المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أسرار ترتيب القرآن الكريم


مريام المصري
06-09-2006, 10:30
سورة الفاتحة
افتتـــح سبحانــــه كتابــــه بهــــذه الســــورة لأنهــــا جمعــــت مقاصــــد القــــرآن ولذلــــك كــــان مــــن أسمائهــــا‏:‏ أم
القرآن وأم الكتاب والأساس فصارت كالعنوان وبراعة الاستهلال
قـــال الحســـن البصـــري‏:‏ إن اللـــه أودع علـــوم الكتـــب السابقـــة فـــي القــــرآن ثــــم أودع علــــوم القــــرآن فــــي
المفصــل ثــم أودع علــوم المفصــل فــي الفاتحــة فمــن علــم تفسيرهــا كــان كمــن علــم تفسيــر جميـــع الكتـــب
المنزلة أخرجه البيهقي في شعب الإيمان
وبيــان اشتمالهــا علــى علــوم القــرآن قــرره الزمخشــري باشتمالهــا علــى الثنـــاء علـــى اللـــه بمـــا هـــو أهلـــه
وعلى التعبد والأمر والنهي وعلى الوعد والوعيد وآيات القرآن لا تخرج عن هذه الأمور
قال الإمام فخر الدين‏:‏ المقصود من القرآن كله تقرير أمور أربعة‏:‏
الإلهيـــات والمعـــاد والنبـــوات وإثبـــات القضـــاء والقــــدر فقولــــه‏:‏ ‏)‏الحمــــدُ للَــــهِ رَبِ العالميــــن‏(‏ يــــدل علــــى
الإلهيــات وقولــه‏:‏ ‏)‏مالــكِ يــومِ الديــن‏(‏ يــدل علــى نفــي الجبــر وعلــى إثبــات أن الكــل بقضــاء اللـــه وقـــدره
وقولـه ‏)‏إِهدِنـا الصِـراطَ المُستَقيـم‏(‏ إلــى آخــر الســورة يــدل علــى إثبــات قضــاء اللــه وعلــى النبــوات فقــد
اشتملت هذه السورة على المطالب الأربعة التي هي المقصد الأعظم من القرآن
===
وقــال البيضــاوي‏:‏ هــي مشتملــة علــى الحكــم النظريـــة والأحكـــام العمليـــة التـــي هـــي سلـــوك الصـــراط
المستقيم والإطلاع على مراتب السعداء ومنازل الأشقياء
وقــال الطيبــي‏:‏ هــي مشتملــة علــى أربعــة أنـــواع مـــن العلـــوم التـــي هـــي منـــاط الديـــن‏:‏ أحدهـــا‏:‏ علـــم
الأصــــول ومعاقــــدة معرفــــة اللــــه عــــز وجــــل وصفاتــــه وإليهــــا الإشــــارة بقولــــه‏:‏ ‏)‏رَبِ العالميــــن الرحمـــــن
الرحيم‏(‏ ومعرفة المعاد وهو ما إليه بقوله‏:‏ ‏)‏مالكِ يومِ الدين‏(‏
وثانيهـــا‏:‏ علـــم مـــا يحصـــل بـــه الكمـــال وهـــو علـــم الأخلـــاق وأجلـــه الوصـــول إلــــى الحضــــرة الصمدانيــــة
والإلتجـــاء إلـــى جنـــاب الفردانيـــة والسلـــوك لطريقـــة الاستقامــــة فيهــــا وإليــــه الإشــــارة بقولــــه‏:‏ ‏)‏أَنعمــــتَ
عَليهِم غَيرِ المعضوبِ عليهم ولا الضالين‏(‏
قـــال‏:‏ وجميـــع القـــرآن تفصيـــل لمـــا أجملتـــه الفاتحـــة فإِنهـــا بنيـــت علـــى إجمـــال مـــا يحويـــه القـــرآن مفصــــلاً
فإنهــا واقعــة فــي مطلــع التنزيــل والبلاغــة فيــه‏:‏ أن تتضمــن مــا سيــق الكلــام لأجلــه ولهــذا لا ينبغـــي أن
يقيد شيء من كلماتها ما أمكن الحمل على الإطلاق
وقال الغزالي في ‏)‏خواص القرآن‏(‏‏:‏ مقاصد القرآن ستة ثلاثة مهمة وثلاثة تتمة
الأولــى‏:‏ تعريــف المدعــو إليــه كمــا أشيــر إليــه بصدرهــا وتعريــف الصـــراط المستقيـــم وقـــد صـــرح بـــه
فيها وتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى وهو الآخرة كما أشير إليه بقوله‏:‏ ‏)‏مالكِ يومِ الدين‏(‏
===
والأخــرى‏:‏ تعريــف أحـــوال المطيعيـــن كمـــا أشـــار إليـــه بقولـــه ‏)‏الذيـــنَ أَنعمـــتَ عَليهِـــم‏(‏ وتعريـــف منـــازل
الطريق كما أشير إليه بقوله‏:‏ ‏)‏إِياكَ نَعبُدُ وإِياكَ نَستَعين‏(‏
سورة البقرة
قـــال بعـــض الأئمـــة‏:‏ تضمنـــت ســـورة الفاتحـــة‏:‏ الإقـــرار بالربوبيــــة والالتجــــاء إليهــــا فــــي ديــــن الإسلــــام
والصيانـــة عـــن ديـــن اليهــــود والنصــــارى وســــورة البقــــرة تضمنــــت قواعــــد الديــــن وآل عمــــران مكملــــة
لمقصودها
فالبقـــرة بمنزلـــة إقامـــة الدليـــل علـــى الحكـــم وآل عمـــران بمنزلـــة الجـــواب عـــن شبهــــات الخصــــوم ولهــــذا
ورد فيها كثير من المتشابه لما تمسك به النصارى
فأوجـب الحـج فـي آل عمـران وأمـا فــي البقــرة فذكــر أنــه مشــروع وأمــر بإتمامــه بعــد الشــروع فيــه وكــان
خطــاب النصــارى فــي آل عمــران كمــا أن خطــاب اليهــود فــي البقــرة أكثــر لــأن التــوراة أصــل والإنجيـــل
فــرع لهــا والنبــي صلــى اللــه عليــه وسلــم لمــا هاجــر إلــى المدينــة دعــا اليهــود وجاهدهــم وكــان جهــاده
للنصـارى فـي آخـر الأمـر كمـا كـان دعـاؤه لأهــل الشــرك قبــل أهــل الكتــاب ولهــذا كانــت الســور المكيــة
فيهــا الديــن الــذي اتفــق عليــه الأنبيــاء فخوطـــب بـــه جميـــع النـــاس والســـور المدنيـــة فيهـــا خطـــاب مـــن
===
أقــر بالأنبيــاء مــن أهــل الكتــاب والمؤمنيــن فخوطبــوا بيــا أهــل الكتــاب يــا بنــي إسرائيــل يـــا أيهـــا الذيـــن
آمنوا
وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس وهي نوعان‏:‏
مخلوقـــة للـــه ومقـــدورة لهـــم كالنســـب والصهـــر ولهـــذا افتتحـــت بقولـــه‏:‏ ‏)‏يــــا أَيُهــــا النَّــــاسُ اتَقــــوا رَبَكُــــم
الَـــذي خَلَقَكُــــم مِــــن نَفــــسٍ واحِــــدةٍ وخَلَــــقَ مِنهــــا زوجهــــا‏(‏ وقــــال‏:‏ ‏)‏فاتقــــوا اللَــــهَ الَــــذي تساءَلــــونَ بِــــهِ
والأَرحـــام‏(‏ إنظـــر إلـــى هـــذه المناسبـــة العجيبـــة والافتتـــاح وبراعـــة الاستهلـــال حيــــث تضمنــــت الآيــــة
المفتتـــح بهــــا مــــا فــــي أكثــــر الســــورة مــــن أحكــــام‏:‏ مــــن نكــــاح النســــاء ومحرماتــــه والمواريــــث المتعلقــــة
بالأرحـــام وأن ابتـــداء هـــذا الأمـــر بخلـــق آدم ثـــم خلــــق زوجتــــه منــــه ثــــم بــــث منهمــــا رجــــالاً كثيــــراً
ونساء في غاية الكثرة
أمــــا المائــــدة فســــورة العقــــود تضمنــــت بيــــان تمــــام الشرائــــع ومكملــــات الديــــن والوفــــاء بعهــــود الرســــل
ومــا أخــذ علــى الأمــة ونهايــة الديــن فهــي ســورة التكميــل لـــأن فيهـــا تحريـــم الصيـــد علـــى المحـــرم الـــذي
هــو مــن تمـــام الإحـــرام وتحريـــم الخمـــر الـــذي هـــو مـــن تمـــام حفـــظ العقـــل والديـــن وعقوبـــة المعتديـــن مـــن
الســراق والمحاربيــن الــذي هــو مــن تمــام حفـــظ الدمـــاء والأمـــوال وإحلـــال الطيبـــات الـــذي هـــو مـــن تمـــام
عبـــادة اللـــه ولهـــذا ذكـــر فيهـــا مـــا يختـــص بشريعـــة محمـــد صلـــى اللـــه عليــــه وسلــــم والتيمــــم والحكــــم
===
بالقـرآن علـى كـل ذي ديـن ولهــذا كثــر فيهــا لفــظ الإكمــال والإتمــام وذكــر فيهــا‏:‏ أن مــن ارتــد عــوض اللــه
بخيــر منـــه ولا يـــزال هـــذا الديـــن كامـــلاً ولهـــذا ورد أنهـــا آخـــر مـــا نـــزل لمـــا فيهـــا مـــن إرشـــادات الختـــم
والتمام وهذا الترتيب بين هذه السور الأربع المدنيات من أحسن الترتيب‏:‏ انتهى
وقــال بعضهــم‏:‏ افتتحــت البقــرة بقولــه‏:‏ ‏)‏أَلَــم ذَلِــكَ الكِتـــابُ لا ريـــبَ فيـــهِ‏(‏ فإنـــه إشـــارة إلـــى الصـــراط
المستقيـم فـي قولـه فـي الفاتحـة‏:‏ ‏)‏إهدِنـا الصِـراطَ المُستَقيــم‏(‏ فإنهــم لمــا سألــوا اللــه الهدايــة إلــى الصــراط
المستقيـــم قيـــل لهـــم‏:‏ ذلـــك الصـــراط الـــذي سألتهـــم الهدايـــة إليـــه كمـــا أخـــرج ابـــن جريــــر وغيــــره مــــن
حديــث علــى مرفوعــاً‏:‏ ‏)‏الصِـــراطَ المُستَقيـــم كتـــاب اللـــه‏(‏ وأخرجـــه الحاكـــم فـــي المستـــدرك عـــن ابـــن
مسعود موقوفاً
وهذا معنى حسن يظهر فيه سر ارتباط البقرة بالفاتحة
وقـــال الخوبـــي‏:‏ أوائــــل هــــذه الســــورة مناسبــــة لأواخــــر ســــورة الفاتحــــة لــــأن اللــــه تعالــــى لمــــا ذكــــر أن
الحامديــن طلبـــوا الهـــدى قـــال‏:‏ قـــد أعطيتكـــم مـــا طلبتـــم‏:‏ هـــذا الكتـــاب هـــدى لكـــم فاتبعـــوه وقـــد
اهتديتم إلى الصراط المستقيم المطلوب المسئول
ثــم إنــه ذكــر فــي أوائــل هــذه الســورة الطوائــف الثلــاث الذيــن ذكرهــم فـــي الفاتحـــة‏:‏ فذكـــر الذيـــن علـــى
هــدى مــن ربهــم وهــم المنعــم عليهــم والذيــن اشتــروا الضلالــة بالهـــدى وهـــم الضالـــون‏:‏ والذيـــن بـــاءوا
===
أقول‏:‏ قد ظهر لي بحمد الله وجوهاً من هذه المناسبات‏:‏
أحدهـــا‏:‏ أن القاعـــدة التـــي استقـــر بهـــا القـــرآن‏:‏ أن كـــل ســـورة تفصيـــل لإجمـــال مـــا قبلهـــا وشـــرح لــــه
وإطنــاب لإيجــازه وقــد استقــر معــي ذلــك فــي غالــب ســور القــرآن طويلهـــا وقصيرهـــا وســـورة البقـــرة
قد اشتملت على تفصيل جميع مجملات الفاتحة
فقولــه‏:‏ الحمــد للــه تفصيلــه‏:‏ مــا وقــع فيهــا مــن الأمــر بالذكــر فــي عـــدة آيـــات ومـــن الدعـــاء فـــي قولـــه‏:‏
‏)‏أُجيــبُ دَعــوَةَ الــداعِ إِذا دعــان‏(‏ وفــي قولــه‏:‏ ‏)‏ربَنــا لا تؤَاخِذنــا إِن نَسينــا أَو أَخطأَنـــا ربَنـــا ولا تَحمِـــل
عَلينـا إِصـراً كَمـا حَملتَـهُ عَلـى الذيـنَ مِـن قبلِنــا ربَنــا ولا تُحمِلُنــا مــالا طاقــةَ لنــا بِــه واعــفُ عنَّــا واغفِــر
لنـــا وارحمنـــا أَنـــتَ مَولانـــا فانصُرنـــا عَلـــى القـــومِ الكافريـــن‏(‏ وبالشكـــر فـــي قولــــه‏:‏ ‏)‏فاذكُرونــــي أَذكُركُــــم
واشكُروا لي ولا تكفرون‏(‏
وقولـه‏:‏ ‏)‏ربِ العالميـن‏(‏ تفصيلــه قولــه‏:‏ ‏)‏اعبُــدوا ربَكُــم الــذي خلَقَكُــم والذيــنَ مِــن قبلِكُــم لعَلَكُــم تَتَقــون
الـذي جَعَـلَ لَكُـم الـأرضَ فِراشـاً والسمــاء بنــاءً وأَنــزل مِــنَ السمــاءِ مــاءً فأخــرج بــه الثمــرات رزقــاً لكــم
فـلا تجعلـوا للـه أنـداداً وأَنتـم تعلمـون‏(‏ وقولـه‏:‏ ‏)‏هـوَ الــذي خَلــقَ لَكُــم مــا فــي الــأَرض جميعــاً ثُــمَ استــوى
إِلى السماءِ فسواهن سبع سمواتٍ وَهوَ بكُلِ شيءٍ عليم‏(‏
ولذلـــك افتتحهـــا بقصـــة خلـــق آدم الـــذي هـــو مبـــدأ البشـــر وهـــو أشـــرف الأنـــواع مـــن العالميـــن وذلــــك

مريام المصري
06-09-2006, 10:32
===
وقولـه‏:‏ ‏)‏الرحمـن الرحيـم‏(‏ قـد أومـأ إليــه بقولــه فــي قصــة آدم‏:‏ ‏)‏فتــابَ عليكُــم إِنــه هــوَ التــوابُ الرَحيــم‏(‏
وفــي قصــة إبراهيــم لمــا ســأل الــرزق للمؤمنيـــن خاصـــة بقولـــه‏:‏ ‏)‏وارزق أَهلـــه مِـــن الثمـــرات مِـــن آمـــن‏(‏
فقال‏:‏ ‏)‏ومَن كَفرَ فأَمتعه قليلاً‏(‏
وذلـك لكونـه رحمانـاً ومـا وقـع فـي قصـة بنـي إسرائيـل‏:‏ ‏)‏ثــم عفونــا عنكــم‏(‏ إلــى أن أعــاد الآيــة بجملتهــا
فــي قولــه‏:‏ ‏)‏لا إِلــه إِلا هــو الرحمَــن الرَحيــم‏(‏ وذكــر آيــة الديــن إرشــاداً للطالبيــن مــن العبـــاد ورحمـــة بهـــم
ووضــع عنهــم الخطــأ والنسيــان والإصــر ومــا لا طاقــة لهــم بــه وختــم بقولــه‏:‏ ‏)‏واعــفُ عنَّــا واغفِــر لَنـــا
وارحمنـا‏(‏ وذلـك شــرح قولــه‏:‏ ‏)‏الرحمَــنُ الرحيــم‏(‏ وقولــه‏:‏ ‏)‏مالــكِ يــومِ الديــن‏(‏ تفصيلــه‏:‏ مــا وقــع مــن ذكــر
يــوم القيامــة فــي عــدة مواضــع ومنهــا قولــه‏:‏ ‏)‏إن تبــدوا مـــا فـــي أَنفُسَكُـــم أَو تخفـــوهُ يُحاسِبُكُـــم بـــه اللـــه
والدين في الفاتحة‏:‏ الحساب في البقرة
وقولـــه‏:‏ ‏)‏إِيـــاك نعبُـــدُ‏(‏ مجمـــل شامـــل لجميـــع أنــــواع الشريعــــة الفروعيــــة وقــــد فصلــــت فــــي البقــــرة أبلــــغ
تفصيــــــل فذكــــــر فيهــــــا فذكــــــر فيهــــــا‏:‏ الطهــــــارة والحيــــــض والصلــــــاة والاستقبــــــال وطهــــــارة المكـــــــان
والجماعــــــــة وصلــــــــاة الخــــــــوف وصلــــــــاة الجمــــــــع والعيــــــــد والزكــــــــاة بأنواعهـــــــــا كالنبـــــــــات والمعـــــــــادن
والاعتكــــــاف والصــــــوم وأنـــــــواع الصدقـــــــات والبـــــــر والحـــــــج والعمـــــــرة والبيـــــــع والإجـــــــارة والميـــــــراث
والوصيـــــة والوديعـــــة والنكــــــاح والصــــــداق والطلــــــاق والخلــــــع والرجعــــــة والإيــــــلاء والعــــــدة والرضــــــاع
===
والنفقــــــات والقصــــــاص والديــــــات وقتــــــال البغــــــاة والــــــردة والأشربــــــة والجهـــــــاد والأطعمـــــــة والذبائـــــــح
والأيمان والنذور والقضاء والشهادات والعتق
فهذه أبواب الشريعة كلها مذكورة في هذه السورة
وقولــه‏:‏ ‏)‏وإِيـــاكَ نستعيـــن‏(‏ شامـــل لعلـــم الأخلـــاق وقـــد ذكـــر منهـــا فـــي هـــذه الســـورة الجـــم الغفيـــر مـــن
التوبة والصبر والشكر والرضى والتفويض والذكر والمراقبة والخوف وإلانة القول
وقولــه‏:‏ ‏)‏إهدنــا الصــراط المستقيــم‏(‏ إلــى آخــره تفصيلــه‏:‏ مــا وقــع فــي الســورة مــن ذكــر طريــق الأنبيـــاء
ومـن حـاد عنهـم مـن النصـارى ولهـذا ذكـر فـي الكعبــة أنهــا قبلــة إبراهيــم فهــي مــن صــراط الذيــن أنعــم
عليهـــم وقـــد حـــاد عنهـــا اليهـــود والنصـــارى معـــاً ولذلـــك قـــال فـــي قصتهـــا‏:‏ ‏)‏يَهـــدي مَــــن يشــــاء إِلــــى
صراطٍ مُستَقيم‏(‏ تنبيهاً على أنها الصراط الذي سألوا الهداية إليه
ثـــم ذكـــر‏:‏ ‏)‏ولئِـــن أَتيـــت الذيـــن أَوتـــوا الكتـــاب بكـــل آيـــة مـــا تبعــــوا قبلتــــك‏(‏ وهــــم المغضــــوب عليهــــم
والضالـون الذيـن حــادوا عــن طريقهــم ثــم أخبــر بهدايــة الذيــن آمنــوا إلــى طريقهــم ثــم قــال‏:‏ ‏)‏واللــه يهــدي
مَـن يشـاء إِلـى صـراطٍ مستقيـم‏(‏ فكانـت هاتـان الآيتـان تفصيـل إجمــال ‏)‏إِهدِنــا الصِــراطَ المُستقيــم‏(‏ إِلــى
آخر السورة
وأيضـاً قولـه أول السـورة‏:‏ ‏)‏هـدىً للمُتقيـن‏(‏ إِلــى آخــره فــي وصــف الكتــاب إخبــار بــأن الصــراط الــذي
===
سألــوا الهدايــة إليــه هــو‏:‏ مـــا تضمنـــه الكتـــاب وإنمـــا يكـــون هدايـــة لمـــن اتصـــف بمـــا ذكـــر مـــن صفـــات
المتقيــن ثـــم ذكـــر أحـــوال الكفـــرة ثـــم أحـــوال المنافقيـــن وهـــم مـــن اليهـــود وذلـــك تفصيـــل لمـــن حـــاد عـــن
الصراط المستقيم ولم يهتد بالكتاب
وكذلـــك قولـــه هنـــا‏:‏ ‏)‏قولـــوا آمنَّـــا باللَـــهِ ومـــا أَنـــزَلَ إِلينـــا إِلـــى إِبراهيـــم وإِسماعيــــل وإِسحــــاق ويعقــــوب
والأَسبــاط‏(‏ فيــه تفصيــل النبييــن المنعــم عليهــم وقــال فــي آخرهــا‏:‏ ‏)‏لا نُفَــرِقُ بيــنَ أحــدٍ مِنهُـــم‏(‏ تعريفـــاً
بالمغضـوب عليهـم والضاليـن الذيـن فرقـوا بيـن الأنبيـاء وذلـك عقبهـا بقولـه‏:‏ ‏)‏فـإِن آمَنـوا بمِثـلِ مــا آمنتُــم بــهِ
فقد اهتدوا‏(‏ أي‏:‏ إلى الصراط المستقيم صراط المنعم عليهم كما اهتديتم
فهذا ما ظهر لي والله أعلم بأسرار كتابه
الوجـــه الثانـــي‏:‏ أن الحديـــث والإجمـــاع علـــى تفسيـــر المغضـــوب عليهــــم باليهــــود والضاليــــن بالنصــــارى
وقـد ذكـروا فـي سـورة الفاتحـة علـى حسـب ترتيبهـم فــي الزمــان فعقــب بســورة البقــرة وجميــع مــا فيهــا
من خطاب أهل الكتاب لليهود خاصة وما وقع فيها من ذكر الصارى لم يقع بذكر الخطاب
ثــم عقبــت البقــرة بســورة آل عمــران وأكثــر مــا فيهــا مــن خطــاب أهـــل الكتـــاب للنصـــارى فـــإن ثمانيـــن
آيــة مــن أولهــا نازلــة فــي وقــد نصــارى نجــران كمــا ورد فــي سبــب نزولهـــا وختمـــت بقولـــه‏:‏ ‏)‏وإِنَّ مِـــن
أهــلِ الكتــاب لمــن يؤمــن باللـــه‏(‏ وهـــي فـــي النجاشـــي وأصحابـــه مـــن مؤمنـــي النصـــارى كمـــا ورد بـــه
===
الحديـث وهـذا وجـه بديـع فـي ترتيـب السورتيـن كأنـه لمـا ذكـر فـي الفاتحـة الفريقيـن قـص فــي كــل ســورة
ممــا بعدهــا حـــال كـــل فريـــق علـــى الترتيـــب الواقـــع فيهـــا ولهـــذا كـــان صـــدر ســـورة النســـاء فـــي ذكـــر
اليهود وآخرها في ذكر النصارى
الوجـــه الثالـــث‏:‏ أن ســـورة البقـــرة أجمـــع ســــور القــــرآن للأحكــــام والأمثــــال ولهــــذا سميــــت فــــي أثــــر‏:‏
فسطاط القرآن الذي هو‏:‏ المدينة الجامعة فناسب تقديمها على جميع سوره
الوجه الرابع‏:‏ أنها أطول سورة في القرآن وقد افتتح بالسبع الطوال فناسب البداءة بأطولها
الوجه الخامس‏:‏ أنها أول سورة نزلت بالمدينة فناسب البداءة بها فإن للأولية نوعاً من الأولوية
الوجــه الســادس‏:‏ أن ســورة الفاتحــة كمــا ختمــت بالدعــاء للمؤمنيــن بــألا يسلــك بهـــم طريـــق المغضـــوب
عليهـم والا الضاليـن إجمـالاً ختمـت سـورة البقـرة بالدعـاء بـألا يسلـك بهـم طريقهـم فــي المؤاخــذة بالخطــأ
والنسيـــان وحمـــل الإصـــر ومـــالا طاقـــة لهـــم بـــه تفصيـــلاً وتضمـــن آخرهـــا أيضـــاً الإشـــارة إلـــى طريـــق
المغضـوب عليهـم والضاليـن بقولـه‏:‏ ‏)‏لا نُفَـرِقُ بيـنَ أَحــدٍ مِنهُــم‏(‏ فتآخــت السورتــان وتشابهتــا فــي المقطــع
وذلـك مـن وجـوه المناسبـة فـي التتالـي والتناسـق وقـد ورد فـي الحديـث التأميـن فـي آخــر ســورة البقــرة
كما هو مشروع في آخر الفاتحة فهذه ستة وجوه ظهرت لي ولله الحمد والمنة
===
قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها
قــال الإمــام‏:‏ لمــا كانــت هــذه الســورة قرينــة ســورة البقـــرة وكالملكـــة لهـــا افتتحـــت بتقريـــر مـــا افتتحـــت
به تلك وصرح في منطوق مطلعها بما طوى في مفهوم تلك
وأقول‏:‏ قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات
أحدهـا‏:‏ مراعـاة القاعـدة التــي قررتهــا مــن شــرح كــل ســورة لإجمــال مــا فــي الســورة قبلهــا وذلــك هنــا
في عدة مواضع
منهــا‏:‏ مــا أشــار إليــه الإمــام فــإن أول البقــرة افتتــح بوصـــف الكتـــاب بأنـــه لا ريـــب فيـــه وقـــال فـــي آل
عمران‏:‏ ‏)‏نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بينَ يديه‏(‏‏:‏ وذاك بسط وإطناب لنفي الريب عنه
ومنهـا‏:‏ أنـه ذكــر فــي البقــرة إنــزال الكتــاب مجمــلاً وقسمــه هنــا إلــى آيــات محكمــات ومتشابهــات لا يعلــم
تأويلها إلا الله
ومنهــا‏:‏ أنــه قــال فــي البقــرة‏:‏ ‏)‏واللَــهُ يؤتــي ملكــه مــن يشــاء‏(‏ وقــال هنــا‏:‏ ‏)‏قُـــل اللهـــم مالـــك الملـــك تؤتـــي
الملـك مــن تشــاء وتنــزع الملــك ممــن تشــاء وتعــز مــن تشــاء وتــذل مــن تشــاء بيــدك الخيــر إنــك علــى كــل
شيء قدير‏(‏ فزاد إطناباً وتفصيلاً
ومنهـــا‏:‏ أنـــه حـــذر مـــن الربـــا فـــي البقـــرة ولـــم يـــزد علـــى لفـــظ الربـــا إيجـــازاً وزاد هنـــا قـــول ‏)‏أضعافـــاً
===
ومنهـا‏:‏ أنــه قــال فــي البقــرة‏:‏ ‏)‏وأَتمــوا الحــج‏(‏ وذلــك إنمــا يــدل علــى الوجــوب إجمــالاً وفصلــه هنــا بقولــه‏:‏
‏)‏وللــهِ علــى النــاس حــج البيــت‏(‏ وزاد‏:‏ بيــان شــرط الوجــوب بقولــه‏:‏ ‏)‏ومَــن كفـــرَ فـــإِن اللَـــهَ غنـــيٌ عَـــن
العالمين‏(‏
ومنهـا‏:‏ أنـه قـال فـي البقـرة فـي أهــل الكتــاب‏:‏ ‏)‏ثــم توليتــم إلا قليــلاً منكــم‏(‏ فأجمــل القليــل وفصلــه هنــا
بقوله‏:‏ ‏)‏ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون
ومنهــا‏:‏ أنــه قــال فــي البقــرة‏:‏ ‏)‏قُــل أَتحاجونــا فــي اللــه وهــوَ رَبَنــا وربُكُــم ولنــا أَعمالنـــا ولكُـــم أَعمالكـــم
ونحـن لـه مخلصـون‏(‏ فــدل بهــا علــى تفضيــل هــذه الأمــة علــى اليهــود تعريضــاً لا تصريحــاً وكذلــك قولــه‏:‏
‏)‏وكذلِـكَ جعلناكُـم أُمـةٌ وسطـاً‏(‏ فـي تفضيـل هـذه الأمـة علــى سائــر الأمــم بلفــظ فيــه يسيــر إبهــام وأتــى
فـي هـذه بصريـح البيـان فقـال‏:‏ ‏)‏كنتُـم خيـرَ أُمـةٌ أُخرجَـت للنـاس‏(‏ فقولـه‏:‏ ‏)‏كنتُـم‏(‏ أصـرح فــي قــدم ذلــك
من ‏)‏جعلناكم‏(‏ ثم وزاد وجه الخيرية بقوله‏:‏ ‏)‏تأمرونَ بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله‏(‏
ومنهــا‏:‏ أنــه قــال فــي البقـــرة‏:‏ ‏)‏ولَـــا تأَكلـــوا أَموالكُـــم بينكـــم بالباطـــل وتدلـــوا بهـــا إلـــى الحكـــام‏(‏ وبســـط
الوعيـد هنـا بقولـه‏:‏ ‏)‏إنَّ الذيـنَ يَشتـرونَ بعهـدِ اللـه وأَيمانهـم ثمنــاً قَليــلاً أُولئــكَ لا خلــاقَ لهُــم فــي الآخــرة‏(‏
وصــدره بقولــه‏:‏ ‏)‏وإِنَّ مِــن أَهــلِ الكتــاب مــن إن تأمنــه بقنطــار يــؤده إِليــك ومنهــم مــن إن تأمنـــه بدينـــار
لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل

