبر الجزيرة فقد بدا واضحا في كلمات المشاهدين المتصلين أن ذلك الشعب المصري هو باختصار (شعب تائه).. لا مثقفوه قادرون علي تنظيم قوته الكامنة ولا هو قادر علي الرد علي ما يحاك له في الظلام وفي النور في الخفاء وفي العلن.. شيء يثير اليأس، لم يبق إلا أن ينضم المثقفون المصريون إذا اكتمل يأسهم إلي مواطنيهم في مقاعد المتفرجين أو (يبقوا في بيوتهم) كما قال الكاتب والأديب بهاء طاهر شاكيا من وحشية الأمن وفقدان الطريق، ولم يبق إلا تبادل النكات مع أفراد شعب مأزوم اعتاد السخرية من عجزه دون أن يكلف نفسه (شقاء التمرد).. أحد المواطنين يعمل بقالا ولا يعرف القراءة والكتابة سمع في المقهي أناسا يتحدثون عن (النووي)! قال لهم بأسلوبه الشعبي البسيط: هو يعني المنوي ده بيعمل إيه بالضبط وماله ومال السياسة؟! فرد عليه أحدهم وهو يسحب دخان شيشته: بيطلع منه كهربا.. قالوا كده في التليفزيون.. واحنا يعني محتاجين يعني كهربا كتير عشان المصانع وخلافه كنت أنصت للحديث الدائر عن قرب.. قال الأول: ومين بقي شريك المحروس جمال في مشروع المنوي ده؟ فحاول أحدهم أن يصلح له: منوي يا راجل يا طيب؟! منوي؟!.. اسمه نووي.. نووي.. زي اللي عند أحمد زويل والناس دي)، ما بين الحديث عن (جمال المنوي) بين البسطاء والحديث عن (جمال النووي) بين المثقفين.. تستمر التفسيرات والشروح في تفصيل ما يدور في صحن الدار والسطوح!.. لكن فعليا.. لا شيء إلا الكلام.. بينما يمضي المخطط إلي مبتغاه متحينا أي فرصة مواتية يكون فيها الناس مأخوذين بالكلام.. علي المقهي وبينما يستمر بعض الرواد في الحديث عن (الولد المنوي النووي) تذكرت قصة فأر كان يريد المرور من بين جمع من الناس.. يُخرج رأسه من الجحر فإذا وجدهم منتبهين يرتد إلي الوراء دون أن يلغي الفكرة.. حتي وجدهم في إحدي مناوراته منهمكين في الهذيان والكلام والاشتباك.. ببساطة شديدة.. وذيله يتمايل يمينا ويسارا... مرّ !
هويدا طه
2006/10/04
منذ سنوات والأشياء ـ كل الأشياء ـ في مصر تسير بعيدا عن تعريف الدولة في المواثيق الدولية.. فالدولة المصرية لم تعد تقريبا كيانا يجمع بين (شعب وإقليم وسيادة) كما ينص ذلك التعريف، بل هناك فقط (ولد) ترتب له كل الترتيبات كي يرث وحده.. ما تبقي من حطام شعب وإقليم وسيادة استولي عليها أبوه منذ ربع قرن، وأجواء فرض عليها فرضا الانشغال بتلك الترتيبات الماضية قدما.. في شد وجذب بين عائلة الولد والنخبة المثقفة التي تتجادل معها باستمرار.. أما الشعب.. الذي يقترب عدد أفراده من ثمانين مليونا فقد ترك للطرفين خيوط اللعبة.. وأكثر اسهاماته في الأمر هي الفرجة عليهما انتظارا للغالب في مباراة راهن عليه هو نفسه.. وقد لا يلام ذلك الشعب كثيرا علي هذا الانسحاب من اللعبة إلي مقاعد المتفرجين.. فتاريخيا ليست هناك جماهير تؤثر في لعبة بدون (تنظيم) قادر علي تحريكها تقوده تلك النخبة.. لكن هذا التنظيم غير موجود في مصر المفككة منذ عقود، وتلك النخبة غير قادرة علي (الفعل المبادر) بل هي غالبا ما تستجيب لفعل عائلة الولد.. حتي اللحظة الفريدة التي بادر فيها مثقفون بفعل كان رد الفعل فيها