مريام المصري
06-09-2006, 10:33
===
الوجــه الثانـــي‏:‏ أن بيـــن هـــذه الســـورة وســـورة البقـــرة اتحـــاداً وتلاحمـــاً متأكـــداً لمـــا تقـــدم مـــن أن البقـــرة
بمنزلـة إزالـة الشبهــة ولهــذا تكــرر هنــا مــا يتعلــق بالمقصــود الــذي هــو بيــان حقيقــة الكتــاب‏:‏ مــن إنــزال
الكتـاب وتصديقـه للكتــب قبلــه والهــدى إلــى الصــراط المستقيــم وتكــررت هنــا آيــة‏:‏ ‏)‏قولــوا آمنــا باللــه
ومــا أَنــزل‏(‏ بكمالهــا ولذلــك أيضــاً ذكــر فــي هــذه مــا هــو تــال لمــا ذكــر فـــي تلـــك أو لـــازم فـــي تلـــك أو
لازم له
فذكـر هنــاك خلــق النــاس وذكــر هنــا تصويرهــم فــي الأرحــام وذكــر هنــاك مبــدأ خلــق آدم وكــذر هنــا
مبــدأ خلــق اولــاده وألطــف مـــن ذلـــك‏:‏ أنـــه افتتـــح البقـــرة بقصـــة آدم حيـــث خلقـــه مـــن غيـــر أب ولا أم
وذكـر فـي هـذه نظيـره فـي الخلـق مـن غيـر أب وهـو عيســى عليــه السلــام ولذلــك ضــرب لــه المثــل بــآدم
واختصــت البقــرة بـــآدم لأنهـــا أول الســـور وآدم أول فـــي الوجـــود وسابـــق ولأنهـــا الأصـــل وهـــذه كالفـــرع
والتتمة لها فمختصة بالإعراب والبيان
ولأنهــا خطــاب لليهــود الذيـــن قالـــوا فـــي مريـــم مـــا قالـــوا وأنكـــروا وجـــود ولـــد بـــلا أب ففوتحـــوا بقصـــة
آدم لتثبيت في أذهانهم فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشبهها من جنسها
ولــأن قصــة عيســى قيســت علــى قصــة آدم فـــي قولـــه‏:‏ ‏)‏كمثـــل آدم‏(‏ الآيـــة والمقيـــس عليـــه لا بـــد وأن
يكون معلوماً لتتم الحجة بالقياس فكانت قصة آدم والسورة التي هي فيها جديرة بالتقدم
===
ومــن وجــوه تلــازم السورتيــن‏:‏ أنــه قــال فــي البقــرة فــي صفــة النــار‏:‏ ‏)‏أُعِــدت للكافريـــنَ‏(‏ ولـــم يقـــل فـــي
الجنـة‏:‏ أعـدت للمتقيـن مــع افتتاحهــا بذكــر المتقيــن والكافريــن معــاً وقــال ذلــك فــي آخــر آل عمــران فــي
قوله‏:‏ ‏)‏جنَةٌ عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين‏(‏ فكان السورتين بمنزلة سورة واحدة
وبذلك يعرف أن تقديم آل عمران على النساء أنسب من تقديم النساء عليها
وأمــر آخــر استقرأتــه وهــو‏:‏ أنــه إذا وردت سورتــان بينهمـــا تلـــازم واتحـــاد فـــإن الســـورة الثانيـــة تكـــون
خاتمتها مناسبة لفاتحة الأولى للدلالة على الاتحاد
وفـــي الســـورة المستقلـــة عمـــا بعدهـــا يكـــون آخـــر الســـورة نفسهـــا مناســــب لأولهــــا وآخــــر آل عمــــران
مناســــب لــــأول البقــــرة فإنهــــا افتتحــــت بذكــــر المتقيــــن وأنهــــم المفلحــــون وختمــــت آل عمـــــران بقولـــــه‏:‏
‏)‏واتقوا الله لعلكم تفلحون‏(‏
وافتتحـــت القـــرة بقولـــه‏:‏ ‏)‏والذيـــنَ يؤمنـــونَ بمـــا أُنـــزلَ إِليـــكَ ومـــا أُنـــزلَ مـــن قبلــــك‏(‏ وختمــــت آل عمــــران
بقولــه‏:‏ ‏)‏وإِنَ مــن أَهــل الكتــاب لمــن يؤمــن باللــه ومــا أنــزل إليكــم ومــا أنــزل إليهــم‏(‏ فللـــه الحمـــد علـــى مـــا
ألهم
وقـــد ورد أنـــه لمـــا نزلـــت‏:‏ ‏)‏مـــن ذا الـــذي يقـــرض اللـــه قرضـــاً حسنــــاً‏(‏ قــــال اليهــــود‏:‏ يــــا محمــــد افتقــــر
ربــك فســأل القــرض عبــاده فنــزل قولــه‏:‏ ‏)‏لقــد سمِــعَ اللــه قــولَ الذيــنَ قالــوا إِنَّ اللــه فقيــر ونحـــنُ أَغنيـــاء‏(‏
===
ووقـع فـي البقـرة حكايـة عـن إبراهيـم‏:‏ ‏)‏ربنَّـا واربعـث فيهـم رسـولاً منهـم يتلـو عليهـم آياتــك‏(‏ ونــزل فــي
هــذه‏:‏ ‏)‏لقــد مــن اللــه علــى المؤمنيــن إذ بعــث فيهــم رســولاً مــن أَنفُسَهُــم يتلــو عليهــم‏(‏ وذلـــك أَيضـــاً مـــن
تلازم السورتين
سورة النساء
تقدمت وجوه مناسبتها
وأقول‏:‏ هذه السورة أيضاً شارحة لبقية مجملات سورة البقرة
فمنهــا‏:‏ أنــه أجمــل فــي البقــرة قولــه‏:‏ ‏)‏اعبــدوا ربَكُــم الــذي خلَقَكُــم والذيــنَ مِــن قبلِكُـــم لعلَكُـــم تتقـــون‏(‏
وزاد هنا‏:‏ ‏)‏حلَقَكُم مِن نفسٍ واحدة وخلقَ مِنها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً‏(‏
وانظر لما كانت آية التقوى في سورة البقرة غاية جعلها في أول هذه السورة التالية لها مبدأ
ومنهـا‏:‏ أنـه أجمـل فـي سـورة البقـرة‏:‏ ‏)‏أَسكُــن أَنــتَ وزوجــك الجنَّــة‏(‏ وبيــن هنــا أن زوجتــه خلقــت منــه
في قوله ‏)‏وخلقَ منها زوجها‏(‏
ومنهــا‏:‏ أنــه أجمــل فــي البقــرة آيــة اليتامــى وآيــة الوصيــة والميــراث والــوارث فـــي قولـــه‏:‏ ‏)‏وعلـــى الـــوارث
مثل ذلك‏(‏ وفصل ذلك في هذه السورة أبلغ تفصيل
===
وفصــل هنــا مــن الأنكحــة مـــا أجملـــه هنـــاك فإنـــه قـــال فـــي البقـــرة‏:‏ ‏)‏ولامـــه مؤمنـــةٌ خيـــرٌ مـــن مشركـــة‏(‏
فذكر نكاح الأمة إجمالاً وفصل هنا شروطه
ومنهــا‏:‏ أنــه ذكــر الصــداق فــي البقــرة مجمـــلاً بقولـــه‏:‏ ‏)‏ولا يحـــلُ لكُـــم أَن تأَخـــذوا ممـــا آتيتموهـــن شيئـــاً‏(‏
وشرحه هنا مفصلاً
ومنهـــا‏:‏ أنـــه ذكـــر هنـــاك الخلـــع وذكـــر هنـــا أسبابـــه ودواعيـــه مـــن النشـــوز ومــــا يترتــــب عليــــه وبعــــث
الحكمين
ومنهـــا‏:‏ أنـــه فصـــل هنـــا مـــن أحكـــام المجاهديـــن وتفضيلهـــم درجـــات والهجـــرة مـــا وقــــع هنــــاك مجمــــلاً
أو مرموزاً
وفيهــا مــن الاعتلــاق بســورة الفاتحــة‏:‏ تفسيــر‏:‏ ‏)‏الذيــنَ أَنعمــتَ عليهــم‏(‏ بقولــه‏:‏ ‏)‏مـــن النبييـــن والصديقيـــن
والشهداء والصالحين‏(‏
وأما وجه اعتلاقها بآل عمران فمن وجوه‏:‏
منهـــا‏:‏ أن آل عمـــران ختمـــت بالأمـــر بالتقـــوى وافتتحــــت هــــذه الســــورة بــــه وهــــذا مــــن أكبــــر وجــــوه
المناسبات في ترتيب السور وهو نوع من البديع يسمى‏:‏ تشابه الأطراف
ومنهــا أن ســورة آل عمــران ذكــر فيهــا قصــة أحــد مستوفــاة وذكــر فــي هــذه الســورة ذيلهــا وهــو قولــه‏:‏
===
‏)‏فمـا لكُـم فـي المنافقيـن فئتيـن‏(‏ فإنهــا نزلــت لمــا اختلــف الصحابــة فيمــن رجــع مــن المنافقيــن مــن غــزوة
أحد كما في الحديث
ومنهـا‏:‏ أن فـي آل عمـران ذكـرت الغـزوة التـي بعـد أحـد بقولـه‏:‏ ‏)‏الذيـن استجابـوا للــه والرســول مــن بعــد
مـا أَصابهُـم القـرح‏(‏ وأشيـر إليهـا هنــا بقولــه‏:‏ ‏)‏ولا تهنــوا فــي ابتغــاء القــوم إن تكونــوا تألمــون فإِنَهُــم يأَلمــونَ
كما تأَلمونَ‏(‏
وبهذيـن الوجيـن عــرف أن تأخيــر النســاء عــن آل عمــران أنســب مــن تقديمهــا عليهــا فــي مصحــف ابــن
مسعود لأن المذكور هنا ذيل ما في آل عمران ولاحقه وتابعه فكانت بالتأخير أنسب
ومنهـا‏:‏ أنـه ذكـر فـي آل عمـران قصــة خلــق عيســى بــلا أب وأقيمــت لــه الحجــة بــآدم وفــي ذلــك تبرئــة
لأمــه خلاقــاً لمــا زعــم اليهــود وتقريـــر لعبوديتـــه خلاقـــاً لمـــا ادعتـــه النصـــارى وذكـــر فـــي هـــذه الســـورة
الـرد علـى الفريقيـن معـاً‏:‏ فـرد علـى اليهــود بقولــه‏:‏ ‏)‏وقولِهِــم علــىَ مريــم بهتانــاً عظيمــاً‏(‏ وعلــى النصــارى
بقولــه‏:‏ ‏)‏لا تغلــو فــي دينكُــم ولا تقولــوا علــى اللــه إِلا الحــق إِنمــا المسيــح عيســـى بـــن مريـــم رســـول اللـــه
وكلمته أَلقاها إِلى مريم ورح منه‏(‏ إلى قوله‏:‏ ‏)‏لن يستنكف المسيح أَن يكون عبداً لله‏(‏
ومنهـا‏:‏ أنـه لمـا ذكـر فـي آل عمـران‏:‏ ‏)‏إِنـي متوفيـك ورافعــك إِلــى‏(‏ رد هنــا علــى مــن زعــم قتلــه بقولــه‏:‏
‏)‏وقولِهــم إِنَّــا قتلنــا المسيــح عيســى ابــن مريــم رســول اللــه ومــا قتلــوه ومــا صلبــوه ولكــن شبـــه لهـــم وإِن
===
الذيــن اختلفــوا فيــه لفــي شــك منــه مالهــم بــه مــن علــم إِلا اتبــاع الظــن ومــا قتلــوه يقينـــاً بـــل رفعـــه اللـــه
إِليه‏(‏
ومنهـا‏:‏ أنـه لمـا قـال فـي آل عمـران فـي المتشابــه‏:‏ ‏)‏والراسخــون فــي العلــم يقولــون آمنــا بــه كــل مــن عنــد
ربنا‏(‏ قال هنا‏:‏ ‏)‏لكن الراسخون في العلم والمؤمنون بما أُنزل إِليك‏(‏
ومنهـا أنـه لمـا قـال فــي آل عمــران‏:‏ ‏)‏زُيــنَ للنــاسِ حُــبَّ الشهــوات مــن النســاء والبنيــن والقناطيــر المقنطــرة
مــن الذهــب والفضــة والخيــل المسومــة والأنعــام والحــرث ذلــك متــاع الحيــاة الدنيــا‏(‏ فصــل هــذه الأشيــاء
فـي السـورة التـي بعدهـا علـى نسـق مــا وقعــت فــي الآيــة ليعلــم مــا أحــل اللــه مــن ذلــك فيقتصــر عليــه
وما حرم فلا يتعدى إليه لميل النفس إليه
فقـد جـاء فـي هـذه الســورة أحكــام النســاء ومباحاتهــا للإبتــداء بهــا فــي الآيــة السابقــة فــي آل عمــران
ولـم يحتـج إلـى تفصيـل البنيــن لــأن تحريــم البنيــن لــازم لا يتــرك منــه شــيء كمــا يتــرك مــن النســاء فليــس
فيهـم مبـاح فيحتـاج إلـى بيانــه ومــع ذلــك أشيــر إليهــم فــي قولــه‏:‏ ‏)‏وليخــشَ الذيــن لــو تركــوا مــن خلفهــم
ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً‏(‏
ثــم فصــل فــي ســورة المائــدة أحكــام الســراق وقطــاع الطريــق لتعلقهــم بالذهــب والفضـــة الواقعيـــن فـــي
الآية بعد النساء والبنين ووقع في سورة النساء إشارة إلى ذلك في قسمة المواريث
===
ثـم فصـل فـي سـورة الأنعـام أمـر الحيـوان والحـرث وهـو بقيـة المذكـور فـي آيـة آل عمـران فانظـر إلـى هــذه
اللطيفة التي من الله بإلهامها‏!‏
تـم ظهـر لـي أن سـورة النسـاء فصـل فيهــا ذكــر البنيــن أيضــاً لأنــه لمــا أخبــر بحــب النــاس لهــم وكــان مــن
ذلــك إيثارهــم علــى البنــات فــي الميــراث وتخصيصهــم بــه دونهــن تولــى قسمــة المواريــث بنفســه فقـــال‏:‏
‏)‏يوصيكـــم اللَـــهُ فـــي أَولادكـــم للذكـــر مثـــل حـــظ الأنثييـــن‏(‏ وقـــال‏:‏ ‏)‏للرجـــال نصيـــب ممـــا تـــرك الوالــــدان
والأقربــون وللنســاء نصيــب‏(‏ فــرد علــى مــا كانــوا يصنعــون مـــن تخصيـــص البنيـــن بالميـــراث لحبهـــم لهـــم
فكــان ذلــك تفصيــلاً لمــا يحــل ويحــرم مــن إيثــار البنيــن اللــازم عــن الحــب وفــي ضمــن ذلــك تفصيــل لمـــا
يحل للذكر أخذه من الذهب والفضة وما يحرم
ومـن الوجـوه المناسبـة لتقـدم آل عمــران علــى النســاء‏:‏ اشتراكهــا مــع البقــرة فــي الافتتــاح بإنــزال الكتــاب
وفـي الافتتـاح ب ‏)‏الـم‏(‏ وسائـر الســور المفتتحــة بالحــروف المقطعــة كلهــا مقترنــة كيونــس وتواليهــا ومريــم
وطــه والطواسيــن و ‏)‏الــم‏(‏ العنكبــوت وتواليهــا والحواميــم وفــي ذلــك أول دليــل علــى اعتبـــار المناسبـــة
في الترتيب بأوائل السور
ولـم يفـرق بيـن السورتيـن مـن ذلـك بمـا ليـس مبـدوءاً بـه ســوى بيــن الأعــراف ويونــس اجتهــاداً لا توقيفــاً
والفصل بالزمر بين ‏)‏حم‏(‏ غافر و ‏)‏ص‏(‏ وسيأتي

مريام المصري
06-09-2006, 10:35
===
‏)‏اقـــرءوا الزهراويـــن‏:‏ البقـــرة وآل عمـــران‏(‏ فكـــان افتتـــاح القـــرآن بهمـــا نظيــــر اختتامــــه بسورتــــي الفلــــق
والناس المشتركتين في التسمية بالمعوذتين