من نصيب العائلة وكان رد فعل أمنيا وحشيا .. وهي لحظة خروج حركة إلي النور باسم كفاية.. حتي هذه اللحظة.. ارتدت الآن إلي نفس الفلك (عائلة فاعلة ونخبة استجابتها رفض إعلامي ليس إلا).. وربما يكون الإعلام هو أكثر المجالات التي يتجلي فيها هذا التفكك.. ففي المتابعة الإعلامية تجد دائما الخطوة الأولي هي من الولد وعائلته والخطوة الثانية تخطوها نخبة المثقفين المصريين الرافضين لهذا الاستيلاء العائلي علي مصر شعبا وإقليما وسيادة، في الإعلام.. أتاحت الفضائيات فرصة لكل مثقف كي يهذي بمفرده رافضا مخطط التوريث في نظام جمهوري.. ثم يقف الأمر عند هذا الحد.. عند (الرفض الإعلامي) للتوريث في الفضائيات والجرائد الجريئة المسماة في مصر بالصحافة المستقلة، لتتضح حقيقة وضعنا المؤلم.. نحن لا (نفعل) شيئا نحن فقط (نرفض) إعلاميا أن يرث (الولد) جمال مبارك ما تبقي من حطامنا، وهذه الحدود لحركة المثقفين المصريين تعرفها جيدا عائلة الولد.. لذلك لا تكترث لهم كثيرا وإن سببوا لها بعض الصداع غير القادر فعليا علي المس بأحلامها.. أحلامها التي تحولت إلي خطط تهدف إلي (حصر ملكية الشعب والإقليم والسيادة في عائلة وأنجال مبارك)، لكن مع ذلك لا يمكن بخس (هذيان المثقفين المصريين وعزفهم المنفرد) حقه.. فهو علي الأقل اضطر العائلة إلي تعديل خططها و(ابتكار أساليب استمالة جديدة) تحاول بها تهدئة هذيان المثقفين العاجزين.. حتي يمر ما سموه (مخطط التوريث)، من هذه الأساليب (الإلحاح الإعلامي) علي المواطن المصري حتي يتسرب إلي وعيه الظاهر والباطن بأن الوريث الولد يمثل الشباب والفكر الجديد.. وهو ما يدغدغ أحلام شعب (تتأخر حياته) بسبب هيمنة العجائز والشيوخ علي مقدراته بل وقدره، والإلحاح الإعلامي كذلك بأنه (لا يوجد في مصر بديل آخر مناسب) وغير ذلك من أساليب (تسريب) فكرة حلول مبارك الصغير محل مبارك الكبير إلي وعي المواطن.. باعتباره بديهيا وضروريا وقدريا، ومؤخرا قام الولد بخطوة أولي في اتجاه استمالة المواطنين والمثقفين إلي التسليم بهذا القدر.. في خطابه الأخير في مؤتمر حزب الأب الحاكم (ومن العجيب أن المثقفين المصريين يتحدثون عنه كخطاب رئاسي! وكأنهم أنفسهم قبل مواطنيهم تسرب إلي وعيهم ما يحذرون منه!) قام مبارك الابن بتفجير قنبلته النووية في وجه الإعلام والمواطن والعالم.. كان يتحدث بثقة وتمكن عن حاجة مصر إلي تدشين مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة، تشاهده وأنت تعرف أنه يكذب وتعرف أنه يعرف أنك لا تصدقه.. كل المثقفين المصريين تقريبا كشفوه وعرفوا أنها محاولة لاستمالة المواطنين باللعب علي حلم مصر الشعبي الكامن حتي في نفوس البعيدين عن هذيان السياسة.. بأن تكون لهم دولة قوية متقدمة يفخرون بها وليس حطام دولة يسجنون فيها أو يخجلون منها أو يساقون باسمها كالقطيع.. والمفاعلات النووية هي الرمز لقوة الدول وتقدمها.. المواطنون أنفسهم كشفوه وابتكروا فورا النكات المضادة.. لكنهم لا يصلون إلي الإعلام بنفس سهولة وصول المثقفين إليه.. هؤلاء المثقفون الرافضون انهمكوا في الفضائيات في فضح نوايا مخطط التوريث..