سورة المائدة

وقد تقدم وجه في مناسبتها
وأقــول‏:‏ هـــذه الســـورة أيضـــاً شارحـــة لبقيـــة مجملـــات ســـورة البقـــرة فـــإِن آيـــة الأطعمـــة والذبائـــح فيهـــا
أبسط منها في البقـرة وكـذا مـا أخرجـه الكفـار تبعـاً لآبائهـم فـي البقـرة موجـز وفـي هـذه السـورة مطنـب
أبلغ إطناب في قوله‏:‏ ‏)‏ما جعل اللَهُ مِن بحيرة ولا سائبة‏(‏
وفـــي البقـــرة ذكـــر القصـــاص فـــي القتلـــى وهنـــا ذكـــر أول مـــن ســـن القتـــل والسبـــب الـــذي لأجلـــه وقـــع
وقـال‏:‏ ‏)‏مـن أجـل ذلــك كتبنــا علــى بنــي إسرائيــل أنــه مــن قتــل نفســاً بغيــر نفــس أو فســاد فــي الــأَرض
فكأَنمـا قتـل النـاس جميعـاً ومـن أحياهـا فكأنمــا أحيــا النــاس جميعــاً وذلــك أبســط مــن قولــه فــي البقــرة‏:‏
‏)‏ولَكُم في القِصاص حياة‏(‏
وفــي البقــرة‏:‏ ‏)‏وإِذ قلنــا ادخلــوا هــذه القريــة‏(‏ وذكــر فــي قصتهــا هنــا‏:‏ ‏)‏فســوفَ يأَتــي اللَــهُ بقـــومٍ يحبهـــم
ويحبونه‏(‏
===
وفـي البقـرة قـال فـي الخمـر والميسـر‏:‏ ‏)‏فيهمـا إثـم كبيـر ومنافـع للنـاس وإِثمهمـا أَكبـر مـن نفعهمــا‏(‏ وزاد فــي
هذه السورة ذمها وصرح بتحريمها
وفيهـا مـن الاعتلـاق بسـورة الفاتحـة‏:‏ بيـان المغضـوب عليهـم والضاليـن فــي قولــه‏:‏ ‏)‏قــل هــل أَنبئكــم بشــر
مـن ذلـك مثوبـة عنـد اللـه مـن لعنـه اللـه وغضـب عليـه‏(‏ وقولـه‏:‏ ‏)‏قـد ضلـوا مــن قبــل وأَضلــوا عــن ســواء
السبيل‏(‏
وأمـا اعتلاقهـا بسـورة النســاء فقــد ظهــر لــي فيــه وجــه بديــع جــداً وذلــك أن ســورة النســاء اشتملــت
علـــى عـــدة عقـــود صريحـــاً وضمنـــا فالصريـــح‏:‏ عقـــود الأنكحـــة وعقـــد الصـــداق وعقـــد الحلـــف فـــي
قولــه‏:‏ ‏)‏والذيــن عقـــدت أيمانكـــم فآتوهـــم نصيبهـــم‏(‏ وعقـــد الأيمـــان فـــي هـــذه الآيـــة وبعـــد ذلـــك عقـــد
المعاهـدة والأمـان فــي قولــه‏:‏ ‏)‏إِلا الذيــنَ يصلــون إِلــى قــوم بينَكُــم وبينَهُــم ميثــاق‏(‏ وقولــه‏:‏ ‏)‏وإِن كــانَ مِــن
قومٍ بينكُم وبينهم ميثاق فدية‏(‏
والضمنــــى‏:‏ عقــــد الوصيــــة والوديعــــة والوكالــــة والعاريـــــة والإجـــــارة وغيـــــر ذلـــــك مـــــن الداخـــــل فـــــي
عمـوم قولـه‏:‏ ‏)‏إِن اللَـهُ يأَمُركُــم أَن تــؤدوا الأمانــات إِلــى أَهلهــا‏(‏ فناســب أن يعقــب بســورة مفتتحــة بالأمــر
بالوفـاء بالعقـود فكأنـه قيـل فـي المائــدة‏:‏ ‏)‏يــا أَيهــا الذيــن آمنــوا أَوفــوا بالعقــود‏(‏ التــي فــرغ مــن ذكرهــا فــي
السورة التي تمت فكان ذلك غاية في التلاحم والتناسب والارتباط
===
ووجــه آخــر فــي تقديــم ســورة النســاء وتأخيــر ســورة المائــدة وهــو‏:‏ أن تلـــك أولهـــا‏:‏ ‏)‏يـــا أَيهـــا النـــاس‏(‏
وفيها الخطاب بذلك في مواضع وهو أشبه بخطاب المكي وتقديم العام وشبه المكي أنسب
ثـم إن هاتيـن السورتيـن النسـاء والمائـدة فـي التقديـم والاتحـاد نظيـر البقـرة وآل عمـران فتلكمــا فــي تقريــر
الأصول من الوحدانية والكتاب والنبوة وهاتان في تقرير الفروع الحكمية
وقد ختمت المائدة بصفة القدرة كما افتتحت النساء بذلك
وافتتحــت النســاء ببــدء الخلــق وختمــت المائــدة بالمنتهــى مـــن البعـــث والجـــزاء فكأنمـــا ســـورة واحـــدة
اشتملت على الأحكام من المبتدأ إلى المنتهى
ولمـا وقـع فـي سـورة النسـاء‏:‏ ‏)‏إِنـا أَنزلنـا إِليـك الكتـاب بالحـق لتحكـم بيــن النــاس‏(‏ الآيــات فكانــت نازلــة
في قصة سارق سرق درعاً فصل في سورة المائدة أحكام السراق والخائنين
ولمـا ذكـر فـي سـورة النسـاء أنـه أنـزل إليـك الكتـاب لتحكـم بيـن النـاس ذكـر فـي سـورة المائـدة آيــات فــي
الحكم بما أنزل الله حتى بين الكفار وكرر قوله‏:‏ ‏)‏ومن لم يحكم بما أنزل الله‏(‏
فانظر إلى هذه السور الأربع المدنيات وحسن ترتيبها وتلاحمها وتناسقها وتلازمها
وقــد افتتحــت بالبقــرة التــي هــي أول مــا نــزل بالمدينــة وختمــت بالمائـــدة التـــي هـــي آخـــر مـــا نـــزل بهـــا
كما في حديث الترمذي
===
قـــال بعضهـــم‏:‏ مناسبـــة هـــذه الســـورة لآخـــر المائـــدة‏:‏ أنهــــا افتتحــــت بالحمــــد وتلــــك ختمــــت بفصــــل
القضاء وهما متلازمتان كما قال‏:‏ ‏)‏وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين‏(‏
وقد ظهر لي بفضل الله مع ما قدمت الإشارة إليه في آية ‏)‏زين للناس‏(‏
أنــه لمــا ذكــر فــي آخــر المائــدة ‏)‏للَــهِ مُلـــكُ السمـــوات والـــأَرض ومـــا فيهـــن‏(‏ علـــى سبيـــل الإجمـــال افتتـــح
هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله
فبـــدأ بذكـــر‏:‏ أنـــه خلـــق السمـــوات والـــأرض وضـــم إليـــه أنـــه جعـــل الظلمـــات والنـــور وهـــو بعــــض مــــا
تضمنــه قولــه‏:‏ ‏)‏ومــا فيهــن‏(‏ فــي آخــر المائــدة وضمــن قولــه‏:‏ ‏)‏الحمــد للــه‏(‏ أول الأنعــام أن لــه ملــك جميـــع
المحامد وهو من بسط‏:‏ ‏)‏للَهِ مُلكُ السمواتِ والأَرض وما فيهن‏(‏ في آخر المائدة‏:‏
ثـــم ذكـــر‏:‏ أنـــه خلـــق النـــوع الإنسانـــي وقضـــى لـــه أجـــلاً مسمـــى وجعـــل لـــه أجـــلاً آخــــر للبعــــث وأنــــه
منشــئ القــرون قرنــا بعــد قــرن ثــم قــال‏:‏ ‏)‏قــل لمــن مــا فــي السمــوات والــأَرض‏(‏ فأثبــت لــه ملـــك جميـــع
المنظـورات ثـم قـال‏:‏ ‏)‏قـل لمــن مــا فــي السمــوات والــأرض‏(‏ فأثبــت لــه ملــك جميــع المنظــورات ثــم قــال‏:‏
‏)‏ولـه مـا سكـن فـي الليـل والنهـار‏(‏ فأثبــت لــه ملــك جميــع المظروفــات لظرفــي الزمــان ثــم ذكــر أنــه خلــق
سائـر الحيـوان مـن الــدواب والطيــر ثــم خلــق النــوم واليقظــة والمــوت والحيــاة ثــم أكثــر فــي أثنــاء الســورة
مــــن ذكــــر الخلــــق والإنشــــاء لمــــا فيهــــن مــــن النيريــــن والنجــــوم وفلــــق الإصبــــاح وخلــــق الحــــب والنـــــوى
===
وإنـــــزال المـــــاء وإخـــــراج النبـــــات والثمـــــار بأنواعهـــــا وإنشـــــاء جنـــــات معروشـــــات وغيــــــر معروشــــــات
والأنعام ومنها حمولة وفرش وكل ذلك تفصيل لملكه ما فيهن‏:‏ وهذه مناسبة جليلة
ثـم لمـا كــان المقصــود مــن هــذه الســورة بيــان الخلــق والملــك أكثــر فيهــا مــن ذكــر الــرب الــذي هــو بمعنــى
المالــك والخالــق والمنشــئ واقتصــر فيهـــا علـــى مـــا يتعلـــق بذلـــك مـــن بـــدء الخلـــق الإنسانـــي والملكوتـــي
والملكـــي والشيطانـــي والحيوانـــي والنباتـــي ومـــا تضمنتـــه مـــن الوصايـــا فكلهـــا متعلـــق بالقـــوام والمعــــاش
الدنيوي ثم أشار إلى أشراط الساعة
فقــد جمعــت هــذه الســورة جميــع المخلوقـــات بأسرهـــا ومـــا يتعلـــق بهـــا ومـــا يرجـــع إليهـــا فظهـــر بذلـــك
مناسبة افتتاح السور المكية بها وتقديمها على ما تقدم نزوله منها
وهــي فــي جمعهــا الأصــول والعلــوم والمصالــح الدنيويــة نظيــر صــورة البقــرة فــي جمعهــا العلــوم والمصالـــح
الدينيـة مـا ذكـر فيهـا مـن العبـادات المحضـة فعلـى سبيــل الإيجــاز والإيمــاء كنظيــر مــا وقــع فــي البقــرة مــن
علوم بدء الخلق ونحوه فإنه على سبيل الاختصار والإشارة
فـإن قلــت‏:‏ فلــم لا أفتتــح القــرآن بهــذه الســورة مقدمــة علــى ســورة البقــرة لــأن بــدء الخلــق مقــدم علــى
الأحكام والتعبدات
قلـــت‏:‏ للإشـــارة إلـــى أن مصالـــح الديـــن والآخـــرة مقدمـــة علـــى مصالـــح المعـــاش والدنيـــا وأن المقصـــود
===
إنمـا هـو العبــادة فقــدم مــا هــو الأهــم فــي نظــر الشــرع ولــأن علــم بــدء الخلــق كالفضلــة وعلــوم الأحكــام
والتكاليف متعين على كل واحد
فلذلــك لا ينبغــي النظــر فــي علــم بــدء الخلــق ومــا جــرى مجــراه مــن التواريــخ إلا بعــد النظــر فـــي علـــم
الأحكام وإتقانه
ثــم ظهــر لــي بحمــد اللــه وجــه آخــر أتقــن ممــا تقــدم وهــو أنــه لمــا ذكــر فــي ســورة المائــدة ‏)‏يــا أَيُهـــا الذيـــنَ
آمنــوا لا تحرمــوا طيبــات مــا أحــل اللــه لكــم ولا تعتـــدوا‏(‏ إلـــى آخـــره فأخبـــر عـــن الكفـــار أنهـــم حرمـــوا
أشيــاء ممــا رزقهــم اللــه افتــراء عليــه وكــان القصـــد بذلـــك تحذيـــر المؤمنيـــن أن يحرمـــوا شيئـــاً ممـــا أحـــل
اللــه فيشابهــوا بذلــك الكفــار فــي صنيعهــم وكــان ذكــر ذلــك علــى سبيــل الإيجــاز ســاق هــذه الســورة
لبيــان مــا حرمــه الكفــار فــي صنيعهــم فأتــى بــه علــى الوجــه الأبيــن والنمــط الأكمــل ثــم جادلهـــم فيـــه
وأقــام الدلائــل علــى بطلانــه وعارضهــم وناقضهــم إلــى غيــر ذلــك ممـــا اشتملـــت عليـــه القصـــة فكانـــت
هــذه الســورة شرحـــاً لمـــا تضمنتـــه المائـــدة مـــن ذلـــك علـــى سبيـــل الإجمـــال وتفصيـــلاً وبسطـــاً وإتمامـــاً
وإطناباً
وافتتحـــت بذكـــر الخلـــق والملـــك لـــأن الخالـــق والمالـــك هـــو الـــذي لـــه التصــــرف فــــي ملكــــه ومخلوقاتــــه
إباحة ومنعاً وتحريماً وتحليلاً فيجب ألا يتعدى عليه بالتصرف في ملكه
===
وكانــت هــذه الســورة بأسرهــا متعلقــة بالفاتحــة مــن وجــه كونهــا شارحــة لإجمــال قولــه‏:‏ ‏)‏ربِ العالميـــن‏(‏
وللبقـرة مـن حيـث شرحهـا لإجمــال قولــه‏:‏ ‏)‏الــذي خلقَكُــم والذيــن مــن قبلكــم‏(‏ وقولــه‏:‏ ‏)‏هــو الــذي خلــقَ
لكُــم مــا فــي الــأَرض جميعــاً‏(‏ وبــآل عمــران مــن جهــة تفصيلهــا لقولــه‏:‏ ‏)‏والأنعــام والحــرب‏(‏ وقولــه‏:‏ ‏)‏كُـــلُ
نفسٍ ذائقة الموت‏(‏ الآية
وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرموه على أزواجهم وقتل البنات بالوأد
وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها
وفي افتتاح السور المكية بها وجهان آخران من المناسبة
الأول‏:‏ افتتاحها بالحمد
والثانـــي‏:‏ مشابهتهـــا للبقـــرة المفتتـــح بهـــا الســـور المدنيـــة مـــن حيـــث أن كــــلاً منهمــــا نــــزل مشيعــــاً ففــــي
حديـــث أحمـــد‏:‏ ‏)‏البقـــرة سنـــام القـــرآن وذروتـــه نـــزل مـــع كـــل آيـــة منهـــا ثمانـــون ملكـــاً‏(‏ وروى الطبرانــــي
وغيره من طرق‏:‏ ‏)‏أن الأنعام شيعها سبعون ألف ملك‏(‏ وفي رواية ‏)‏خمسمائة ملك‏(‏
ووجــه آخــر وهــو‏:‏ أن كــل ربــع مــن القــرآن افتتـــح بســـورة أولهـــا الحمـــد وهـــذه للربـــع الثانـــي والكهـــف
للربع الثالث وسبأ وفاطر للربع الرابع
وجميع هذه الوجوه التي استنبطتها من المناسبات بالنسبة للقرآن كنقطة من بحر
===

مريام المصري
06-09-2006, 10:39
ولمــا كانــت هــذه الســورة لبيــان بــدء الخلــق ذكــر فيهـــا مـــا وقـــع عنـــد بـــدء الخلـــق وهـــو قولـــه‏:‏ ‏)‏كتـــب
ربكــم علــى نفســه الرحمـــة‏(‏ ففـــي الصحيـــح‏:‏ ‏)‏لمـــا فـــرغ اللـــه مـــن الخلـــق وقضـــى القضيـــة كتـــب كتابـــاً
عنده فوق العرش‏:‏ إن رحمتي سبقت غضبي‏(‏

سورة الأعراف

أقـول‏:‏ مناسبـة وضـع هـذه السـورة عقــب ســورة الأنعــام فيمــا ألهمنــي اللــه سبحانــه‏:‏ أن ســورة الأنعــام
لمـا كانـت لبيـان الخلـق وقـال فيهـا‏:‏ ‏)‏هـوَ الـذي خلَقَكُـم مــن طيــن‏(‏ وقــال فــي بيــان القــرون‏:‏ ‏)‏كَــم أَهلكنــا
مـــن قبلهـــم مـــن قـــرن‏(‏ وأشيـــر فيهـــا إلـــى ذكـــر المرسليـــن وتعـــداد كثيـــر منهـــم وكانـــت الأمــــور الثلاثــــة
وتفصيلها
فبسـط فيهـا قصـة خلـق آدم أبلـغ بسـط بحيـث لـم تبسـط فـي سـورة كمــا بسطــت فيهــا وذلــك تفصيــل
إجمــال قولــه‏:‏ ‏)‏خلَقَكُــم مِــن طيــن‏(‏ ثــم فصلــت قصــص المرسليــن وأممهــم وكيفيــة إهلاكهــم تفصيــلاً تامــاً
شافيـــاً مستوعبـــاً لـــم يقـــع نظيـــره فـــي ســـورة غيرهـــا وذلــــك بســــط حــــال القــــرون المهلكــــة ورسلهــــم
فكانت هذه السورة شرحاً لتلك الآيات الثلاثة
وأيضـــاً فذلـــك تفصيـــل قولـــه‏:‏ ‏)‏وهـــوَ الـــذي جعلَكُـــم خلائـــفَ الـــأَرض‏(‏ ولهـــذا صـــدر هــــذه الســــورة
===
وفي قصة ثمود‏:‏ ‏)‏جعلَكُم خُلفاء من بعد عاد‏(‏
وأيضــاً فقــد قــال فــي الأنعــام‏:‏ ‏)‏كتَــبَ ربَكُـــم علـــى نفســـهِ الرحمـــة‏(‏ وهـــو موجـــز وبسطـــه هنـــا بقولـــه‏:‏
‏)‏ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون‏(‏ إلى آخره فبين من كتبها لهم
وأمــا وجــه ارتبــاط أول هــذه الســورة بآخــر الأنعــام فهــو‏:‏ أَنـــه قـــد تقـــدم هنـــاك‏:‏ ‏)‏وأَن هـــذا صراطـــي
مستقيمــاً فاتبعــوه‏(‏ وقولــه‏:‏ ‏)‏وهــذا كتــابٌ أَنزلنــاهُ مبــاركٌ فاتبعــوه‏(‏ وقولــه‏:‏ ‏)‏وهــذا كتــابٌ أَنزلنــاهُ مبـــاركٌ
فاتبعـوه‏(‏ فافتتـح هـذه السـورة أيضـاً باتبـاع الكتـاب فـي قولـه‏:‏ ‏)‏كتـاب أُنــزِلَ إِليــك‏(‏ إِلــى ‏)‏اتبعــوا مــا أُنــزِلَ
إِليكُم مِن رَبِكُم‏(‏
وأيضـاً لمـا تقـدم فـي الأنعـام‏:‏ ‏)‏ثـم يُنبئهـم بِمـا كانـوا يَفعَلـون‏(‏ ‏)‏ثُـمَ إِلـى ربِكُـم مرجِعكـم فيُنَبِئكُـم بمــا كنتــم
فيـــه تختَلفـــون‏(‏ قـــال فـــي مفتتـــح هـــذه الســـورة‏:‏ ‏)‏فلنسأَلــــن الذيــــنَ أُرسِــــلَ إِليهــــم ولنسألــــن المُرسَليــــن‏(‏
‏)‏فلنقصن عليهم بعلم‏(‏ وذلك شرح التنبئة المذكورة
وأيضــاً فلمــا قــال فــي الأنعــام‏:‏ ‏)‏مــن جــاء بالحسنــة فلــه عشــر أَمثالِهـــا‏(‏ وذلـــك لا يظهـــر إلا فـــي الميـــزان
افتتــح هــذه الســورة بذكــر الــوزن فقــال‏:‏ ‏)‏والــوزن يومئــذٍ الحــق‏(‏ ثــم ذكــر مــن ثقلــت موازينــه وهـــو مـــن
زادت سيئاتــه علــى حسناتــه ثــم ذكــر بعــد ذلــك أصحــاب الأعـــراف وهـــم قـــوم استـــوت حسناتهـــم
وسيئاتهم
===
اعلـــم أن وضـــع هــــذه الســــورة وبــــراءة هنــــا ليــــس بتوقيــــف مــــن الرســــول صلــــى اللــــه عليــــه وسلــــم
والصحابة كما هو الراجح في سائر السور بل اجتهاد من عثمان رضي الله عنه
وقـــد كـــان يظهـــر فـــي بـــادئ الـــرأي‏:‏ أن المناســـب إيـــلاء الأعـــراف بيونـــس وهـــود لاشتـــراك كـــل فــــي
اشتمالهـــا علـــى قصـــص الأنبيـــاء وأنهـــا مكيـــة النـــزول خصوصـــاً أن الحديـــث ورد فـــي فضــــل السبــــع
الطــوال وعــدوا السابعــة يونــس وكانــت تسمــى بذلــك كمــا أخرجــه البيهقــي فـــي الدلائـــل ففـــي فصلهـــا
من الأعراف بسورتين هما الأنفال بالنسبة إلى الأعراف وبراءة
وقـد استشكـل ابـن عبـاس حبـر الأمـة قديمــاً ذلــك فأخــرج أحمــد وأبــو داود والترمــذي والنسائــي وابــن
حبـان والحاكـم عـن ابـن عبـاس قــال قلــت لعثمــان‏:‏ مــا حملكــم علــى أن عمدتــم إلــى الأنفــال وهــي مــن
المثانـي وإلـى بـراءة وهنـي مـن المئيـن فقرنتـم بينهمـا ولـم تكتبـوا بينهمــا سطــر بســم اللــه الرحمــن الرحيــم
ووضعتموهــا فــي السبــع الطــوال فقــال عثمــان‏:‏ كــان رســول اللــه صلــى اللـــه عليـــه وسلـــم ينـــزل عليـــه
الســور ذوات العــدد فكــان إذا نــزل عليــه الشـــئ دعـــا بعـــض مـــن كـــان يكتـــب فيقـــول‏:‏ ضعـــوا هـــؤلاء
الآيــات فــي الســورة التــي يذكــر فيهــا كــذا وكـــذا وكانـــت الأنفـــال مـــن أوائـــل مـــا نـــزل وكانـــت بـــراءة مـــن
آخــر القــرآن نــزولا وكانــت قصتهــا شبيهــة بقصتهــا فظننــت أنهـــا منهـــا فقبـــض رســـول اللـــه صلـــى اللـــه
عليـه وسلـم ولـم يبيـن لنــا أنهــا منهــا فمــن أجــل ذلــك قرنــت بينهمــا ولــم أكتــب بينهمــا سطــر بســم اللــه
===
فانظـر إلـى ابـن عبـاس رضـي اللـه عنــه كيــف استشكــل علــي عثمــان رضــي اللــه عنــه أمريــن‏:‏ وضــع
الأنفــال وبــراءة فــي أثنــاء السبــع الطــوال مفصــولاً بهمــا بيـــن السادســـة والسابعـــة ووضـــع الأنفـــال وهـــي
قصيرة مـع السـور الطويلـة وانظـر كيـف أجـاب عثمـان رضـي اللـه عنـه أولاً بأنـه لـم يكـن عنـده فـي ذلـك
توقيـف فإِنـه استنـد إلـى اجتهـاد وأنـه قـرن بيـن الأنفـال وبــراءة لكونهــا شبيهــة بقصتهــا فــي اشتمــال كــل
منهمــا علــى القتــال ونبــذ العهــود وهــذه وجــه بيــن المناسبــة جلــى فرضــى اللــه عـــن الصحابـــة مـــا أدق
أفهامهم‏!‏ ما أدق أفهامهم‏!‏ وأجزل آراءهم‏!‏ وأعظم أحلامهم‏!‏
وأقول‏:‏ يتم بيان مقصد عثمان رضي الله عنه في ذلك بأمور فتح الله بها‏:‏
الــأول‏:‏ أنــه جعــل الأنفــال قبــل بــراءة مــع قصرهــا لكونهــا مشتملـــة علـــى البسملـــة فقدمهـــا لتكـــون لفظـــة
منهــا وتكــون بــراءة بخلوهــا منهــا كتتمتهــا وبقيتهــا ولهـــذا قـــال جماعـــة مـــن السلـــف‏:‏ إن الأنفـــال وبـــراءة
سورة واحدة لا سورتان
الثانـي‏:‏ أنـه وضـع بـراءة هنـا لمناسبـة الطـول فإنــه ليــس فــي القــرآن بعــد الأعــراف أنســب ليونــس طــولاً
منها وذلك كاف في المناسبة
الثالـــث‏:‏ أنـــه خلَّـــل بالسورتيـــن الأنفـــال وبـــراءة أثنـــاء السبـــع الطـــوال المعلـــوم ترتيبهـــا فـــي العصـــر الـــأول
للإشـارة إلـى أن ذلـك أمــر صــادر لا عــن توقيــف وإلــى أن رســول اللــه صلــى اللــه عليــه وسلــم قبــض
===
قبـل أن يبيـن محلهمــا فوضعــا كالموضــع المستعــار بيــن السبــع الطــوال بخلــاف مــا لــو وضعتــا بعــد السبــع
الطوال فإنه كان يوهم أن ذلك محلهما بتوقيف وترتيب السبع الطوال يرشد إلى دفع هذه الوهم
فانظر إلى هذه الدقيقة التي فتح الله بها ولا يغوص عليها إلا غواص
الرابــع‏:‏ أنــه لــو أخرهمــا وقــدم يونــس وأتــى بعــد بــراءة بهــود كــا فــي مصحــف أبــي بـــن كعـــب لمراعـــاة
مناسبـة السبـع الطـوال وإيـلاء بعضهـا بعضــاً لفــات مــع مــا أشرنــا إليــه أمــر آخــر آكــد فــي المناسبــة فــإن
الأولــى بســورة يونــس أن تولــى بالســور الخمــس التــي بعدهـــا لمـــا اشتركـــت فيـــه مـــن الاشتمـــال علـــى
القصــص ومـــن الافتتـــاح بالذكـــر وبذكـــر الكتـــاب ومـــن كونهـــا مكيـــات ومـــن تناســـب مـــا عـــدا الحجـــر
في المقدار وبالتسمية باسم نبي والرعد إسم ملك وهو مناسب لأسماء الأنبياء
فهـذه سنـة وجـوه فـي مناسبـة الاتصـال بيـن يونـس ومـا بعدهـا وهـي أكثـر مـن ذلــك الوجــه السابــق فــي
تقديم يونس بعد الأعراف
ولبعــض هــذه الأمــور قدمــت ســورة الحجــر علــى النحــل مــع كونهــا أقصــر منهــا ولــو اخــرت بــراءة عــن
هـذه السـور السـت المناسبـة جـداً بطولهـا لجــاءت بعــد عشــر ســور أقصــر منهــا بخلــاف وضــع ســورة
النحل بعد الحجر فإنها ليست كبراءة في الطول
ويشهــد لمراعــاة الفواتــح فــي مناسبــة الوضــع مــا ذكرنــا مــن تقديــم الحجـــر علـــى النحـــل لمناسبـــة ذوات
===
‏)‏الــر‏(‏ قبلهــا ومــا تقــدم مــن تقديــم آل عمــران علــى النســـاء وإن كانـــت أقصـــر منهـــا لمناسبـــة البقـــرة مـــع
الافتتـاح ب ‏)‏الـم‏(‏ وتوالـى الطواسيـن والحواميـم وتوالـى العنكبـوت والـروم والقمــر والسجــدة لافتتــاح كــل
بـ ‏)‏الم‏(‏ ولهذا قدمت السجدة على الأحزاب التي هي أطول منها
هذا ما فتح الله به
وأمــا ابـــن مسعـــود فقـــدم فـــي مصحفـــه البقـــرة علـــى النســـاء وآل عمـــران والأعـــراف والأنعـــام والمائـــدة
ويونــس فراعــى الطــوال وقــدم الأطــوال فالأطــول ثــم ثنــى بالمئيــن فقــدم بــراءة ثــم النحــل ثـــم هـــود ثـــم
يوسف ثم الكهف وهكذا الأطول فالأطول وذكر الأنفال بعد النور
ووجــه مناسبتهــا لهــا‏:‏ أن كــلا منهمــا مدنيــة ومشتملــة علــى أحكــام وأن فــي النــور ‏)‏وعَـــدَ اللَـــهُ الذيـــنَ
آمنــوا وعملـــوا الصالحـــات ليستَخلِفنهـــم فـــي الـــأَرض كمـــا استخلـــف الذيـــن مِـــن قبلِهِـــم‏(‏ وفـــي الأنفـــال
‏)‏واذكـروا إِذ أَنتُـم مُستَضعَفـون فـي الـأَرض تخافـون‏(‏ ولا يخفـى مـا بيـن الآيتيــن مــن المناسبــة فــإن الأولــى
مشتملة على الوعد بما حصل وذكر به في الثانية فتأمل
سورة براءة
أقــول‏:‏ عقــد عــرف وجــه مناسبتهــا ونزيــد هنــا أن صدرهــا تفصيــل لإجمــال قولــه فــي الأنفــال‏:‏ ‏)‏وإِمـــا
===
تخافـنَّ مِـن قـومٍ خيانـة فانبـذ إِليهــم علــى ســواء‏(‏ وآيــات الأمــر بالقتــال متصلــة بقولــه هنــا‏:‏ ‏)‏وأَعِــدوا لَهُــم
ما استَطعتُم مِن قوةٍ‏(‏ ولذا قال هنا في قصة المنافقين‏:‏ ‏)‏ولَو أَرادوا الخُروجَ لأَعَدوا لهُ عدة‏(‏
ثـم بيـن السورتيـن تناسـب مـن وجــه آخــر وهــو‏:‏ أنــه سبحانــه فــي الأنفــال تولــى قسمــة الغنائــم وجعــل
همسها خمسة أخماس وفي براءة تولى قسمة الصدقات وجعلها لثمانية أصناف
سورة يونس
أقـول‏:‏ قـد عـرف وجــه مناسبتهــا فيمــا تقــدم فــي الأنفــال ونزيــد هنــا‏:‏ أن مطلعهــا شبيــة بمطلــع ســورة
الأعــراف وأنــه سبحانــه قــال فيهــا‏:‏ ‏)‏أَن أَنــذِر النَّــاس وَبشِــر الذيــنَ آمنــوا‏(‏ فقــدم الإنــذار وعممــه وأخــر
البشــارة وخصصهــا وقــال تعالــى فــي مطلــع الأعــراف‏:‏ ‏)‏لتُنــذِرَ بِــهِ وذِكــرى للمؤمنيــن‏(‏ فخــص الذكــرى
وأخرها وقدم الإنذار وحذف مفعوله ليعم
وقــال هنــا‏:‏ ‏)‏إِنَّ رَبَكُــم اللَــهُ الــذي خَلــقَ السمــواتِ والــأَرضِ فــي ستــةِ أَيــام ثُــمَ استــوى علـــى العَـــرش‏(‏
وقال في الأوائل أي أوائل الأعراف مثل ذلك
وقال هنا‏:‏ ‏)‏يدبر الأَمر‏(‏ وقال هناك‏:‏ ‏)‏مسخرات بأَمرهِ أَلا لهُ الخلق والأَمر‏(‏
وأيضــاً فقــد ذكــرت قصــة فرعـــون وقومـــه فـــي الأعـــراف فاختصـــر ذكـــر عذابهـــم وبسطـــه فـــي هـــذه
===
فهي شارحة لما أجمل في سورة الأعراف منه
سورة هود
أقول‏:‏ وجه وضعها بعد سورة يونس زيادة على الأوجه الستة السابقة‏:‏
أن سـورة يونـس ذكــر فيهــا قصــة نــوح مختصــرة جــداً مجملــة فشرحــت فــي هــذه الســورة وبسطــت بمــا
لـم يبسطـه فــي غيرهــا مــن الســور ولا فــي ســورة الأعــراف علــى طولهــا ولا فــي ســورة ‏)‏إِنَّــا أَرسَلنــا
نوحاً‏(‏ التي أفردت لقصته
فكانـت هـذه السـورة شارحــة لمــا أجمــل فــي ســورة يونــس فــإن قولــه هنــاك‏:‏ ‏)‏واتَبِــع مــا يوحــى إِليــك‏(‏
هــو عيــن قولــه هنــا‏:‏ ‏)‏كتـــابٌ أُحكِمَـــت آياتـــهُ ثُـــمَ فُصِلـــت مِـــن لـــدن حكيـــم خبيـــر‏(‏ فكـــان أول هـــود
تفصيلاً لخاتمة يونس
سورة يوسف
أقـول‏:‏ وجـه وضعهـا بعـد سـورة هـود زيـادة علـى الأوجـه الستــة السابقــة‏:‏ أن قولــه فــي مطلعهــا‏:‏ ‏)‏نحــنُ
نَقُـصُ عَليـكَ أَحسـنَ القِصـص‏(‏ مناسبــة لقولــه فــي مقطــع تلــك‏:‏ ‏)‏وكــلا نقُــصُ عليــكَ مــن أَنبــاءِ مــا نُثبــت
به فؤادك‏(‏
===
وأيضــاً فلمــا وقــع فــي ســورة هــود ‏)‏فبشرناهــا بإِسحــاق ومِــن وراءِ إِسحــاق يعقــوب‏(‏ وقولــه‏:‏ ‏)‏رحمــة
اللَــهِ وبَركاتــهِ عليكُــم أَهــل البيــت‏(‏ ذكــر هنــا حــال يعقــوب مــع أولــاده وحــال ولــده الــذي هـــو مـــن أهـــل
البيت مع إخوته فكان كالشرح لإجمال ذلك
وكذلــك قــال هنــا‏:‏ ‏)‏ويتـــمَ نعمتـــه عليـــك وعلـــى آل يعقـــوب كمـــا أَتمهـــا علـــى أَبويـــك مِـــن قبـــل إِبراهيـــم
وإسحاق‏(‏ فكان ذلك كالمقترن بقوله في هود‏:‏ ‏)‏رحمة اللَهِ وبَركاتهِ عليكُم أَهل البيت‏(‏
وقـد روينـا عـن ابـن عبـاس وجابـر بــن زيــد فــي ترتيــب النــزول‏:‏ أن يونــس نزلــت ثــم هــود ثــم يوســف
وهذا وجه آخر من وجوه المناسبة في ترتيب هذه السور الثلاث لترتيبها في النزول هكذا
سورة الرعد
أقـول‏:‏ وجـه وضعهـا بعـد سـورة يوسـف زيـادة علـى مــا تقــدم بعــد مــا فكــرت فيــه طائفــة مــن الزمــان‏:‏
أنــه سبحانــه قــال فــي آخــر تلــك‏:‏ ‏)‏وكأَيــن مِـــن آيـــة فـــي السمـــوات والـــأَرض يمـــرون عليهـــا وهـــم عنهـــا
معرضون‏(‏ فذكر الآيات السمائية والأرضية مجملة ثم فصل في مطلع هذه السورة
فقولـه ‏)‏اللَــهُ الَــذي رَفــعَ السمــواتِ بغيــرِ عمــد ترونهــا ثُــم استــوى علــى العــرش وسخَّــرَ الشمــسَ والقمــر
كــلٌ يَجــري إِلــى أَجــلٍ مُسمــى يدبــر الأَمــر يفصــل الآيــات لعلَكُــم بلقـــاءِ ربكـــم توقنـــون وهـــوَ الـــذي مـــدَّ
===

مريام المصري
06-09-2006, 10:41
الـأَرض وجعـلَ فيهـا رواسـي وأَنهـاراً ومِـن كُـلِ الثمــرات جعَــلَ فيهــا زوجيــنِ اثنَيــنِ يغشــى الليــلُ والنَهــار
إِنَّ فــي ذَلِــكَ لآيــاتٍ لقــومٍ يتفكــرون وفــي الــأرض قطــع متجــاورات وجنــاتٍ مِــن أَعنـــاب وزرع ونخيـــل
صنوان وغيـر صنـوان يسقـى بمـاءٍ واحـد ونُفَضِـل بعضهـا علـى بعـض فـي الأَكـل إِنَ فـي ذلِـكَ لآيـاتٍ لقـومٍ
يعقلون‏(‏ تفصيل الآيات الأرضية
هــذا مــع اختتــام ســورة يوســف بوصــف الكتــاب ووصفــه بالحــق وافتتــاح هــذه بمثــل ذلــك وهـــو مـــن
تشابه الأطراف
سورة إبراهيم
أقـول‏:‏ وجـه وضعهــا بعــد ســورة الرعــد زيــادة علــى مــا تقــدم بعــد إفكــاري فيــه برهــة‏:‏ أن قولــه فــي
مطلعهـا‏:‏ ‏)‏كتــاب أنزلنــاهُ إِليــكَ‏(‏ مناســب لقولــه‏:‏ فــي مقطــع تلــك‏:‏ ‏)‏ومــن عِنــدَهُ علــم الكتــاب‏(‏ علــى أن
المراد بـ ‏)‏من‏(‏ هو‏:‏ الله تعالى جل جلاله
وأيضــاً ففـــي الرعـــد‏:‏ ‏)‏ولقَـــد استهـــزئ برسُـــلٍ مِـــن قبلِـــكَ فأمليـــت للذيـــن كفـــروا ثـــم أَخذتهـــم‏(‏ وذلـــك
مجمــل فــي أربعــة مواضــع‏:‏ الرســل والمستهزئيــن وصفــة الاستهــزاء والأخــذ وقــد فصلــت الأربعــة فـــي
قوله‏:‏ ‏)‏أَلم يأَتِكُم نبأَ الذينَ مِن قبلِكُم قوم نوح وعاد وثمود‏
===
أقـول‏:‏ تقدمـت الأوجـه فـي اقترانهــا بالســورة السابقــة وإنمــا أُخــرت عنهــا اقصرهــا بالنسبــة إليهــا وهــذا
القســم مــن ســور القـــرآن للمئيـــن فناســـب تقديـــم الأطـــول مـــع مناسبـــة مـــا ختمـــت بـــه لبراعـــة الختـــام
وهو قوله‏:‏ ‏)‏واعبُد ربَكَ حتى يأَتيكَ اليقين‏(‏ فإنه مفسر بالموت وذلك مقطع في غاية البراعة
وقـد وقـع ذلـك فـي أواخـر السـور المقترنـة ففـي آخـر آل عمـران‏:‏ ‏)‏واتقـوا اللَـهَ لعلَكُـم تُفلِحـون‏(‏ وفـي آخــر
الطواسيـن‏:‏ ‏)‏كـل شـيء هالـك إِلا وجهـه أَلالـه الحكـم وإِليــه تُرجَعــون‏(‏ وفــي آخــر ذوات ‏)‏الــر‏(‏‏:‏ ‏)‏وانتَظِــر
إِنَهُم مُنتَظرون‏(‏ وفي آخر الحواميم ‏)‏كأَنَهُم يومَ يرونَ ما يوعدونَ لم يلبثوا إِلا ساعة من نهار بلاغ‏(‏
ثــم ظهــر لــي وجــه اتصـــال أول هـــذه الســـورة بآخـــر ســـورة إبراهيـــم فإنـــه تعالـــى لمـــا قـــال هنـــاك فـــي
وصـف يـوم القيامـة‏:‏ ‏)‏وبـرزوا للــهِ الواحــدِ القَهّــار وتَــرى المجرميــن يومئــذٍ مقرنيــن فــي الأَصفــاد سرابيلهــم
مـن قطــران وتغشــى وجوههــم النــار‏(‏ قــال هنــا‏:‏ ‏)‏رُبمــا يــود الذيــنَ كفــروا لــو كانــوا مسلميــن‏(‏ فأخبــر أن
المجرميـن المذكوريـن إذا طـال مكثهـم فـي النــار ورأوا عصــاة المؤمنيــن الموحديــن قــد أخرجــوا منهــا تمنــوا
أن لـو كانـوا فـي الدنيـا مسلميـن وذلـك وجــه حســن فــي الربــط مــع اختتــام آخــر تلــك بوصــف الكتــاب
وافتتاح هذه به وذلك من تشابه الأطراف
سورة النحل
===
أقــول‏:‏ وجــه وضعهــا بعــد ســورة الحجــر‏:‏ أن آخرهــا شديــد الالتئــام بــأول هــذه فـــإن قولـــه فـــي آخـــر
تلك‏:‏ ‏)‏واعبُد ربَكَ حتى يأَتيكَ اليقين‏(‏
الــذي هــو مفســر بالمــوت ظاهــر المناسبــة لقولــه هنــا‏:‏ ‏)‏أَتــى أَمــرُ اللَــه‏(‏ وانظــر كيــف جــاء فـــي المقدمـــة
بيأتيـك اليقيـن وفـي المتأخـرة بلفـظ الماضـي لــأن المستقبــل سابــق علــى الماضــي كمــا تقــرر فــي المعقــول
والعربية
وظهـر لـي أن هـذه السـورة شديـدة الاعتلــاق بســورة إبراهيــم وإنمــا تأخــرت عنهــا لمناسبــة الحجــر فــي
كونها من ذوات ‏)‏الر‏(‏
وذلــك‏:‏ أن ســورة إبراهيــم وقــع فيهــا ذكــر فتنــة الميــت ومــن هــو ميــت وغيــره وذلــك أيضــاً فـــي هـــذه
بقولـــه‏:‏ ‏)‏الذيـــنَ تتوفاهُـــم الملائكــــة ظالمــــي أَنفُسَهُــــم‏(‏ فذكــــر الفتنــــة ومــــا يحصــــل عندهــــا مــــن الثبــــات
والإضلال وذكر هنا ما يحصل عقب ذلك من النعيم والعذاب
ووقــع فــي ســورة إبراهيــم‏:‏ ‏)‏وقَــد مَكــروا مَكرَهُــم وعِنــدَ اللَــهِ مكرُهُــم وإِن كـــانَ مكرُهُـــم لتـــزول منـــه
الجبال‏(‏ وقيـل‏:‏ إنهـا فـي الجبـار الـذي أراد أن يصعـد السمـاء بالنسـور ووقـع هنـا أيضـاً فـي قولـه‏:‏ ‏)‏وقـد
مكرَ الذينَ من قبلهم‏(‏
ووقـع فـي سـورة إبراهيـم ذكـر النعـم وقـال عقبهـا‏:‏ ‏)‏وإِن تعُــدوا نعمــة اللَــهِ لا تحصوهــا‏(‏ ووقــع هنــا ذكــر
===
سورة بني اسرائيل
اعلـم أن هـذه السـورة والأربـع بعدهـا مـن قديـم مـا أنـزل اخـرج البخـاري عــن ابــن مسعــود أنــه قــال فــي
بنــي إسرائيــل والكهــف ومريــم وطــه والأنبيــاء ‏)‏مــن العتــاق الــأول وهــن مـــن تلـــادى‏(‏ وهـــذا وجـــه فـــي
ترتيبها وهو اشتراكها في قدم النزول وكونها مكيات وكونها مشتملة على القصص
وقـد ظهــر لــي فــي وجــه اتصالهــا بســورة النحــل‏:‏ أنــه سبحانــه لمــا قــال فــي آخــر النحــل‏:‏ ‏)‏إِنمــا جعــلَ
السبـت علـى الذيـن اختلفـوا فيــه‏(‏ فســر فــي هــذه شريعــة أهــل السبــت وشأنهــم فذكــر فيهــا جميــع مــا
شـرع لهـم فـي التـوراة كمـا أخـرج ابـن جريـر عـن إبـن عبـاس أنـه قـال‏:‏ ‏)‏التـوراة كلهـا فـي خمـس عشـرة آيـة
مـن سـورة بنـي إسرائيـل‏(‏ وذكـر عصيانهـم وفسادهــم وتخريــب مسجدهــم ثــم ذكــر استفزازهــم للنبــي
صلى الله عليه وسلم وإرادتهم إخراجه من المدينة
ثـم ذكــر سؤالهــم إيــاه عــن الــروح ثــم ختــم الســورة بآيــات موســى التســع وخطابــه مــع فرعــون‏:‏ وأخبــر
أن استفزازهـم للنبـي صلـى اللـه عليـه وسلـم ليخرجـوه مـن المدينــة هــو وأصحابــه كنظيــر مــا وقــع لهــم
مع فرعون لما استفزهم ووقع ذلك أيضاً
ولمــا كانــت هــذه الســورة مصـــدرة بقصـــة تخريـــب المسجـــد الأقصـــى اســـرى بالمصطفـــى إليـــه تشريفـــاً
===
سورة الكهف
قــال بعضهــم‏:‏ مناسبــة وضعهــا بعــد ســورة الإســراء‏:‏ افتتــاح تلــك بالتسبيــح وهــذه بالتحميــد وهمـــا
مقترنـــان فـــي القـــرآن وسائـــر الكلـــام بحيـــث يسبــــق التسبيــــح التحميــــد نحــــو‏:‏ ‏)‏فسبِــــح بحمــــدِ ربــــك‏(‏
وسبحان الله وبحمده
قلت‏:‏ مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضاً وذلك من وجوه المناسبة بتشابه الأطراف
ثـم ظهـر لـي وجـه آخـر أحسـن فـي الاتصـال وذلــك‏:‏ أن اليهــود أمــروا المشركيــن أن يسألــوا النبــي صلــى
اللـه عليـه وسلـم عـن ثلاثــة أشيــاء‏:‏ عــن الــروح وعــن قصــة أصحــاب الكهــف وعــن قصــة ذي القرنيــن
وقـد ذكـر جـواب السـؤال الـأول فـي آخـر سـورة بنـي إسرائيـل فناسـب اتصالهـا بالسـورة التـي اشتملـت
على جواب السؤالين الآخرين
فإن قلت‏:‏ هلا جمعت الثلاثة في سورة واحدة
قلت‏:‏ لما لم يقع الجواب عن الأول بالبيان ناسب فصله في سورة
ثــم ظهــر لــي وجــه آخــر‏:‏ وهــو أنــه لمــا قــال فيهــا‏:‏ ‏)‏ومــا أُوتيتُــم مِــن العلــمِ إِلا قليــلا‏(‏ والخطـــاب لليهـــود
واستظهـر علـى ذلـك بقصـة موسـى فـي بنـي إسرائيـل مـع الخضـر التـي كـان سببهــا ذكــر العلــم والأعلــم
===
ومــا دلــت عليــه مــن إحاطــة معلومــات اللــه عـــز وجـــل التـــي لا تحصـــى فكانـــت هـــذه الســـورة كإقامـــة
الدليل لما ذكر من الحكم
وقـد ورد فـي الحديــث أنــه لمــا نــزل‏:‏ ‏)‏ومــا أُوتيتُــم مِــن العلــمِ إِلا قليــلا‏(‏ قــال اليهــود‏:‏ قــد أُوتينــا التــوراة
فيهــا علـــم كـــل شـــيء فنـــزل‏:‏ ‏)‏قُـــل لـــو كـــانَ البحـــرُ مِـــداداً لكلمـــات رَبـــي لنَفـــدَ البحـــر قبـــلَ أَن تنفـــد
كلمــات ربــي ولَــو جِئنــا بمثلــهِ مــدداً‏(‏ فهــذا وجــه آخــر فــي المناسبــة وتكــون الســـورة مـــن هـــذه الجهـــة
جواباً عن شبهة الخصوم فيما قدر بتلك
وأيضـاً فلمـا قــال هنــاك‏:‏ ‏)‏فــإِذا جــاءَ وعــد الآخــرةِ جِئنــا بكُــم لفيفــاً‏(‏ شــرح ذلــك هنــا وبسطــه بقولــه‏:‏
‏)‏فـإِذا جـاءَ وعـد ربـي جعلـه دكـاء‏(‏ إلـى ‏)‏ونُفِــخَ فــي الصــور فجمعناهــم جمعــاً وعرضنــا جهنــم يومئــذٍ
للكافرين عرضاً‏(‏ فهذه وجوه عديدة في الاتصال