وهو الأمر الذي دأبوا عليه منذ سنوات بلا جدوي، بل وزاد الأمر أن اشتبكوا مع رجال الولد الوريث في برامج حوارية مباشرة علي الهواء.. عبد الحليم قنديل وهو أبرز مثقفي مصر الذين تصدوا إعلاميا باكرا جدا لمسألة التوريث.. اشتبك مع رجال الولد الإعلاميين إلي درجة الوصول إلي عراك وتبادل الشتائم علي الهواء في قناة أوربت، وجهاد عودة وهو واحد من رجال الولد رد في برنامج ما وراء الخبر علي قناة الجزيرة علي المثقفين المصريين الذين يتهمون جمال باللعب النووي علي أحلام شعب كي يرثه.. فقال: ولا استمالة ولا حاجة الحكاية إننا في أزمة اقتصادية استوجبت البحث عن وسائل بديلة للطاقة .. أزمة اقتصادية؟!.. صح النوم!، أما البرامج المتاحة للمواطن ومنها برنامج منبر الجزيرة فقد بدا واضحا في كلمات المشاهدين المتصلين أن ذلك الشعب المصري هو باختصار (شعب تائه).. لا مثقفوه قادرون علي تنظيم قوته الكامنة ولا هو قادر علي الرد علي ما يحاك له في الظلام وفي النور في الخفاء وفي العلن.. شيء يثير اليأس، لم يبق إلا أن ينضم المثقفون المصريون إذا اكتمل يأسهم إلي مواطنيهم في مقاعد المتفرجين أو (يبقوا في بيوتهم) كما قال الكاتب والأديب بهاء طاهر شاكيا من وحشية الأمن وفقدان الطريق، ولم يبق إلا تبادل النكات مع أفراد شعب مأزوم اعتاد السخرية من عجزه دون أن يكلف نفسه (شقاء التمرد).. أحد المواطنين يعمل بقالا ولا يعرف القراءة والكتابة سمع في المقهي أناسا يتحدثون عن (النووي)! قال لهم بأسلوبه الشعبي البسيط: هو يعني المنوي ده بيعمل إيه بالضبط وماله ومال السياسة؟! فرد عليه أحدهم وهو يسحب دخان شيشته: بيطلع منه كهربا.. قالوا كده في التليفزيون.. واحنا يعني محتاجين يعني كهربا كتير عشان المصانع وخلافه كنت أنصت للحديث الدائر عن قرب.. قال الأول: ومين بقي شريك المحروس جمال في مشروع المنوي ده؟ فحاول أحدهم أن يصلح له: منوي يا راجل يا طيب؟! منوي؟!.. اسمه نووي.. نووي.. زي اللي عند أحمد زويل والناس دي)، ما بين الحديث عن (جمال المنوي) بين البسطاء والحديث عن (جمال النووي) بين المثقفين.. تستمر التفسيرات والشروح في تفصيل ما يدور في صحن الدار والسطوح!.. لكن فعليا.. لا شيء إلا الكلام.. بينما يمضي المخطط إلي مبتغاه متحينا أي فرصة مواتية يكون فيها الناس مأخوذين بالكلام.. علي المقهي وبينما يستمر بعض الرواد في الحديث عن (الولد المنوي النووي) تذكرت قصة فأر كان يريد المرور من بين جمع من الناس.. يُخرج رأسه من الجحر فإذا وجدهم منتبهين يرتد إلي الوراء دون أن يلغي الفكرة.. حتي وجدهم في إحدي مناوراته منهمكين في الهذيان والكلام والاشتباك.. ببساطة شديدة.. وذيله يتمايل يمينا ويسارا... مرّ !