مريام المصري
06-09-2006, 10:43
سورة مريم
أقـول‏:‏ ظهـر لـي فـي وجـه مناسبتهـا لمـا قبلهـا‏:‏ أن سـورة الكهـف اشتملـت علـى عـدة أعاجيـب‏:‏ قصــة
أصحــاب الكهــف وطــول لبثهــم هـــذه المـــدة الطويلـــة بـــلا أكـــل ولا شـــرب وقصـــة موســـى مـــع الخضـــر
ومــا فيهـــا مـــن الخارقـــات وقصـــة ذي القرنيـــن وهـــذه الســـورة فيهـــا أعجوبتـــان قصـــة ولـــادة يحيـــى بـــن
===
وأيضــاً فقــد قيــل‏:‏ إن أصحــاب الكهــف يبعثـــون قبـــل قيـــام الساعـــة ويحجـــون مـــع عيســـى ابـــن مريـــم
حيـن ينـزل ففــي ذكــر ســورة مريــم بعــد ســورة أصحــاب الكهــف مــع ذلــك - إن ثبــت - مــا لا يخفــى
من المناسبة
وقـد قيــل أيضــاً‏:‏ إنهــم مــن قــوم عيســى وإن قصتهــم كانــت فــي الفتــرة فناســب توالــى قصتهــم وقصــة
نبيهم
سورة طه
أقـول‏:‏ روينـا عـن ابـن عبـاس وجابـر بـن زيـد فـي ترتيـب النــزول‏:‏ ان طــه نزلــت بعــد ســورة مريــم بعــد
ذكـر سـورة أصحـاب الكهـف وذلـك وحـده كـاف فـي مناسبـة الوضــع مــع التآخــي بالافتتــاح بالحــروف
المقطعة
وظهــر لــي وجهــه آخــر وهــو‏:‏ أنــه لمــا ذكــر فــي ســـورة مريـــم قصـــص عـــدة مـــن الأنبيـــاء وهـــم‏:‏ زكريـــا
ويحيـــى وعيســـى الثلاثـــة مبسوطـــة وإبراهيـــم وهـــي بيـــن البســـط والإيجـــاز وموســــى وهــــي موجــــزة
بجملة أشار إلى بقيـة النبييـن فـي الآيـة الأخيـرة إجمـالاً وذكـر فـي هـذه السـورة شـرح قصـة موسـى التـي
أجمـــل هنـــاك فاستوعبهـــا غايـــة الاستيعـــاب وبسطهـــا أبلـــغ بســـط ثـــم أشـــار إلـــى تفصيـــل قصــــة آدم
===
الـذي وقـع مجـرد اسمــه هنــاك ثــم أورد فــي ســورة الأنبيــاء بقيــة قصــص مــن لــم يذكــر فــي مريــم كنــوح
ولــــوط وداود وسليمــــان وأيـــــوب وذي الكفـــــل وذي النـــــون وأشيـــــر إلـــــى قصـــــة مـــــن ذكـــــرت قصتـــــه
إشارة وجيزة كموسى وهارون وإسماعيل وزكريا ومريم لتكون السورتان كالمتقابلتين
وبسطــت فيهــا قصــة إبراهيــم البســـط التـــام فيمـــا يتعلـــق بـــه مـــع قومـــه ولـــم تذكـــر حالـــه مـــع أبيـــه إلا
إشـارة كمـا أنـه فـي سـورة مريـم ذكـر حالـه مـع قومـه إشـارة ومـع أنـه مبسوطـاً فانظــر إلــى عجيــب هــذا
الأسلوب وبديع هذا الترتيب
سورة الأنبياء
قدمـت مـا فيهـا مستوفـي وظهــر لــي فــي اتصالهــا بآخــر طــه‏:‏ أنــه سبحانــه لمــا قــال‏:‏ ‏)‏قــل كــل متربــص
فتربصـوا‏(‏ وقـال قبلـه‏:‏ ‏)‏ولـولا كلمـةٍ سبقـت مـن رَبِـكَ لكـانَ لزامـاً وأَجـلا مسمـى‏(‏ قــال فــي مطلــع هــذه‏:‏
‏)‏اقترب للناس حسابهم‏(‏ إشارة إلى قرب الأجل ودنو الأمل المنتظر
وفيــه أيضــاً مناسبــة لقولــه هنـــاك‏:‏ ‏)‏ولا تمـــدن عينيـــك إلـــى مـــا متعنـــا بـــه أزواجـــاً منهـــم‏(‏ فـــإن قـــرب
الساعــــة يقتضــــى الإعــــراض عــــن هــــذه الحيــــاة الدنيــــا لدنوهــــا مــــن الــــزوال والفنــــاء ولهــــذا ورد فــــي
الحديــث أنهــا نزلــت قيــل لبعــض الصحابـــة‏:‏ هـــلا سألـــت النبـــي صلـــى اللـــه عليـــه وسلـــم عنهـــا فقـــال
===
سورة الحج
أقــول‏:‏ وجــه اتصالهــا بســورة الأنبيــاء‏:‏ أنــه ختمهــا بوصــف الساعــة فــي قولــه‏:‏ ‏)‏واقتــرب الوعــد الحــق
فـــإِذا هـــي شاخصـــة أبصـــار الذيـــن كفـــروا‏(‏ وافتتـــح هـــذه بذلــــك فقــــال‏:‏ ‏)‏إنَّ زلزلــــة الساعــــة شــــيء
عظيـــم يـــوم ترونهـــا تذهـــلُ كُـــلُ مُرضِعَـــةٍ عمـــا أَرضعـــت وتضـــعُ كُــــلَ ذاتِ حمــــلٍ حملهــــا وتــــرى النــــاسَ
سُكارى وما هُم بسكارى‏(‏
سورة المؤمنين
أقـول‏:‏ وجـه اتصالهـا بســورة الحــج‏:‏ أنــه لمــا ختمهــا بقولــه‏:‏ ‏)‏وافعلــوا الخيــر لعلكُــم تُفلِحــون‏(‏ وكــان ذلــك
مجمـلاً فصَّلـه فـي فاتحـة هـذه السـورة فذكـر خصـال الخيــر التــي مــن فعلهــا فقــد أفلــح فقــال‏:‏ ‏)‏قــد أَفلــحَ
المؤمنون الذينَ هُم في صلاتِهِم خاشعون‏(‏
ولمــا ذكــر أول الحــج قولــه‏:‏ ‏)‏يــا أَيُهــا النــاس إِن كنتُــم فــي ريــبٍ مِــن البعــثِ فإِنــا خلقناكــم مــن تـــراب ثـــم
مـن نطفـة‏(‏ زاده هنـا بيانـاً فـي قولـه‏:‏ ‏)‏ولقـد خَلقنــا الإِنســانَ مِــن سُلالــةٍ مِــن طيــن ثُــم جعلنــاهُ نطفــةً فــي
قرارٍ مكين‏(‏ فكل جملة أوجِزَت هناك في القصد أطنب فيها هنا
===
أقـول‏:‏ وجـه اتصالهـا بسـورة قــد أفلــح‏:‏ أنــه لمــا قــال‏:‏ ‏)‏والذيــنَ هُــم لفروجهــم حافظــون‏(‏ ذكــر فــي هــذه
أحكــام مــن لــم يحفــظ فرجــه مــن الزانيــة والزانــي ومــا اتصـــل بذلـــك مـــن شـــأن القـــذف وقصـــة الإفـــك
والأمـر بغــض البصــر وأمــر فيهــا بالنكــاح حفظــاً للفــروج وأمــر مــن لــم يقــدر علــى النكــاح بالاستعفــاف
وحفظ فرجه ونهى عن إكراه الفتيات على الزنا
ولا ارتباط أحسن من هذا الارتباط ولا تناسق أبدع من هذا النسق
سورة الفرقان
ظهــر لــي بفضــل اللــه بعدمــا فكــرت فــي هــذه‏:‏ أن نسبـــة هـــذه الســـورة لســـورة النـــور كنسبـــة ســـورة
الأنعام إلى المائدة
مــن حيــث أن النــور قــد ختمــت بقولــه‏:‏ ‏)‏للــهِ مــا فــي السمـــواتِ والـــأَرض‏(‏ كمـــا ختمـــت المائـــدة بقولـــه
‏)‏للهِ ملكُ السمواتِ والأَرض وما فيهن‏(‏
وكانــت جملــة النــور أخصــر مــن المائــدة ثــم فصلــت هــذه الجملــة فــي ســورة الفرقـــان فافتتحـــت بقولـــه
‏)‏الــذي لــه ملــك السمــوات‏(‏ إلــى قولــه ‏)‏وخلــق كــل شـــيء فقـــدرهُ تقديـــراً‏(‏ كمـــا افتتحـــت الأنعـــام بمثـــل
ذلــك وكــان قولــه عقبــه ‏)‏واتخــذوا مــن دونــهِ آلهــة‏(‏ إلــى آخــره نظيــر قولــه هنــاك ‏)‏ثــم الذيــن كفــروا بربهــم
===
ثـــم ذكـــر فـــي خلـــال هـــذه الســـورة جملـــة مـــن المخلوقـــات كمثـــل الظـــل والليـــل والنـــوم والنهــــار والريــــاح
والمـــــــاء والأنعـــــــام والأناســـــــي ومـــــــرج البحريـــــــن والإنســـــــان والنســـــــب والصهـــــــر وخلـــــــق السمـــــــوات
والــأرض فــي ستــة أيــام والاستــواء علــى العــرش وبــروج السمــاء والســراج والقمـــر إلـــى غيـــر ذلـــك ممـــا
هـو تفصيـل لجملـة‏:‏ ‏)‏للـهِ مـا فـي السمـواتِ والـأَرض‏(‏ كمـا فصـل آخـر المائـدة فـي الأنعـام بمثــل ذلــك وكــان
البسط في الأنعام أكثر لطولها
ثـم أشـار فـي هـذه السـورة إلـى القـرون المكذبـة وإهلاكـم كمــا أشــار فــي الأنعــام إلــى ذلــك ثــم أفصــح
عـن هـذه الإشــارة فــي الســورة التــي تليهــا وهــي الشعــراء بالبســط التــام والتفصيــل البالــغ كمــا أوضــح
تلك الإشارة التي في الأنعام وفصلها في سورة الأعراف التي تليها
فكانـت هاتـان السورتـان الفرقـان والشعــراء فــي المثانــى نظيــر تينــك السورتيــن الأنعــام والأعــراف فــي
الطوال واتصالهما بآخر النور نظير اتصال تلك بآخر المائدة المشتملة على فصل القضاء
ثـم ظهـر لــي لطيفــة أخــرى وهــي أنــه إذا وقعــت ســورة مكيــة بعــد ســورة مدنيــة افتتــح أولهــا بالثنــاء
علـــى اللـــه كالأنعـــام بعـــد المائــــدة والإســــراء بعــــد النحــــل وهــــذه بعــــد النــــور وسبــــأ بعــــد الأحــــزاب
والحديـــد بعـــد الواقعـــة وتبـــارك بعـــد التحريـــم لمـــا فـــي ذلـــك مـــن الإشـــارة إلــــى نــــوع استقلــــال وإلــــى
الإنتقال من نوع إلى نوع
===
أقــول وجــه اتصالهــا بســورة الفرقــان أنــه تعالــى لمــا أشــار فيهــا إلــى قصـــص مجملـــة بقولـــه ‏)‏ولقـــد آتينـــا
موســـى الكتـــاب وجعلنـــا معــــه أَخــــاه هــــارون وزيــــراً فقلنــــا اذهبــــا إلــــى القــــوم الذيــــن كذبــــوا بآياتنــــا
فدمرناهــم تدميـــراً وقـــوم نـــوح لمـــا كذبـــوا الرســـل أَغرقناهـــم وجعلناهـــم للنـــاس آيـــة وأَعتدنـــا للظالميـــن
عذابـاً أَليمـاً وعـاداً وثمـود وأَصحـاب الـرس وقرونـاً بيـنَ ذَلِــكَ كثيــراً‏(‏ شــرح هــذه القصــص وفصلهــا أبلــغ
تفصيـل فـي الشعـراء التـي تليهـا ولذلـك رتبـت علـى ترتيـب ذكرهـا فــي الآيــات المذكــورة فبــدئ بقصــة
موسى ولو رتبت على الواقع لأخرت كما في الأعراف
فانظر إلى هذا السر اللطيف الذي من الله بإلهامه
ولمـا كـان فـي الآيــات المذكــورة بقولــه ‏)‏وقرونــاً بيــنَ ذلِــكَ كثيــراً‏(‏ زاد فــي الشعــراء تفصيــلاً لذلــك قصــة
قوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب
ولمـــا ختـــم الفرقـــان بقولـــه‏:‏ ‏)‏وإِذا خاطبَهُـــم الجاهلـــونَ قالـــوا سَلامـــا‏(‏ وقولـــه‏:‏ ‏)‏وإِذا مــــروا باللغــــوِ مــــروا
كِرامــاً‏(‏ ختــم هــذه الســورة بذكــر الشعــراء الذيــن هــم بخلــاف ذلــك واستثنــى منهــم مــن سلــك سبيـــل
أولئك وبين ما يمدح من الشعر ويدخل في قوله ‏)‏سلاماً‏(‏ وما يذم منه ويدخل في اللغو
سورة النمل
===
أقـــول‏:‏ وجـــه اتصالهـــا بمـــا قبلهـــا‏:‏ أنهـــا كالتتمـــة لهـــا فـــي ذكـــر بقيـــة القـــرون فـــزاد سبحانـــه فيهـــا ذكـــر
سليمان وداود وبسط فيها قصة لوط أبسط مما هي في الشعراء
وقــد روينــا عــن إبـــن عبـــاس وجابـــر بـــن زيـــد فـــي ترتيـــب الســـور‏:‏ أن الشعـــراء أنزلـــت ثـــم طـــه ثـــم
القصص ولذلك كان ترتيبها في المصحف هكذا
وأيضــاً فقــد وفــع فيهــا‏:‏ ‏)‏وإِذ قــال موســى لأَهلــهِ امكثــوا إِنــي آنســتُ نـــاراً‏(‏ إلـــى آخـــره وذلـــك تفصيـــل
قوله في الشعراء‏:‏ ‏)‏فوهَبَ لي رَبي حكما وجعلني من المُرسَلين‏(‏
سورة القصص
أقـول‏:‏ ظهـر لـي بعـد الفكـرة‏:‏ أنـه سبحانـه لمـا حكـى فـي الشعـراء قـول فرعـون لموســى ‏)‏أَلــم نربــك فينــا
وليـداً ولبثـت فينـا مـن عُمـرِكَ سنيـنَ وفعلـتَ فِعلتَـكَ التـي فعلـت‏(‏ إلـى قـول موسـى ‏)‏ففــررتُ مِنكُــم لمــا
خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلنـي مـن المُرسليـن‏(‏ وقـال فـي طـس النمـل قـول موسـى لأهلـه‏:‏ ‏)‏إِنـي
آنســت نــاراً‏(‏ إلــى آخــره الــذي هــو فــي الوقــوع بعــد الفــرار ولمــا كــان علـــى سبيـــل الإشـــارة والإجمـــال
بسط في هذه السورة ما أوجزه في السورتين وفصل ما أجمله فيهما على حسب ترتيبهما
فبــدأ بشــرح تربيــة فرعـــون لـــه مصـــدراً بسبـــب ذلـــك‏:‏ مـــن علـــو رعـــون وذبـــح أبنـــاء بنـــي إسرائيـــل
===
الموجـب لإلقــاء موســى عنــد ولادتــه فــي اليــم خوفــاً عليــه مــن الذبــح وبســط القصــة فــي تربيتــه ومــا
وقـع فيهـا إلـى كبـره إلـى السبـب الـذي مــن أجلــه قتــل القبطــي وهــي الفعلــة التــي فعــل إلــى الهــم بذلــك
عليــه والموجــب لفــراره إلــى مديــن إلــى مــا وقــع لـــه مـــع شعيـــب وتزوجـــه بابنتـــه إلـــى أن ســـار بأهلـــه
وآنــس مـــن جانـــب الطـــور نـــاراً فقـــال لأهلـــه‏:‏ ‏)‏امكثـــوا إِنـــي آنســـت نـــاراً‏(‏ إلـــى مـــا وقـــع لـــه فيهـــا مـــن
المناجاة لربه وبعثه إياه رسولاً وما استتبع ذلك إلى آخر القصة
فكانت السورة شارحة لما أجمل في السورتين معاً على الترتيب
وبذلــك عــرف وجـــه الحكمـــة فـــي تقديـــم ‏)‏طـــس‏(‏ علـــى هـــذه وتأخيرهـــا عـــن الشعـــراء فللـــهِ الحمـــد
على ما ألهم
سورة العنكبوت
أقول ظهر لي فـي وجـه اتصالهـا بمـا قبلهـا‏:‏ أنـه تعالـى لمـا أخبـر فـي أول السـورة السابقـة عـن فرعـون أنـه‏:‏
‏)‏عــلا فــي الــأَرضِ وجعــلَ أَهلِهــا شيعــاً يستضعــف طائفــة مِنهُــم يذبــح أَبناءهـــم ويستحـــي نساءهـــم‏(‏
افتتــح هـــذه الســـورة بذكـــر المؤمنيـــن الذيـــن فتنهـــم الكفـــار وعذبوهـــم علـــى الإيمـــان بعـــذاب دون مـــا
عــذب بــه قــوم فرعــون بنــي إسرائيــل تسليــة لهــم بمــا وقــع لمــن قبلهــم وحثــا لهــم علــى الصبــر ولذلـــك

مريام المصري
06-09-2006, 10:44
===
وأيضـاً فلمـا كـان فــي خاتمــة القصــص الإشــارة إلــى هجــرة النبــي صلــى اللــه عليــه وسلــم وفــي خاتمــة
هذه الإشارة إلى هجرة المؤمنين بقوله‏:‏ ‏)‏يا عبادي إِن أَرضي واسعة‏(‏ ناسب تتاليهما
سورة الروم
أقــول ظهــر لــي فــي اتصالهـــا بمـــا قبلهـــا أنهـــا ختمـــت بقولـــه ‏)‏والذيـــنَ جاهـــدوا فينـــا لنهديَنَهُـــم سُبُلنـــا‏(‏
فافتتحـت هــذه بوعــد مــن غلــب مــن أهــل الكتــاب بالغلبــة والنصــر وفــرح المؤمنيــن بذلــك وأن الدولــة
لأهل الجهاد فيه ولا يضرهم ما وقع لهم قبل ذلك من هزيمة
هـذا مـع تآخيههـا بمـا قبلهـا فـي المطلــع فــإن كــلا منهمــا افتتــح ب ‏)‏الــم‏(‏ غيــر معقــب بذكــر القــرآن وهــو
خلــاف القاعــدة الخاصــة بالمفتتــح بالحـــروف المقطعـــة فإنهـــا كلهـــا عقبـــت بذكـــر الكتـــاب أو وصفـــه إلا
هاتين السورتين وسورة القلم لنكتة بينتها في أسرار التنزيل
سورة لقمان
أقول‏:‏ ظهر لي في اتصالها بما قبلها مع المؤاخاة في الافتتاح بـ ‏)‏الم‏(‏
أن قولـه تعالـى هنـا‏:‏ ‏)‏هُـدى ورحمـة للمُحسنيــن الذيــن يقيمــونَ الصلــاة ويؤتــون الزكــاةَ وهُــم بالآخــرةِ هُــم
يوقنـون‏(‏ متعلـق بقولـه فـي آخـر سـورة الـروم‏:‏ ‏)‏وقـالَ الذيـنَ أُوتـوا العلـمَ والإِيمـان لقـد لبثتُـم فـي كتـاب اللَـهِ
===
وأيضاً ففي كلتا السورتين جملة من الأديان وبدء الخلق
وذكـر فـي الـروم‏:‏ ‏)‏فـي روضـة يحبـرون‏(‏ وقـد فسـر بالسمـاع وفـي لقمـان‏:‏ ‏)‏ومِـنَ النــاسِ مَــن يَشتــري لهــوَ
الحديث‏(‏ وقد فسر بالغناء وآلات الملاهي
سورة السجدة
أقول وجه اتصالها بما قبلها أنها شرحت مفاتح الغيب الخمسة التي ذكرت في خاتمة لقمان
فقوله هنا‏:‏ ‏)‏ثُمَ يعرج إِليهِ في يومٍ كانَ مقداره أَلف سنة مما تعدون‏(‏
شرح لقوله هناك‏:‏ ‏)‏إِنَّ اللَهَ عِندهُ عِلمَ الساعة‏(‏ ولذلك عقب هنا بقوله‏:‏ ‏)‏عالمِ الغيبَ والشِهادة‏(‏
وقوله‏:‏ ‏)‏أَولَم يروا أَنّا نسوق الماء إِلى الأَرض الجرز‏(‏ شرح لقوله‏:‏ ‏)‏ويُنزلُ الغيث‏(‏
وقوله‏:‏ ‏)‏الذي أَحسنَ كل شيء خلقه‏(‏ شرح لقوله‏:‏ ‏)‏ويعلَم ما في الأَرحام‏(‏
وقولــه‏:‏ ‏)‏يدبــر الأَمــر مــن السمــاء إِلــى الــأرض‏(‏ و ‏)‏ولــو شئنــا لآتينـــا كـــل نفـــسٍ هُداهـــا‏(‏ شـــرح لقولـــه‏:‏
‏)‏ومـا تَـدري نفـسٌ مـاذا تكسِـبُ غـداً‏(‏ وقولـه‏:‏ ‏)‏أَئـذا ضللنـا فـي الـأرض‏(‏ إلـى قولــه‏:‏ ‏)‏قُــل يتوفاكُــم ملــك
المـوت الــذي وكــل بكــم ثــم إلــى ربكــم مرجعكُــم‏(‏ شــرح لقولــه‏:‏ ‏)‏ومــا تَــدري نفــسٌ بــأَي أَرض تمــوت‏(‏
فللهِ الحمد على ما ألهم
===
أقـول‏:‏ وجــه اتصالهــا بمــا قبلهــا‏:‏ تشابــه مطلــع هــذه ومقطــع تلــك فــإن تلــك ختمــت بأمــر النبــي صلــى
اللــه عليــه وسلــم بالإعـــراض عـــن الكافريـــن وانتظـــار عذابهـــم ومطلـــع هـــذه الأمـــر بتقـــوى اللـــه وعـــدم
طاعة الكافرين والمنافقين فصارت كالتتمة لما ختمت به تلك حتى كأنهما سورة واحدة
سورة سبأ
أقـــول‏:‏ ظهـــر لـــي وجـــه اتصالهـــا بمـــا قبلهـــا وهـــو أن تلـــك لمـــا ختمـــت بقولـــه‏:‏ ‏)‏ليُعـــذبَ اللَـــهُ المُنافقيـــنَ
والمُنافِقـات والمُشركيـنَ والمُشرِكـات ويتـوب اللَـهُ علـى المؤمنيـنَ والمؤمنـات‏(‏ افتتحـت هــذه بــأن لــه مــا فــي
السمـــوات ومـــا فـــي الـــأرض وهـــذا الوصـــف لائـــق بذلـــك الحكــــم فــــإن الملــــك العــــام والقــــدرة التامــــة
يقتضيان ذلك
وخاتمــة ســورة الأحــزاب‏:‏ ‏)‏وكــانَ اللَــهُ غَفــوراً رَحيمــاً‏(‏ وفاصلــة الآيـــة الثانيـــة مـــن مطلـــع سبـــأ‏:‏ ‏)‏وهـــوَ
الرحيم الغفور‏(‏
سورة فاطر
أقول‏:‏ مناسبة وضعها بعد سبأ تآخيهما في الافتتاح بالحمد مع تناسبهما في المقدار
وقـال بعضهـم‏:‏ افتتـاح سـورة فاطـر بالحمـد مناسـب لختـام مـا قبلهــا مــن قولــه‏:‏ ‏)‏وحيــل بينَهُــم وبيــنَ مــا
===
يشتهــون كمــا فعــلَ بأشياعهــم مـــن قبلهـــم‏(‏ فهـــو نظيـــر اتصـــال أول الأنعـــام بفصـــل القضـــاء المختتـــم بـــه
المائدة
سورة يس
أقـول ظهـر لـي وجـه اتصالهـا بمـا قبلهـا‏:‏ أنـه لمـا ذكـر فـي ســورة فاطــر قولــه‏:‏ ‏)‏وجاءَكُــم النَذيــر‏(‏ وقولــه‏:‏
‏)‏وأَقسِمــوا باللَــهِ جهــد أيمانهــم لئــن جاءهُــم نذيــر ليكونــن أَهــدى مــن إِحــدى الأُمــم فلمــا جاءهــم نذيــر‏(‏
والمــراد بــه محمــد صلــى اللــه عليــه وسلــم وقــد أعرضــوا عنــه وكذبــوه فافتتــح هــذه الســورة بالإقســام
على صحة رسالته وأنه على صراط مستقيم لينذر قوماً ما أنذر آباؤهم وهذا وجه بين
وفــي فاطــر‏:‏ ‏)‏وسخــرَّ الشمــس والقمــر‏(‏ وفـــي يـــس ‏)‏والشَمـــسُ تَجـــري لمستقرهـــا ذلـــك تقديـــر العزيـــز
العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم‏(‏ وذلك أبسط وأوضح
وفـي فاطـر‏:‏ ‏)‏وتـرى الفُلـكَ فيــه مواخــر‏(‏ وفــي يــس ‏)‏وآيــة لهــم أَنــا حلمنــا ذُريَتهــم فــي الفلــك المشحــون
وخلقنا لهُم مِن مثله ما يركبون وإن نشأ نُغرِقُهُم فلا صريخ لهُم ولاهُم ينقذون‏(‏ فزاد القصة بسطاً
سورة الصافات
أقــول هــذه الســورة بعــد ‏)‏يــس‏(‏ كالأعــراف بعــد الأنعــام وكالشعــراء بعــد الفرقـــان فـــي تفصيـــل أحـــوال
===
سورة ص
أقـــول‏:‏ هـــذه الســـورة بعـــد الصافـــات كطـــس بعـــد الشعـــراء وكطــــه والأنبيــــاء بعــــد مريــــم وكيوســــف
بعـد هـود فـي كونهـا متممـة لهـا بذكـر مـن بقـى مـن الأنبيـاء ممــن لــم يذكــروا فيهــا فإنــه سبحانــه ذكــر فــي
الصافــــات نوحــــاً وإبراهيــــم والذبيــــخ وموســــى وهــــارون ولوطــــاً وإليـــــاس ويونـــــس وذكـــــر هنـــــا داود
وسليمــان وأيــوب وأشــار إلــى بقيــة مــن ذكــر فهــي بعدهــا أشبـــه شـــيء بالأنبيـــاء وطـــس بعـــد مريـــم
والشعراء
سورة الزمر
لا يخفـى وجـه اتصــال أولهــا بآخــر ‏)‏ص‏(‏ حيــث قــال فــي ‏)‏ص‏(‏ ‏)‏إِن هــو إِلا ذكــر للعالميــن‏(‏ ثــم قــال هنــا
‏)‏تنزيــل الكتــاب مــن اللَــهِ‏(‏ فكأنــه قيــل‏:‏ هــذا الذكــر تنزيــل وهــذا تلــاؤم شديــد بحيــث أنــه لــو أسقطــت
البسملة لا لتأمت الآيتان كالآية الواحدة
وقــد ذكـــر اللـــه تعالـــى فـــي آخـــر ‏)‏ص‏(‏ قصـــة خلـــق آدم وذكـــر فـــي صـــدر هـــذه قصـــة خلـــق زوجـــه
وخلـق النـاس كلهـم منـه وذكـر خلقهـم فــي بطــون أمهاتهــم خلقــاً مــن بعــد خلــق ثــم ذكــر أنهــم ميتــون ثــم
ذكـــر وفـــاة النـــوم والمـــوت ثـــم ذكـــر القيامـــة والحســـاب والجـــزاء والنـــار والجنـــة وقـــال‏:‏ ‏)‏وقَضـــى بينَهُــــم
===
فذكر أحوال الخلق من المبدأ إلى المعاد متصلاً بخلق آدم المذكور في السورة التي قبلها
سورة غافر
أقــول‏:‏ وجــه إيــلاء الحواميــم السبــع ســورة الزمــر‏:‏ تآخـــى المطالـــع فـــي الافتتـــاح بتنزيـــل الكتـــاب وفـــي
مصحف أبي بن كعب‏:‏ أول الزمر ‏)‏حم‏(‏ وذلك مناسبة جليلة
ثــم إن الحواميــم ترتبــت لاشتراكهــا فــي الافتتــاح ب ‏)‏حــم‏(‏ وبذكــر الكتــاب بعــد حــم وأنهــا مكيــة بـــل
ورد في الحديث أنها نزلت جملة
وفيها شبه من ترتيب ذوات ‏)‏الر‏(‏ الست
فانظـر ثانيــة الحواميــم وهــي فصلــت كيــف شابهــت ثانيــة ذوات ‏)‏الــر‏(‏ هــود فــي تغييــر الأسلــوب فــي
وصــف الكتــاب وأن فــي هــود‏:‏ ‏)‏كتــاب أُحكِمَــت آياتــه ثُــم فُصلــت‏(‏ وفــي فصلــت‏:‏ ‏)‏كتــاب فصلـــت
آياتـــهُ‏(‏ وفـــي سائـــر ذوات ‏)‏الـــر‏(‏ ‏)‏تلــــك آيــــات الكتــــاب‏(‏ وفــــي سائــــر الحواميــــم‏:‏ ‏)‏تنزيــــلُ الكتــــاب‏(‏ أو
‏)‏والكتاب‏(‏
وروينــا عــن جابــر بــن زيــد وابــن عبــاس فـــي ترتيـــب نـــزول الســـور‏:‏ أن الحواميـــم نزلـــت عقـــب الزمـــر
وأنهـــا نزلـــت متتاليـــات كترتيبهـــا فـــي المصحـــف‏:‏ المؤمـــن ثـــم السجـــدة ثـــم الشـــورى ثـــم الزخـــرف ثـــم
===
الدخـان ثـم الجاثيـة ثـم الأحقـاف ولـم يتخللهـا نـزول غيرهــا وتلــك مناسبــة جليــة واضحــة فــي وضعهــا
هكذا
ثــم ظهــر لــي لطيفــة أخــرى وهــي‏:‏ أنــه فـــي كـــل ربـــع مـــن أربـــاع القـــرآن توالـــت سبـــع ســـور مفتتحـــة
بالحــروف المقطعــة فهــذه السبــع مصــدرة ب ‏)‏حــم‏(‏ وسبــع فـــي الربـــع الـــذي قبلـــه ذوات ‏)‏الـــر‏(‏ الســـت
متواليــة و ‏)‏المــص‏(‏ الأعــراف فإنهــا متصلــة بيونــس علــى مــا تقدمــت الإشـــارة إليـــه وافتتـــح أول القـــرآن
بسورتين من ذلك وأول النصف الثاني بسورتين
وقـال الكرمانـي فـي العجائـب‏:‏ ترتيـب الحواميـم السبــع لمــا بينهــا مــن التشاكــل الــذي خصــت بــه وهــو‏:‏
أن كــل ســورة منهــا اسفتحــت بالكتـــاب أو وصفـــه مـــع تفـــاوت المقاديـــر فـــي الطـــول والقصـــر وتشاكـــل
الكلام في النظام انتهى
قلــت‏:‏ وانظــر إلــى مناسبــة ترتيبهــا فــإن مطلــع غافــر مناســب لمطلــع الزمــر ومطلــع فصلــت التـــي هـــي
ثانيـــة الحواميـــم مناســــب لمطلــــع هــــود التــــي هــــي ثانيــــة ذوات ‏)‏الــــر‏(‏ ومطلــــع الرخــــرف مــــؤاخ لمطلــــع
الدخان وكذا مطلع الجاثية لمطلع الأحقاف
سورة القتال
===
لا يخفــى وجــه ارتبـــاط أولهـــا بقولـــه فـــي آخـــر الأحقـــاف‏:‏ ‏)‏فهَـــل يهلـــك إِلا القـــوم الفاسقـــون‏(‏ واتصالـــه
وتلاحمـــه بحيـــث أنـــه لـــو أسقطـــت البسملـــة منـــه لكـــان متصـــلاً اتصـــالاً واحـــداً لا تنافـــر فيــــه كالآيــــة
الواحدة آخذاً بعضه بعنق بعض
سورة الفتح
لا يخفـــى وجـــه حســـن وضعهـــا هنـــا لـــأن الفتـــح بمعنـــى النصــــر مرتــــب علــــى القتــــال وقــــد ورد فــــي
الحديـث‏:‏ أنهـا مبينـة لمـا يفعـل بـه وبالمؤمنيـن بعـد إبهامـه فـي قولـه تعالــى فــي الأحقــاف‏:‏ ‏)‏ومــا أَدري مــا
يفعل بي ولا بكم‏(‏ فكانت متصلة بسورة الأحقاف من هذه الجملة
سورة الحجرات
لا يخفــى تآخــي هاتيــن السورتيــن الفتــح والحجــرات مــع مــا قبلهمــا لكونهمــا مدنيتيــن ومشتملتيــن علــى
أحكـام فتلــك فيهــا قتــال الكفــار وهــذه فيهــا قتــال البغــاة وتلــك ختمــت بالذيــن آمنــوا وهــذه افتتحــت
بالذيــن آمنــوا وتلــك تضمنــت تشريفــاً لــه صلــى اللــه عليــه وسلــم خصوصــاً مطلعهــا وهـــذه أيضـــاً فـــي
مطلعها أنواع من التشريف له صلى الله عليه وسلم
===
أقــول‏:‏ لمـــا ختمـــت ‏)‏ق‏(‏ بذكـــر البعـــث واشتملـــت علـــى ذكـــر الجـــزاء والجنـــة والنـــار وغيـــر ذلـــك مـــن
أحــوال القيامــة افتتــح هـــذه الســـورة بالإقســـام علـــى أن مـــا توعـــدون مـــن ذلـــك لصـــادق وإن الديـــن -
وهو الجزاء - لواقع
ونظير ذلك‏:‏ افتتاح المرسلات بذلك بعد ذكر الوعد والوعيد والجزاء في سورة الإنسان
سورة الطور
أقــول‏:‏ وجــه وضعهــا بعــد الذاريــات‏:‏ تشابههمــا فــي المطلــع والمقطــع فــإِن فــي مطلـــع كـــل منهمـــا صفـــة
حـال المتقيـن بقولـه‏:‏ ‏)‏إِنَّ المُتَقيـنَ فـي جنـاتٍ‏(‏ وفـي مقطـع كـل منهمـا صفـة حــال الكفــار بقولــه فــي تلــك‏:‏
‏)‏فويلٌ للَذينَ كفروا‏(‏ وفي هذه‏:‏ ‏)‏فالذينَ كَفَروا‏(‏
سورة النجم
أقــول‏:‏ وجـــه وضعهـــا بعـــد الطـــور‏:‏ أنهـــا شديـــدة المناسبـــة لهـــا فـــإن الطـــور ختمـــت بقولـــه‏:‏ ‏)‏وإِدبـــار
النجوم‏(‏ وافتتحت هذه بقوله‏:‏ ‏)‏والنجمِ إِذا هوى‏(‏
ووجــه آخــر‏:‏ أَن الطــور ذكــر فيهــا ذريــة المؤمنيــن وأنهــم تبــع لآبائهــم وهــذه فيهــا ذكــر ذريــة اليهــود فــي
قوله‏:‏ ‏)‏هوَ أَعلم بكم إِذ أَنشأَكم من الأَرض

مريام المصري
06-09-2006, 10:47
===
ولمـا قـال هنـاك فـي المؤمنيـن‏:‏ ‏)‏أَلحقنـا بهــم ذريتهــم ومــا أَلتناهــم مــن عملهــم مــن شــيء‏(‏ أي‏:‏ مــا نقصنــا
الآباء بما أعطينا البنين مع نفعهم بما عمل آباؤهم
قــال هنــا فــي صفــة الكفــار أو بنــي الكفــار‏:‏ ‏)‏وأن ليــسَ للإِنســان إِلا مــا سعــى‏(‏ خلــاف مــا ذكــر فــي
المؤمنين الصغار
وهذا وجه بين بديع في المناسبة من وادي التضاد
سورة القمر
أقـول‏:‏ لا يخفـى مـا فـي توالـى هاتيـن السورتيـن مـن حسـن التناسـق فـي التسميــة لمــا بيــن النجــم والقمــر
من الملابسة ونظيره توالى الشمس والليل والضحى وقبلها سورة الفجر
ووجــه آخــر وهــو‏:‏ أن هــذه الســورة بعــد النجــم كالأعــراف بعـــد الأنعـــام وكالصافـــات بعـــد يـــس فـــي
أنهـا تفصيـل لأحـوال الأمـم المشـار إلـى إهلاكهـم إلــى قولــه هنــاك‏:‏ ‏)‏وأَنــه أَهلــكَ عــاداً الأولــى وثمــود فمــا
أَبقى وقوم نوح من قبل إِنهم كانوا هُم أَظلم وأَطغى والمؤتَفِكة أَهوى‏(‏
سورة الرحمن
أقــول‏:‏ لمــا قــال سبحانــه وتعالــى فــي آخــر القمــر‏:‏ ‏)‏بــل الساعــةِ موعدهــم والساعـــة أَدهـــى وأَمـــر‏(‏ ثـــم
===
وصـف حـال المجرميـن فـي سقـر وحـال المتقيـن فـي جنــات ونهــر فصــل هــذا الإجمــال فــي هــذه الســورة
أتم تفصيل على الترتيب الوارد في الإجمال
فبــدأ بوصــف مــرارة الساعــة والإشــارة إلــى إدهائهـــا ثـــم وصـــف النـــار وأهلهـــا والجنـــة وأهلهـــا ولـــذا
قـال فيهـم ‏)‏ولِمـن خـافَ مقــام ربــهِ جنتــان‏(‏ وذلــك هــو عيــن التقــوى ولــم يقــل‏:‏ لمــن آمــن وأطــاع أو نحــوه
لتتوافق الألفاظ في التفصيل والمفصل
وعرف بذلك أن هذه السورة بأسرها شرح لآخر السورة التي قبلها فلله
الحمد على ما ألهم وفهم
سورة الواقعة
أقـول‏:‏ هــذه الســورة متآخيــة مــع ســورة الرحمــن فــي أن كــلا منهمــا فــي وصــف القيامــة والجنــة والنــار
وانظـر إلـى اتصـال قولـه هنـا‏:‏ ‏)‏إِذا وقعـت الواقعـة‏(‏ بقولـه هنــاك‏:‏ ‏)‏فــإِذا انشقــت السمــاء‏(‏ ولهــذا اقتصــر
فـي الرحمـن علـى ذكـر انشقـاق السمـاء وفـي الواقعـة علـى ذكـر رج الــأرض فكــأن السورتيــن لتلازمهمــا
واتحادهما سورة واحدة
ولهـذا عكـس فـي الترتيـب فذكـر فـي أول هـذه السـورة مـا ذكـره فـي آخـر تلـك وفـي آخـر هـذه مــا فــي
===
فافتتــح الرحمــن بذكــر القــرآن ثــم ذكــر الشمــس والقمــر ثــم ذكــر النبــات ثــم خلـــق الإنســـان والجـــان مـــن
مارج من نار ثم صفة القيامة ثم صفة النار ثم صفة الجنة
وابتــدأ هــذه بذكــر القيامــة ثــم صفــة الجنــة ثــم صفــة النــار ثــم خلــق الإنســان ثــم النبــات ثــم المــاء ثـــم
النار ثم النجوم ولم يذكرها في الرحمن كما لم يذكر هنا الشمس والقمر ثم ذكر القرآن
فكانت هذه السورة كالمقابلة لتلك وكردّ العجز على الصدر
سورة الحديد
قال بعضهم‏:‏ وجه اتصالها بالواقعة‏:‏ أنها قدمت بذكر التسبيح وتلك ختمت بالأمر به
قلــت‏:‏ وتمامــه‏:‏ أن أول الجديــد واقــع موقــع العلــة للأمــر بـــه وكأنـــه قـــال ‏)‏فسَبِـــح باســـم ربـــك العظيـــم‏(‏
لأنه ‏)‏سبح للَهِ ما في السموات والأَرض‏(‏
سورة المجادلة
أقــول‏:‏ لمــا كــان فــي مطلــع الحديــد ذكــر صفاتــه الجليلــة ومنهــا‏:‏ الظاهــر والباطــن وقــال‏:‏ ‏)‏يعلـــمُ مـــا يلـــجُ
فـي الـأَرضِ ومـا يخـرجُ منهـا ومـا ينـزل مـن السمـاء ومـا يعـرج فيهــا وهــو معكــم أينمــا كُنتُــم‏(‏ افتتــح هــذه
بذكـر أنـه سمـع قولـه المجادلـة التـي شكـت إليـه صلـى اللـه عليـه وسلــم ولهــذا قالــت عائشــة رضــي اللــه
===
وذكـر بعـد ذلـك قولـه‏:‏ ‏)‏أَلـم تـر أَن اللَـهَ يعلـمُ مـا فـي السمـوات ومـا فـي الـأَرض مـا يكـون مـن نجـوى ثلاثــة
إِلا هو رابعهم‏(‏ وهو تفصيل لقوله‏:‏ ‏)‏وهوَ معكُم أَينما كنتُم‏(‏
وبذلك تعرف الحكمة في الفصل بها بين الحديد والحشر مع تآخيهما في الافتتاح بـ ‏)‏سبح‏(‏
سورة الحشر
آخر سورة المجادلة نزل فيمن قتل أقرباؤه من الصحابة يوم بدر
وأول الحشر نازل في غزوة بني النضير وهي عقبها وذلك نوع من المناسبة والربط
وفـي آخـر تلـك‏:‏ ‏)‏كتـب اللَـه لأَغلبـن أَنـا ورسُلـي‏(‏ وفـي أول هـذه‏:‏ ‏)‏فأَتاهـم اللَـهُ مِــن حيــثُ لــم يحتسبــوا
وقذفَ في قلوبهم الرعب‏(‏
وفي آخر تلك ذكر من حاد اللَه ورسوله وفي أَول هذه ذكر من شاق اللَه ورسوله
سورة الممتحنة
أقــول‏:‏ لمــا كانــت ســورة الحشــر فــي المعاهديــن مــن أهــل الكتــاب عقبـــت بهـــذه لاشتمالهـــا علـــى ذكـــر
المعاهدين من المشركين لأنها نزلت في صلح الحديبية
ولمــا ذكــر فــي الحشــر موالــاة المؤمنيــن بعضهــم بعضـــاً ثـــم موالـــاة الذيـــن مـــن أهـــل الكتـــاب افتتـــح هـــذه
===
السـورة بنهـي المؤمنيـن عــن اتخــاذ الكفــار أوليــاء لئــلا يشابهــوا المنافقيــن فــي ذلــك وكــرر ذلــك وبسطــه
إلـى أن ختـم بــه فكانــت فــي غايــة الاتصــال ولذلــك فصــل بهــا بيــن الحشــر والصــف مــع تآخيهمــا فــي
الافتتاح بـ ‏)‏سبح‏(‏
سورة الصف
أقول‏:‏ في سورة الممتحنة ذكر الجهاد في سبيل الله وبسطه في هذه السورة أبلغ بسط
سورة الجمعة
أقـول‏:‏ ظهـر لـي فـي وجـه اتصالهــا بمــا قبلهــا‏:‏ أنــه تعالــى لمــا ذكــر فــي ســورة الصــف حــال موســى مــع
قومــه وأذاهــم لــه ناعيــاً عليهــم ذلـــك ذكـــر فـــي هـــذه الســـورة حـــال الرســـول صلـــى اللـــه عليـــه وسلـــم
وفضل أمته تشريفاً لهم ليظهر فضل ما بين الأمتين ولذا لم يعرض فيها الذكر اليهود
وأيضــاً لمــا ذكــر هنــاك قــول عيســى‏:‏ ‏)‏ومُبشــراً برســول يأَتــي مــن بَعــدي اسمُــهُ أَحمــد‏(‏ قــال هنــا‏:‏ ‏)‏هــوَ
الـذي بعـث فـي الأُمييـن رَسـولاً منهـم‏(‏ إشـارة إلـى أنـه الـذي بشــر بــه عيســى وهــذا وجــه حســن فــي
الربط
وأيضــاً لمــا ختـــم تلـــك الســـورة بالأمـــر بالجهـــاد وسمـــاه تجـــارة ختـــم هـــذه بالأمـــر بالجمعـــة وأخبـــر أنهـــا
===
وأيضـــاً‏:‏ فتلـــك ســـورة الصـــف والصفـــوف تشـــرع فـــي موضعيـــن‏:‏ القتــــال والصلــــاة فناســــب تعقيــــب
ســورة صــف القتــال بســورة صلــاة تستلــزم الصــف ضــرورة وهــي الجمعــة لـــأن الجماعـــة شـــرط فيهـــا
دون سائر الصلوات
فهذه وجوه أربعة فتح الله بها
سورة المنافقون
أقــول‏:‏ وجــه اتصالهــا بمــا قبلهـــا‏:‏ أن ســـورة الجمعـــة ذكـــر فيهـــا المؤمنـــون وهـــذه ذكـــر فيهـــا أضدادهـــم
وهـم المنافقـون ولهـذا أخـرج الطبرانــي فــي الأوســط عــن أبــي هريــرة‏:‏ أن رســول اللــه صلــى اللــه عليــه
وسلــم كــان يقــرأ فــي صلــاة الجمعــة بســورة الجمعــة يحـــرض بهـــا المؤمنيـــن وبســـورة المنافقيـــن يفـــزع بهـــا
المنافقين
وعـام المناسبـة أن السـورة التـي بعدهـا فيهـا ذكـر المشركيــن والســورة التــي قبــل الجمعــة فيهــا ذكــر أهــل
الكتـاب مــن اليهــود والنصــارى والتــي قبلهــا وهــي الممتحنــة فيهــا ذكــر المعاهديــن مــن المشركيــن والتــي
قبلهــا وهــي الحشــر فيهــا ذكــر المعاهديــن مــن أهــل الكتــاب فإنهــا نزلــت فــي بنــي النضيــر حيــن نبـــذوا
العهد وقوتلوا
===
وبذلــك أتضحــت المناسبــة فــي ترتيــب هــذه الســور الســت هكــذا لاشتمالهــا علـــى أصنـــاف الأمـــم
وفـي الفصــل بيــن المسبحــات بغيرهــا لــأن إيــلاء ســورة المعاهديــن مــن أهــل الكتــاب بســورة المعاهديــن
من المشركين أنسب من غيره وإيلاء سورة المؤمنين بسورة المنافقين أنسب من غيره
فظهــر بذلــك أن الفصــل بيــن المسبحــات التــي هــي نظائــر لحكمــة دقيقــة مــن لــدن حكيـــم خبيـــر فللـــه
الحمد على ما فهم وألهم
هــذا وقــد ورد عــن ابــن عبــاس فــي ترتيــب النــزول‏:‏ أن ســـورة التغابـــن نزلـــت عقـــب الجمعـــة وتقـــدم
نزول سورة المنافقون فما فصل بينهما إلا لحكمة والله أعلم
سورة التغابن
أقــول‏:‏ لمــا وقــع فــي آخــر ســورة المنافقــون‏:‏ ‏)‏وأَنفِقـــوا ممّـــا رَزقناكُـــم مِـــن قبـــلِ أَن يأَتـــي أَحدكُـــم المـــوت‏(‏
عقــب بســورة التغابــن لأنــه قيــل فــي معنــاه‏:‏ إن الإنســان يأتــي يــوم القيامـــة وقـــد جمـــع مـــالاً ولـــم يعمـــل
فيـه خيـراً فأخـذه وارثـه بسهولـة مــن غيــر مشقــة فــي جمعــه فأنفقــه فــي وجــوه الخيــر فالجامــع محاســب
معذب مع تعبه في جمعه والوارث منعَّم مثاب مع سهولة وصوله إليه وذلك هو التغابن
فارتباطــه بآخــر الســورة المذكــورة فــي غايــة الوضــوح ولهــذا قــال هنــا‏:‏ ‏)‏وأَنفِقــوا خيــراً لأَنفُسَكُــم ومَـــن
===
وأيضــاً ففــي آخــر تلــك‏:‏ ‏)‏لا تُلهِكُــم أَموالِكُـــم وَلا أَولادكُـــم عَـــن ذكـــرِ اللَـــهِ‏(‏ وفـــي هـــذه‏:‏ ‏)‏إِنَّمـــا أَموالكُـــم
وأَولادكم فتنة‏(‏ وهذه الجمة كالتعليل لتلك الجملة ولذا ذكرت على ترتيبها
وقــال بعضهــم‏:‏ لمـــا كانـــت ســـورة المنافقـــون رأس ثلـــاث وستيـــن ســـورة أشيـــر فيهـــا إلـــى وفـــاة النبـــي
صلــى اللــه عليــه وسلــم بقولــه‏:‏ ‏)‏ولَـــن يؤخِـــر اللَـــهُ نفســـاً إِذا جـــاءَ أَجَلُهـــا‏(‏ فانـــه مـــات علـــى رأس ثلـــاث
وستين سنة وعقبها بالتغابن ليظهر التغابن في فقده صلى الله عليه وسلم
سورة الطلاق
أقـول‏:‏ لمـا وقــع فــي ســورة التغابــن‏:‏ ‏)‏إِنَّ مِــن أَزواجِكُــم وأَولادِكُــم عــدواً لَكُــم‏(‏ وكانــت عــداوة الــأزواج
تفضـــي إلـــى الطلـــاق وعـــداوة الأولـــاد قــــد تفضــــي إلــــى القســــوة وتــــرك الإنفــــاق عليهــــم عقــــب ذلــــك
بسورة فيها ذكر أحكام الطلاق والإنفاق على الأولاد والمطلقات بسببهم
سورة التحريم
أقــول‏:‏ هــذه الســورة متآخيــة مــع التــي قبلهــا بالافتتــاح بخطــاب النبــي صلــى اللـــه عليـــه وسلـــم وتلـــك
مشتملة على طلاق النساء وهذه على تحريم الإيلاء وبينهما من المناسبة مالا يخفى
ولمـا كانـت تلـك فـي خصــام نســاء الأمــة ذكــر فــي هــذه خصومــة نســاء النبــي صلــى اللــه عليــه وسلــم
===
إعظامــاً لمنصهــن أن يذكــرن مــع سائـــر النســـوة فأفـــردن بســـورة خاصـــة ولهـــذا ختمـــت بذكـــر امرأتيـــن
في الجنة‏:‏ آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران
سورة تبارك
أقــول‏:‏ ظهــر لــي بعــد الجهــد‏:‏ أنــه لمــا ذكــر آخــر التحريــم امرأتــي نــوح ولــوط الكافرتيــن وامـــرأة فرعـــون
المؤمنـة افتتحـت هـذه السـورة بقولـه‏:‏ ‏)‏الَـذي خَلـقَ المـوتُ والحيـاة‏(‏ مــراداً بهمــا الكفــر والإيمــان فــي أحــد
الأقــــوال للإشــــارة إلــــى أن الجميــــع بخلقــــه وقدرتــــه ولهــــذا كفــــرت امرأتــــا نـــــوح ولـــــوط ولـــــم ينفعهمـــــا
اتصالهمــا بهذيــن النبييــن الكريميــن وآمنــت امــرأة فرعــون ولــم يضرهــا اتصالهــا بهــذا الجبــار العنيــد لمـــا
سبق في كل من القضاء والقدر
ووجــه آخــر وهــو أن تبـــارك متصـــل بقولـــه فـــي آخـــر الطلـــاق‏:‏ ‏)‏اللَـــهُ الَـــذي خَلـــقَ سبـــعَ سمـــواتٍ ومِـــن
الـأَرض مثلهـن‏(‏ فـزاد ذلـك بسطـاً فـي هـذه الآيـة‏:‏ ‏)‏الَـذي خَلـقَ سبـعَ سمـاواتٍ طباقـاً مـا تــرى فــي خَلــقِ
الرحمَـــنِ مِـــن تفـــاوت فارجِـــع البصَـــر هَـــل تَـــرى مِـــن فطـــور‏(‏ إلــــى قولــــه‏:‏ ‏)‏ولَقــــد زينّــــا السمــــاءَ الدُنيــــا
بمصابيح‏(‏ وإنما فصلت بسورة التحريم لأنها كالتتمة لسورة الطلاق

مريام المصري
06-09-2006, 10:49
سورة ن
===
أقـــول‏:‏ لمـــا ذكـــر سبحانـــه فـــي آخـــر تبـــارك التهديـــد بتغويـــر المـــاء استظهـــر عليـــه فـــي هــــذه الســــورة
بإذهـاب ثمـر أصحـاب البستـان فـي ليلـة بطــاف عليــه فيهــا وهــم نائمــون فأصبحــوا لــم يجــدوا لــه أثــراً
حتـى ظنـوا أنهـم ضلـوا الطريـق وإذا كـان هـذا فـي الثمــار وهــي أجــرام كثيفــة فالمــاء الــذي هــو لطيــف
رقيـق أقـرب إلـى الإذهـاب ولهــذا قــال‏:‏ ‏)‏وَهُــم نائمــون فأَصبحــت كالصريــم‏(‏ وقــال هنــاك‏:‏ ‏)‏إِن أَصبــحَ
ماؤكُم غوراً‏(‏ إشارة إلى أنه يسرى عليه في ليلة كما سرى على الثمرة في ليلة
سورة الحاقة
أقول‏:‏ لما وقع فـي ‏)‏ن‏(‏ ذكـر يـوم القيامـة مجمـلاً فـي قولـه‏:‏ ‏)‏يَـومَ يَكشِـفُ عـن سـاق‏(‏ شـرح ذلـك فـي هـذه
السورة بناء على هذا اليوم وشأنه العظيم
سورة سأل
أقول‏:‏ هذه السورة كالتتمة لسورة الحاقة في بقية وصف يوم القيامة والنار
وقال إبن عباس‏:‏ إنها نزلت عقب سورة الحاقة وذلك أيضاً من وجوه المناسبة في الوضع
سورة نوح
===
أقـول‏:‏ أكثـر مـا ظهـر فـي وجـه اتصالهـا بمـا قبلهـا بعـد طـول الفكـر أنــه سبحانــه لمــا قــال فــي ســأل‏:‏ ‏)‏إِنّــا
لقـــادرون علـــى أَن نبـــدل خيـــراً مِنهُـــم‏(‏ عقبـــه بقصـــة قـــوم نـــوح المشتملـــة علـــى إبادتهـــم عــــن آخرهــــم
بحيث لم يبق منهم ديار وبدل خيراً منهم فوقع الاستدلال لما ختم به تبارك
هذا مع تآخي مطلع السورتين في ذكر العذاب الموعد به الكافرين
سورة الجن
أقــول‏:‏ قــد فكــرت مــدة فــي وجــه اتصالهــا بمــا قبلهــا فلــم يظهــر لــي ســوى أنــه قــال فـــي ســـورة نـــوح‏:‏
‏)‏استغفــروا ربكــم إِنــه كــان غفــاراً يرســل السمــاء عليكــم مــدراراً‏(‏ وقــال فــي هــذه الســورة‏:‏ ‏)‏وأَن لــو
استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا‏(‏ وهذا وجه بين في الارتباط
سورة المزمل
أقـول‏:‏ لا يخفـى وجـه اتصـال أولهـا‏:‏ ‏)‏قُــم الليــل‏(‏ بقولــه فــي آخــر تلــك‏:‏ ‏)‏وأَنَّــهُ لمّــا قــامَ عبــد اللَــه يدعــوه‏(‏
وبقوله ‏)‏وأَنَّ المساجد لله‏(‏
سورة المدثر
===
أقـول هـذه متآخيـة مـع السـورة التـي قبلهـا فـي الافتتـاح بخطـاب النبـي صلــى اللــه عليــه وسلــم وصــدر
كليهما نازل في قصة واحدة
وقـــد ذكـــر عـــن ابـــن عبـــاس فـــي ترتيـــب نـــزول الســـور‏:‏ أن المدثـــر نزلـــت عقـــب المزمـــل أخرجـــه ابــــن
الضريس وأخرجه غيره عن جابر بن زيد
سورة القيامة
أقــول‏:‏ لمــا قــال سبحانــه فــي آخــر المدثــر ‏)‏كــلا بَــل لا يخافــونَ الآخِـــرة‏(‏ بعـــد ذكـــر الجنـــة والنـــار وكـــان
عـــدم خوفهـــم إياهـــا لإنكارهـــم البعـــث ذكـــر فـــي هـــذه الســـورة الدليـــل علــــى البعــــث ووصــــف يــــوم
القيامــة وأهوالــه وأحوالــه ثــم ذكــر مــا قبــل ذلــك مــن مبــدأ الخلـــق فذكـــرت الأحـــوال فـــي هـــذه الســـورة
على عكس ما هي في الواقع
سورة الانسان
أقــول‏:‏ وجــه اتصالهــا بســورة القيامــة فــي غايــة الوضــوح فإنــه تعالـــى ذكـــر فـــي حـــر تلـــك مبـــدأ خلـــق
الإنسان من نطفة ثم ذكر مثل ذلك في مطلع هذه السورة مفتتحاً بخلق آدم أبي البشر
ولمــا ذكــر هنــاك خلقــه منهمــا قــال هنــا ‏)‏فجَعــلَ منــهُ الزوجيــنِ الذكـــرَ والأُنثـــى‏(‏ ولمـــا ذكـــر هنـــاك خلقـــه
===
منهمـــا قـــال هنـــا ‏)‏فجعلنـــاهُ سميعـــاً بصيـــراً‏(‏ فعلـــق بـــه غيـــر مـــا علـــق بالـــأول ثـــم رتـــب عليـــه هدايـــة
السبيل وتقسيمه إلى شاكر وكفور ثم أخذ في جزاء كل
ووجــه آخـــر هـــو أنـــه لمـــا وصـــف حـــال يـــوم القيامـــة فـــي تلـــك الســـورة ولـــم يصـــف فيهـــا حـــال النـــار
والجنـــة بـــل ذكرهمـــا علـــى سبيـــل الإجمـــال فصلهمـــا فـــي هـــذه الســـورة واطنـــب فـــي وصـــف الجنــــة
وذلـك كلـه شــرح لقولــه تعالــى هنــاك ‏)‏وجــوهٌ يَومَئــذٍ ناضِــرة‏(‏ وقولــه هنــا ‏)‏إِنّــا أَعتدنــا للكافِريــنَ سَلاسِــلَ
وأَغلالا وسَعيراً‏(‏ شرح لقوله هناك ‏)‏تظنُ أَن يُفعل بها فاقرة‏(‏
وقــد ذكــر هنــاك ‏)‏كــلا بــل يحبــونَ العاجِلــة ويَــذَرونَ الآخِــرة‏(‏ وذكــر هنــا فــي هــذه الســـورة ‏)‏إِن هـــؤلاء
يحبون العاجِلة ويَذرونَ وراءهم يوماً ثقيلا‏(‏ وهذا من وجوه المناسبة
سورة المرسلات
أقــول‏:‏ وجــه اتصالهــا بمــا قبلهــا أنــه تعالــى لمــا أخبــر فـــي خاتمتهـــا أنـــه ‏)‏يدخـــل مـــن يشـــاء فـــي رحمتـــهِ
والظالميـن أَعــدَّ لهُــم عذابــاً أَليمــاً‏(‏ افتتــح هــذه بالقســم علــى أن مــا يوعــدون واقــع فكــان ذلــك تحقيقــاً
لما وعد به هناك المؤمنين وأوعد الظالمين
ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله‏:‏ ‏)‏فإِذا النُجومُ طمست‏(‏ إلى آخره
===
ويحتمــل أن تكــون الإشــارة بمــا يوعــدون إلــى جميــع مــا تضمنتــه الســـورة مـــن وعيـــد للكافريـــن ووعـــد
للأبرار
سورة عم
أقــول‏:‏ وجــه اتصالهــا بمــا قبلهــا‏:‏ تناسبهــا معهــا فــي الجمــل ففــي تلــك‏:‏ ‏)‏أَلــم نهلــك الأَوليـــن ثـــم نتبعهـــم
الآخرين‏(‏ ‏)‏أَلـم نخلقكـم مِـن مـاءٍ مَهيـن‏(‏ ‏)‏أَلـم نجعَـل الـأَرض كفانـا‏(‏ إلـى آخـره وفـي عـم‏:‏ ‏)‏أَلـم نجعَـل الـأَرضَ
مِهــاداً‏(‏ إلــى آخــره فذلــك نظيــر تناســب جمــل‏:‏ ألــم نشــرح والضحــى بقولــه فــي الضحــى‏:‏ ‏)‏أَلَــم يجِــدكَ
يَتيمـاً فـآوى‏(‏ إلـى آخـره وقولـه‏:‏ ‏)‏أَلـم نشـرح لــكَ صــدرك‏(‏ مــع اشتــراك هــذه الســورة والأربــع قبلهــا فــي
الاشتمـال علـى وصـف الجنـة والنـار مــا عــدا المدثــر فــي الاشتمــال علــى وصــف يــوم القيامــة وأهوالــه
وعلى ذكر بدء الخلق وإقامة الدليل على البعث
وأيضــاً فــي ســورة المرسلــات‏:‏ ‏)‏لــأي يــوم أُجلــت ليـــوم الفصـــل ومـــا أدراكَ مـــا يـــوم الفصـــل‏(‏ وفـــي هـــذه
الســورة‏:‏ ‏)‏إِن يــوم الفصــل كــان ميقاتــا يــوم يُنفـــخ فـــي الصـــور فتأَتـــون أَفواجـــاً‏(‏ إِلـــى آخـــره فكـــأن هـــذه
السورة شرح يوم الفصل المجمل ذكره في السورة التي قبلها
سورة عبس
===
أقــول‏:‏ وجــه وضعهــا عقــب النازعــات مــع تآخيهمــا فـــي المقطـــع لقولـــه هنـــاك‏:‏ ‏)‏فـــإِذا جـــاءتِ الطامـــة‏(‏
وقوله هنا‏:‏ ‏)‏فإِذا جاءت الصاخة‏(‏ وهما من أسماء يوم القيامة
سورة التكوير
أقـول‏:‏ لمـا ذكـر فـي عبـس‏:‏ ‏)‏فــإِذا جــاءت الصاخــة يــومَ يفِــرُ المــرءُ مِــن أَخيــه‏(‏ ذكــر يــوم القيامــة كأنــه رأى
عيـن وفـي الحديـث‏:‏ ‏)‏مـن سـره أن ينظـر إلــى يــوم القيامــة كأنــه رأى عيــن فليقــرأ‏:‏ ‏)‏إِذا الشمــسُ كُــوِرت‏(‏
و ‏)‏إِذا السماءُ انفطرت‏(‏ و ‏)‏إِذا السماءُ انشَقَت‏(‏
سورة الانفطار
أقول‏:‏ قد عرف مما ذكرت وجه وضعها هنا مع زيادة تآخيهما في المقطع
سورة المطففين
أقـول‏:‏ الفصـل بهـذه السـورة بيـن الانفطــار والانشقــاق التــي هــي نظيرتهــا مــن خمســة أوجــه‏:‏ الافتتــاح بـــ
‏)‏إِذا السمـــاءُ‏(‏ والتخلـــص ب ‏)‏يـــا أَيُهـــا الإِنســـانُ‏(‏ وشــــرح حــــال يــــوم القيامــــة ولهــــذا ضمــــت بالحديــــث
السابقن والتناسب في المقدار وكونها مكية
===
وهــذه الســـورة مدنيـــة ومفتتحهـــا ومخلصهـــا غيـــر مالهـــا لنكتـــة ألهمنيهـــا اللـــه وذلـــك أن الســـور الأربـــع
لما كانت في صفة حال يوم القيامة ذكرت على ترتيب ما يقع فيه
فغالـب مـا وقــع فــي التكويــر وجميــع مــا وقــع فــي الانفطــار وقــع فــي صــدر يــوم القيامــة ثــم بعــد ذلــك
يكــون الموقــف الطويـــل ومقاســـاة العـــرق والأهـــوال فذكـــره فـــي هـــذه الســـورة بقولـــه‏:‏ ‏)‏يـــومَ يقـــومُ النّـــاسُ
لِربِ العالمين‏(‏ ولهذا ورد في الحديث‏:‏ ‏)‏يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه‏(‏
ثــم بعــد ذلــك تحصـــل الشفاعـــة العظمـــى فتنشـــر الكتـــب فأخـــذ باليمـــن وأخـــذ بالشمـــال وأخـــذ مـــن
وراء الظهر ثم بعد ذلك يقع الحساب
هكــذا وردت بهــذا الترتيــب الأحاديـــث فناســـب تأخيـــر ســـورة الانشقـــاق التـــي فيهـــا إتيـــان الكتـــب
والحساب عن السورة التي قبلها والتي فيها ذكر الموقف عن التي فيها مبادئ يوم القيامة
ووجـه آخـر وهـو‏:‏ أنـه جـل جلالـه لمــا قــال فــي الانفطــار‏:‏ ‏)‏وإِنَّ عليكُــم لحافظيــن كِرامــاً كاتبيــن‏(‏ وذلــك
فـي الدنيـا ذكـر فـي هـذه السـورة حـال مـا يكتبـه الحافظـان وهـو‏:‏ كتـاب مرقـوم جعـل فـي علييـن أو فـي
سجيـن وذلـك أيضـاً فـي الدنيـا لكنـه عقَّـب بالكتابـه إِمـا فـي يومــه أو بعــد المــوت فــي البــرزخ كمــا فــي
الآثار فهذه حالة ثانية في الكتاب ذكرت في السورة الثانية
ولـــه حالـــة ثالثـــة متأخـــرة فيهـــا وهـــي أخـــذ صاحبـــه باليميـــن أو غيرهـــا وذلـــك يـــوم القيامـــة فناســــب

مريام المصري
06-09-2006, 10:51
===
تأخيـر السـورة التـي فيهـا ذلـك عـن الســورة التــي فيهــا الحالــة الثانيــة وهــي الانشقــاق فللــه الحمــد علــى
ما من بالفهم لأسرار كتابه
ثـم رأيـت الإمـام فخـر الديـن قــال فــي ســورة المطففيــن أيضــاً‏:‏ اتصــال أولهــا بآخــر مــا قبلهــا ظاهــر لأنــه
تعالــى بيــن هنــاك أن يــوم القيامــة مــن صفتــه‏:‏ ‏)‏لا تملِــكُ نفــسٌ لنفـــسٍ شيئـــاً والأَمـــرُ يومئـــذٍ لِلَـــه‏(‏ وذلـــك
يقتضى تهديداً عظيماً للعصاة فلهذا أتبعه بقوله‏:‏ ‏)‏ويلُ للمُطَفِفين‏(‏
سورة الانشقاق
قد استوفى الكلام فيها في سورة المطففين
سورة البروج والطارق
أقــول‏:‏ همــا متآخيتــان فقرنتــا وقدمـــت الأولـــى لطولهـــا وذكـــرا بعـــد الانشقـــاق للمؤاخـــاة فـــي الافتتـــاح
بذكر السماء ولهذا ورد في الحديث ذكر السموات مراداً بها السور الأربع كما قيل‏:‏ المسبحات
سورة الأعلى
أقــول‏:‏ فــي ســورة الطــارق ذكــر خلــق النبـــات والإنســـان فـــي قولـــه‏:‏ ‏)‏والـــأَرض ذات الصـــدع‏(‏ وقولـــه‏:‏
===
‏)‏فلينظُـرُ الإِنسـانُ مِـمَّ خُلِـق‏(‏ إلــى ‏)‏إِنَّــهُ عَلــى رجعــهِ لقــادر‏(‏ وذكــره فــي هــذه الســورة فــي قولــه‏:‏ ‏)‏خَلــقَ
فســوى‏(‏ وقولــه فــي النبــات‏:‏ ‏)‏والَــذي أَخــرج المَرعــى فجعَلــهُ غُثــاءً أَحـــوى‏(‏ وقصـــة النبـــات فـــي هـــذه
الســورة أبســط كمــا أن قصــة الإنســان هنــاك أبســط نعــم مــا فــي هــذه الســورة أعــم مــن جهـــة شمولـــه
للإنسان وسائر المخلوقات
سورة الغاشية
أقــول‏:‏ لمــا أشــار سبحانــه فــي ســورة الأعلــى بقولــه‏:‏ ‏)‏سَيَذكَّــرُ مَــن يَخشــى ويَتَجنَبُهــا الأَشقـــى الـــذي
يَصلــى النــارَ الكُبــرى‏(‏ إِلــى قولــه‏:‏ ‏)‏والآخــرةُ خيــرٌ وأَبقــى‏(‏ إلـــى المؤمـــن والكافـــر والنـــار والجنـــة إجمـــالا
فصـل ذلـك فـي هــذه الســورة فبســط صفــة النــار والجنــة مستنــدة إلــى أهــل كــل منهمــا علــى نمــط مــا
هنالـك ولـذا قـال هنـا‏:‏ ‏)‏عامِلـةٌ ناصِبـة‏(‏ فـي مقابـل‏:‏ ‏)‏الأَشقــى‏(‏ هنــاك وقــال هنــا ‏)‏تَصلــى نــاراً حاميــة‏(‏
إلــى‏:‏ ‏)‏لا يُسمِــنُ ولا يُغنــي مِــن جــوع‏(‏ فــي مقابلــة‏:‏ ‏)‏يَصلــى النــارَ الكُبــرى‏(‏ هنــاك ولمــا قــال هنـــاك فـــي
الآخرة‏:‏ ‏)‏خيرٌ وأَبقى‏(‏ بسط هنا صفة الجنة أكثر من صفة النار تحقيقاً لمعنى الخيرية
سورة الفجر
أقـول‏:‏ لـم يظهـر لـي مـن وجـه ارتباطهـا سـوى أن أولهـا كالإقسـام علـى صحـة مـا ختـم بــه الســورة التــي
===
قبلهــا مــن قولــه جــل جلالــه‏:‏ ‏)‏إِنَّ إِلينــا إِيابَهُـــم ثُـــمَ إِنَّ عَلينـــا حِسابَهُـــم‏(‏ وعلـــى مـــا تضمنـــه مـــن الوعـــد
والوعيـد كمــا أن أول الذاريــات قســم علــى تحقيــق مــا فــي ‏)‏ق‏(‏ وأول المرسلــات قســم علــى تحقيــق مــا
في ‏)‏عم‏(‏
هذا مع أن جملة ‏)‏أَلَم تَرى كيفَ فَعَلَ رَبُكَ‏(‏ هنا مشابهة لجملة ‏)‏أَفلا ينظرون‏(‏ هناك
سورة البلد
أقــول‏:‏ وجــه اتصالهــا بمــا قبلهــا أنــه لمــا ذم فيهــا مــن أحــب المــال وأكثــر التــراث ولــم يحـــض علـــى طعـــام
المسكيـن ذكـر فـي هـذه السـورة الخصـال التـي تطلـب مـن صاحــب المــال مــن فــك الرقبــة والإطعــام فــي
يوم ذي مسغبة
سورة الشمس والليل والضحى
أقــول‏:‏ هـــذه الثلاثـــة حسنـــة التناســـق جـــداً لمـــا فـــي مطالعهـــا مـــن المناسبـــة لمـــا بيـــن الشمـــس والليـــل
والضحــى مــن الملابســة ومنهــا ســورة الفجــر لكــن فصلــت بســورة البلــد لنكتـــة أهـــم كمـــا فصـــل بيـــن
الانفطــار والانشقــاق وبيــن المسبحــات لــأن مراعـــاة التناســـب بالأسمـــاء والفواتـــح وترتيـــب النـــزول إنمـــا
يكون حيث لا يعارضها ما هو أقوى وآكد في المناسبة
===
ثـــم إن ســـورة الشمـــس ظاهـــرة الاتصـــال بســـورة البلــــد فإنــــه سبحانــــه لمــــا ختمهــــا بذكــــر أصحــــاب
الميمنـة وأصحـاب المشأمـة أراد الفريقيـن فـي سـورة الشمــس علــى سبيــل الفذلكــة فقولــه فــي الشمــس
‏)‏قَـد أَفلـحَ مَـن زكاهـا‏(‏ هـم أصحـاب الميمنــة فــي ســورة البلــد وقولــه‏:‏ ‏)‏وقــد خــابَ مــن دساهــا‏(‏ فــي
الشمـس هـم أصحـاب المشأمـة فــي ســورة البلــد فكانــت هــذه الســورة فذلكــة تفصيــل تلــك الســورة‏:‏
ولهذا قال الإمام‏:‏ المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي
ونزيــد فــي ســورة الليــل‏:‏ أنهـــا تفصيـــل إجمـــال ســـورة الشمـــس فقولـــه ‏)‏فأَمّـــا مَـــن أَعطـــى واتقـــى‏(‏ ومـــا
بعدهـــا تفصيـــل ‏)‏قَـــد أَفلـــحَ مَـــن زكاهـــا‏(‏ وقولـــه‏:‏ ‏)‏وأَمـــا مَـــن بَخِــــلَ واستغنــــى‏(‏ تفصيــــل قولــــه ‏)‏وقَــــد
خابَ مَن دساها‏(‏
ونزيـد فـي سـورة الضحـى‏:‏ أنهـا متصلـة بسـورة الليــل مــن وجهيــن فــإن فيهــا ‏)‏وإِنَّ لنــا للآخــرةُ والأُولــى‏(‏
وفـي الضحـى‏:‏ ‏)‏وللآخـرةُ خيـرٌ لـكَ مِـنَ الأُولـى‏(‏ وفـي الليـل ‏)‏ولسـوفَ يَرضـى‏(‏ وفـي الضحـى ‏)‏ولســوفَ
يُعطيكَ ربُكَ فترضى‏(‏
ولمــا كانــت ســورة الضحــى نازلــة فــي شأنــه صلــى اللــه عليـــه وسلـــم افتتحـــت بالضحـــى الـــذي هـــو
نــور ولمــا كانــت ســورة الليــل ســورة أبــي بكــر يعنــي‏:‏ مــا عــدا قصــة البخيــل وكانــت ســورة الضحـــى
سورة محمد عقب بها ولم يجعل بينهما واسطة ليعلم ألا واسطة بين محمد وأبي بكر
===
أقـول‏:‏ هـي شديـدة الاتصـال بســورة الضحــى لتناسبهمــا فــي الجمــل ولهــذا ذهــب بعــض السلــف إلــى
أنهمـا سـورة واحـدة بـلا بسملـة بينهمـا قـال الإمـام‏:‏ والـذي دعاهـم إلـى ذلـك هـو‏:‏ أن قولـه‏:‏ ‏)‏أَلـم نشـرح‏(‏
كالعطف على‏:‏ ‏)‏أَلم يجِدكَ يتيماً فآوى‏(‏ في الضحى
قلـــت‏:‏ وفـــي حديـــث الإســـراء أن اللــــه تعالــــى قــــال‏:‏ ‏)‏يــــا محمــــد ألــــم أجــــدك يتيمــــاً فآويــــت وضــــالاً
فهديـــت وعائــــلاً فأغنيــــت وشرحــــت لــــك صــــدرك وحططــــت عنــــك وزرك ورفعــــت لــــك ذكــــرك
فلا أذكر إلا ذكرت‏(‏ الحديث
أخرجه ابن أبي حاتم وفي هذا أو في دليل على اتصال السورتين معنى
سورة التين
أقـول‏:‏ لمـا تقـدم فـي سـورة الشمـس‏:‏ ‏)‏ونَفـسٍ ومـا سواهـا‏(‏ فصـل فـي هــذه الســورة بقولــه‏:‏ ‏)‏لَقــد خلقنــا
الإِنسانَ في أَحسنِ تقويم ثم رددناه أسفل سافلين‏(‏ إلى آخره
وأخـــرت هـــذه الســـورة لتقـــدم مـــا هـــو أنســـب بالتقديـــم مـــن الســــور الثلــــاث واتصالهــــا بســــورة البلــــد
لقوله‏:‏ ‏)‏وهَذا البلدِ الأَمين‏(‏ وأخرت لتقدم ما هو أولى بالمناسبة مع سورة الفجر
لطيفة‏:‏
===
نقـل الشيـخ تـاج الديـن بـن عطــاء اللــه السكنــدرى فــي لطائــف المنــن عــن الشيــخ أبــي العبــاس المرســي
قـال قـرأت مـرة‏:‏ ‏)‏والتيـنِ والزيتـونِ‏(‏ إلـى أن انتهيـت إلـى قولـه‏:‏ ‏)‏لقَـد خلقنـا الإِنسـانَ فـي أَحسـنِ تقويــم ثُــم
رددناهُ أَسفـلَ سافليـن‏(‏ ففكـرت فـي معنـى هـذه الآيـة فألهمنـي اللـه أن معناهـا‏:‏ لقـد خلقنـا الإنسـان فـي
أحسن تقويم روحاً وعقلاً ثم رددناه أسفل سافلين نفساً وهوى
قلـت‏:‏ فظهـر مـن هـذه المناسبـة وضعهـا بعـد ‏)‏أَلـم نشـرح‏(‏ فـإن تلـك أخبـر فيهـا عـن شـرح صـدر النبــي
صلـــى اللـــه عليـــه وسلـــم وذلـــك يستدعـــي كمـــال عقلـــه وروحـــه فكلاهمــــا فــــي القلــــب الــــذي محلــــه
الصــدر وعــن خلاصــه مــن الـــوزر الـــذي ينشـــأ مـــن النفـــس والهـــوى وهـــو معصـــوم منهمـــا وعـــن رفـــع
الذكــر حيــث نــزه مقامــه عــن كــل موِهــم فلمــا كانــت هــذه الســورة فــي هـــذا العلـــم الفـــرد مـــن الإنســـان
أعقبها بسورة مشتملة على بقية الأناسى وذكر ما خامرهم في متابعة النفس والهوى
سورة العلق
أقــول‏:‏ لمــا تقــدم فــي ســورة التيــن بيــان خلــق الإنســان فــي أحســن تقويــم بيــن هنــا أنــه تعالــى‏:‏ ‏)‏خَلـــقَ
الإِنسانَ مِن عَلق‏(‏ وذلك ظاهر الاتصال فالأول بيان العلة الصورية وهذا بيان العلة المادية
سورة القدر
===
قـال الخطابـي‏:‏ لمـا اجتمـع أصحـاب النبـي صلـى اللـه عليــه وسلــم علــى القــرآن ووضعــوا ســورة القــدر
عقــب العلـــق استدلـــوا بذلـــك علـــى أن المـــراد بهـــاء الكنايـــة فـــي قولـــه‏:‏ ‏)‏إِنّـــا أَنزلنـــاهُ فـــي ليلـــةِ القـــدر‏(‏
الإشارة إلى قوله ‏)‏اقرأ‏(‏
قال القاضي أبو بكر بن العربي وهذا بديع جداً
سورة لم يكن
أقــول‏:‏ هــذه الســورة واقعــة موقــع العلــة لمــا قبلهــا كأنـــه لمـــا قـــال سبحانـــه‏:‏ ‏)‏إِنّـــا أَنزلنـــاهُ‏(‏ قيـــل‏:‏ لـــم أنـــزل
فقيــل لأنــه لــم يكــن الذيــن كفــروا منفكيــن عــن كفرهــم حتــى تأتيهــم البينــة وهـــو رســـول مـــن اللـــه يتلـــو
صحفاً مطهرة وذلك هو المنزل
وقــد ثبتــت الأحاديــث بأنــه كــان فــي هــذه الســورة قـــرآن نُســـخ رسمـــه وهـــو‏:‏ إنـــا أنزلنـــا المـــال لإقامـــة
الصلــاة وإيتــاء الزكــاة ولــو أن لابــن آدم واديــا لابتغــى إليــه الثانــي ولــو أن لـــه الثانـــي لابتغـــى إليـــه الثالـــث
ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب
وبذلــك تشتــد المناسبــة بيــن هــذه الســورة وبيــن مــا قبلهــا حيــث ذكــر هنــاك إنــزال القــرآن وهنــا إنـــزال
المــال وتكــون السورتــان تعليــلاً لمــا تضمنتــه ســورة اقــرأ لــأن أولهــا ذكــر العلـــم وفـــي أثنائهـــا ذكـــر المـــال
===
فكأنـــه قيـــل‏:‏ إنـــا لـــم ننـــزل المـــال للطغيـــان والاستطالـــة والفخـــر بـــل ليستعـــان بـــه علـــى تقوانـــا وإقامــــة
الصلاة وإيتاء الزكاة
سورة الزلزلة
أقــول‏:‏ لمــا ذكــر فــي آخــر ‏)‏لــم يكُــن‏(‏ أن جـــزاء الكافريـــن جهنـــم وجـــزاء المؤمنيـــن جنـــات فكأنـــه قيـــل‏:‏
متى يكون ذلك فقيل‏:‏ ‏)‏إِذا زُلزِلَت الأَرضُ زِلزالها‏(‏ أي حين تكون زلزلة الأرض إلى آخره
هكــــذا ظهــــر لــــي ثــــم لمــــا راجعــــت تفسيــــر الإمــــام الــــرازي ورأيتــــه ذكــــر نحــــوه حمــــدت اللــــه كثيــــراً
وعبارتـه‏:‏ ذكـروا فـي مناسبـة هـذه السـورة لمـا قبلهـا وجوهـا منهـا‏:‏ أنـه تعالـى لمـا قــال‏:‏ ‏)‏جَزاؤهُــم عِنــدَ
رَبِهِم جناتُ عدنٍ‏(‏ فكأن المكلف قال‏:‏ ومتى يكون ذلك يا رب فقال‏:‏ ‏)‏إِذا زُلزِلَت الأَرض‏(‏
ومنهــا‏:‏ أنــه لمــا ذكــر فيهــا وعيــد الكافريــن ووعـــد المؤمنيـــن أراد أن يزيـــد فـــي وعيـــد الكافريـــن فقـــال‏:‏
‏)‏إِذا زُلزِلَــت الــأَرض‏(‏ ونظيــره‏:‏ ‏)‏يــومَ تبيــضُ وجــوهٌ وتســودُ وجــوه‏(‏ ثــم ذكــر مـــا للطائفتيـــن فقـــال‏:‏ ‏)‏فأَمـــا
الذيــنَ اســودت وجوهَهُــم‏(‏ إلــى آخــره ثــم جمــع بينهمــا هنــا فــي آخــره الســورة بذكــر الــذي يعمــل الخيــر
والشر انتهى
سورة العاديات
===
أقــول‏:‏ لا يخفــى مــا بيــن قولــه فــي الزلزلــة‏:‏ ‏)‏وأَخرَجــتِ الــأَرضُ أَثقالهــا‏(‏ وقولــه فــي هــذه الســـورة‏:‏ ‏)‏إِذا
بُعثرَ ما في القبور‏(‏ من المناسبة والعلاقة
سورة القارعة
قـال الإمــام‏:‏ لمــا ختــم اللــه سبحانــه الســورة السابقــة بقولــه‏:‏ ‏)‏إِنَّ ربَهُــم بِهِــم يَومئــذٍ لخَبيــر‏(‏ فكأنــه قيــل‏:‏
ومـــا ذاك قـــال‏:‏ هـــي القارعـــة قـــال‏:‏ وتقديـــره‏:‏ ستأتيـــك القارعـــة علـــى مـــا أخبـــرت عنـــه بقولـــه‏:‏ ‏)‏إِذا
بُعثِرَ ما في القبور‏(‏
سورة التكاثر
أقــول‏:‏ هــذه الســورة واقعــة موقــع العلــة لخاتمــة مــا قبلهــا كأنــه لمــا قــال هنــاك‏:‏ ‏)‏فأُمـــهُ هاويـــة‏(‏ قيـــل‏:‏ لـــم
ذلــــك فقــــال‏:‏ لأنكـــــم ‏)‏أَلهاكُـــــم التكاثُـــــر‏(‏ فاشتغلتـــــم بدنياكـــــم وملأنـــــم موازينكـــــم بالحطـــــام فخفـــــت
موازينكــم بالآثــام ولهــذا عقبهــا بســورة العصــر المشتملــة علـــى أن الإنســـان فـــي خُســـر بيـــان لخســـارة
تجــارة الدنيــا وربــح تجــارة الآخــرة ولهــذا عقبهـــا بســـورة الهمـــزة المتوعـــد فيهـــا مـــن جمـــع مـــالاً وعـــدّده
يحسب أن ماله أخلده فانظر إلى تلاحم هذه السور الأربع وحست اتساقها
===
ظهــر لــي فـــي وجـــه اتصالهـــا بعـــد الفكـــرة‏:‏ أنـــه تعالـــى لمـــا ذكـــر حـــال الهمـــزة اللمـــزة الـــذي جمـــع مـــالاً
وعــدده وتعــزز بمالــه وتقـــوى عقـــب ذلـــك بذكـــر قصـــة أصحـــاب الفيـــل الذيـــن كانـــوا أشـــد منهـــم قـــوة
وأكثـــر أمـــوالاً وعتـــوا وقـــد جعـــل كيدهـــم فـــي تضليـــل وأهلكهــــم بأصغــــر الطيــــر وأضعفــــه وجعلهــــم
كعصف مأكول ولم يغن عنهم مالهم ولا عزهم ولا شوكتهم ولا فيلهم شيئاً
فمــن كـــان قصـــارى تعـــزُّزه وتقوِّيـــه بالمـــال وهَمـــز النـــاس بلسانـــه أقـــرب إلـــى الهلـــاك وأدنـــى إلـــى الذلـــة
والمهانة

مريام المصري
06-09-2006, 10:57
سورة قريش
هـي شديـدة الاتصـال بمـا قبلهـا لتعلـق الجـار والمجـرور فـي أولهـا بالفعـل فــي آخــر تلــك ولهــذا كانتــا فــي
مصحف أبي سورة واحدة
سورة الماعون
أقـول‏:‏ لمـا ذكـر تعالـى فـي سـورة قريــش‏:‏ ‏)‏الــذي أطعمَهُــم مِــن جــوعٍ‏(‏ ذكــر هنــا ذم مــن لــم يُحــض علــى
طعام المسكين
ولما قال هناك‏:‏ ‏فليعبدوا رب هذا البيت‏‏ ذكر هنا من سها عن صلاته
===
قــال الإمــام فخــر الديــن‏:‏ هــي كالمقابلــة للتــي قبلهــا لــأن السابقـــة وصـــف اللـــه سبحانـــه فيهـــا المنافقيـــن
بأربعـــة أمـــور‏:‏ البخـــل وتـــرك الصلـــاة والريـــاء فيهـــا ومنـــع الزكـــاة وذكـــر فـــي هـــذه الســـورة فـــي مقابلــــة
البخـل‏:‏ ‏)‏إِنّـا أَعطينـاكَ الكوثَــر‏(‏ أي‏:‏ الخيــر الكثيــر وفــي مقابلــة تــرك الصلــاة ‏)‏فصَــلِّ‏(‏ أي دُم عليهــا وفــي
مقابلــة الريــاء‏:‏ ‏)‏لربــك‏(‏ أي‏:‏ لرضــاه لا للنــاس وفــي مقابلــة منــع الماعـــون‏:‏ ‏)‏وانحـــر‏(‏ وأراد بـــه‏:‏ التصـــدق
بلحوم الأضاحي قال‏:‏ فاعتبر هذه المناسبة العجيبة
سورة الكافرون
أقــول‏:‏ وجــه اتصالهــا بمــا قبلهــا‏:‏ أنــه تعالــى لمــا قــال‏:‏ ‏)‏فصــل لربــك‏(‏ أمــره أن يخاطــب الكافريـــن بأنـــه لا
يعبــد إلا ربــه ولا يعبــد مــا يعبــدون وبالـــغ فـــي ذلـــك فكـــرر وانفصـــل منهـــم علـــى أن لهـــم دينهـــم ولـــه
دينه
سورة النصر
أقـول‏:‏ وجـه اتصالهـا بمـا قبلهـا‏:‏ أنـه قـال فـي آخـر مـا قبلهـا‏:‏ ‏)‏ولــي ديــن‏(‏ فكــان فيــه إشعــار بأنــه خلــص
لــه دينــه وسلــم مــن شوائــب الكفــار والمخالفيــن فعقــب ببيـــان وقـــت ذلـــك وهـــو مجـــئ الفتـــح والنصـــر
فــإن النــاس حيــن دخلــوا فــي ديــن اللــه أفواجــاً فقدتــم الأمــر وذهــب الكفــر وخلـــص ديـــن الإسلـــام ممـــن
===
وقــال الإمــام فخــر الديــن‏:‏ كأنــه تعالــى يقــول‏:‏ لمــا أمرتــك فــي الســورة المتقدمــة بمجاهــدة جميـــع الكفـــار
بالتبرى منهم وإبطال دينهم جزيتك على ذلك بالنصر والفتح وتكثير الأتباع
قــــال‏:‏ ووجــــه آخــــر وهــــو‏:‏ أنــــه لمــــا أعطــــاه الكوثــــر وهــــو‏:‏ الخيـــــر الكثيـــــر ناســـــب تحميلـــــه مشقاتـــــه
وتكاليفــه فعقبهــا بمجاهــدة الكفــار والتبــرى منهـــم فلمـــا امتثـــل ذلـــك أعقبـــه بالبشـــارة بالنصـــر والفتـــح
وإقبال الناس أفواجاً إلى دينه وأشار إلى دنو أجله فإنه ليس بعد الكمال إلا الزال
توقيع زوالا إذا قيل تم
سورة تبت
قــال الإمــام‏:‏ وجــه اتصالهــا بمــا قبلهــا‏:‏ أنــه لمــا قــال‏:‏ ‏)‏لكُــم دينكُــم وَلـــي ديـــن‏(‏ فكأنـــه قيـــل‏:‏ إلهـــي ومـــا
جزائـــي فقـــال اللـــه لـــه‏:‏ النصـــر والفتـــح فقـــال‏:‏ ومـــا جـــزاء عمـــي الـــذي دعانـــي إلــــى عبــــادة الأصنــــام
فقال‏:‏ ‏)‏تبت يدا أَبي لهبٍ‏(‏
وقـدم الوعـد علـى الوعيـد ليكـون النصــر معلــلاً بقولــه‏:‏ ‏)‏ولــي ديــن‏(‏ ويكــون الوعيــد راجعــاً إلــى قولــه‏:‏
‏)‏لَكُم دينكُم‏(‏ على حد قوله‏:‏ ‏)‏يومَ تبيضُ وجوه وتَسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم‏(‏
قــال‏:‏ فتأمــل فــي هـــذه المجانســـة الحافلـــة بيـــن هـــذه الســـور مـــع أن ســـورة النصـــر مـــن أواخـــر مـــا نـــزل
===
قــال‏:‏ ووجــه آخــر وهــو‏:‏ أنــه لمــا قــال ‏)‏لَكُــم دينكُــم ولــي ديـــن‏(‏ كأنـــه قيـــل‏:‏ يـــا إلهـــي مـــا جـــزاء المطيـــع
قـــال‏:‏ حصـــول النصـــر والفتـــح فقيـــل‏:‏ ومـــا ثـــواب العاصـــي قـــال‏:‏ الخســـارة فـــي الدنيـــا والعقـــاب فـــي
العقبى كما دلت عليه سورة تبت
سورة الاخلاص
قال بعضهم‏:‏ وضعت ههنا للوزان في اللفظ بين فواصلها ومقطع سورة تَّبت
وأقـول‏:‏ ظهـر لـي هنـا غيـر الـوزان فـي اللفـظ‏:‏ أن هـذه السـورة متصلـة بقـل يـا أيهـا الكافـرون فـي المعنـى
ولهـــذا قيـــل‏:‏ مـــن أسمائهـــا أيضـــاً الإخلـــاص وقـــد قالـــوا‏:‏ إنهـــا اشتملـــت علــــى التوحيــــد وهــــذه أيضــــاً
مشتملــة عليــه ولهــذا قــرن بينهمــا فــي القــراءة فــي الفجــر والطــواف والضحــى وسنــة المغــرب وصبــح
المسافر ومغرب ليلة الجمعة
وذلــك أنــه لمــا نفـــى عبـــادة مـــا يعبـــدون صـــرح هنـــا بلـــازم ذلـــك وهـــو أن معبـــوده أحـــد وأقـــام الدليـــل
عليــه بأنــه صمــد لــم يلــد ولــم يولــد ولــم يكــن لــه كفـــواً أحـــد ولا يستحـــق العبـــادة إلا مـــن كـــان كذلـــك
وليس في معبوداتهم ما هو كذلك
وإنمــا فصــل بيــن النظيرتيــن بالسورتيــن لمــا تقـــدم مـــن الحكمـــة وكـــأن إيلاءهـــا ســـورة تبـــت ورد عليـــه
===
سورة الفلق والناس
أقــول‏:‏ هاتــان السورتــان نزلنــا معــاً كمــا فــي الدلائــل للبيهقـــي فلذلـــك قُرتنـــا مـــع مـــا اشتركتـــا فيـــه مـــن
التسميــة بالمعوذتيــن ومــن الافتتــاح بقــل أعــوذ وعقــب بهمــا ســورة الإخلــاص لـــأن الثلاثـــة سميـــت فـــي
الحديث بالمعوذات وبالقوافل
وقدمـــت الفلـــق علــــى النــــاس - وإن كانــــت أقصــــر منهــــا - لمناسبــــة مقطعهــــا فــــي الــــوزان لفواصــــل
الإخلاص مع مقطع تبت
وهــذا آخــر مــا مــن اللــه بــه علــى مــن استخــراج مناسبــات ترتيــب الســور وكلــه مــن مستنبطاتــي ولــم
أعثـر فيــه علــى شــيء لغيــري إلا النــزر اليسيــر الــذي صرحــت بعــزوى لــه فللــه الحمــد علــى مــا ألهــم
والشكر على ما من به وأنعم سبحانك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
ثـم رأيـت الإمـام فخـر الديـن ذكـر فـي تفسيـره كلامـاً لطيفـاً فـي مناسبـات هـذه السـور فقــال فــي ســورة
الكوثر‏:‏
أعلم أن هذه السورة كالمتممة لما قبلها من السور وكالأصل لما بعدها
أمـــا الـــأول فلأنـــه تعالـــى جعـــل ســـورة الضحـــى فـــي مـــدح النبـــي صلـــى اللـــه عليـــه وسلـــم وتفصيــــل
===
أحوالـه فذكـر فـي أولهـا ثلاثـة أشيـاء تتعلـق بنبوتـه ‏)‏مــا ودعــكَ ربُــكَ ومــا قلــى وللآخــرةُ خيــرٌ لــكَ مــن
الأولـى ولسـوفَ يُعطيـكَ رَبُـكَ فترضـى‏(‏ ثـم ختمهـا بثلاثـة أحـوال مـن أحوالــه فيمــا يتعلــق بالدنيــا‏:‏ ‏)‏أَلــم
يجِدكَ يتيماً فآوى ووجدك ضالاً فهدى ووجدكَ عائلاً فأغنى‏(‏
ثم ذكر في سورة ألم نشرح أنه شرفه بثلاثة أشياء‏:‏ شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر
ثـم شرفـه فـي سـورة التيـن بثلاثـة أشيـاء أنـواع‏:‏ أقسـم ببلـده وأخبـر بخلـاص أمتـه مـن النــاس بقولــه‏:‏ ‏)‏إلا
الذين آمنوا‏(‏ ووصولهم إلى الثواب بقوله‏:‏ ‏)‏فلهم أَجرٌ غيرُ ممنون‏
وشرَّفـه فـي سـورة اقــرأ بثلاثــة أنــواع‏:‏ (‏اقــرأ باســم ربِــكَ‏)‏ وقهــر خصمــه بقولــه‏:‏ (‏فليــدع ناديــه سنــدع )
الزبانية‏(‏ وتخصيصه بالقرب في قوله‏:‏ ‏(واسجد واقترب‏)
وشرفــه فــي ســورة القــدر بليلــة القــدر وفيهــا ثلاثــة أنــواع مــن الفضيلـــة‏:‏ كونهـــا خيـــراً مـــن ألـــف شهـــر
وتنزل الملائكة والروح فيها وكونها سلاماً حتى مطلع الفجر
وشرفه في ‏(‏لم يكُن‏) بثلاثة أشياء‏:‏ أنهم خير البرية وجزاؤهم جنات ورضى عنهم
وشرفـه فـي الزلزلـة بثلاثـة أنـواع‏:‏ إخبــار الــأرض بطاعــة أمتــه ورؤيتهــم أعمالهــم ووصولهــم إلــى ثوابهــا
حتى وزن الذرة
وشرفه في العاديات بإقسامه بخيل الغزاة من أمته ووصفها بثلاث صفات
===
وشرفــه فــي القارعـــة بثقـــل موازيـــن أمتـــه وكونهـــم فـــي عيشـــة راضيـــة ورؤيتهـــم أعداءهـــم فـــي نـــار
حامية
وفـي ألهاكـم التكاثـر هـدد المعرضيـن عــن دينــه بثلاثــة‏:‏ يــرون الجحيــم ثــم يرونهــا عيــن اليقيــن ويسألــون
عن النعيم
وشرفــه فــي ســورة العصـــر بمـــدح أمتـــه بثلـــاث‏:‏ الإيمـــان والعمـــل الصالـــح وإرشـــاد الخلـــق إليـــه وهـــو‏:‏
التواصي بالحق والصبر
وشرفــه فــي ســورة الهمــزة بوعيــد عــدوه بثلاثــة أشيــاء‏:‏ ألا ينتفــع بدنيــاه ويعذبــه فــي الحطمــة ويغلــق
عليه
وشرفــه فــي ســورة الفيــل بــأن رد كيــد عــدوه بثلــاث‏:‏ بــأن جعلــه فــي تضليــل وأرســـل عليهـــم طيـــراً
أبابيل وجعلهم كعصف مأكول
وشرفه في سورة قريش بثلاث‏:‏ تألف قومه وإطعامهم وأمنهم
وشـرف فـي الماعـون بـذم عـدوه بثلــاث‏:‏ الدنــاءة واللــؤم فــي قولــه ‏)‏فذلــكَ الــذي يــدعُ اليَتيــم ولا يَحــضُ
عَلـى طعـامِ المسكيـن‏(‏ وتـرك تعظيـم الخالـق فـي قولـه‏:‏ ‏)‏فَويـلٌ للمُصليـن الذيـنَ هُـم عَـن صلاتِهِــم ساهــون
الذينَ هُم يُراءونَ‏(‏ وترك نفع الخلق في قوله‏:‏ ‏)‏ويمنَعونَ الماعون‏(‏
===
فلمــا شرفــه فــي هــذه الســور بهــذه الوجــوه العظيمــة قــال‏:‏ ‏)‏إِنّــا أَعطينـــاكَ الكوثـــر‏(‏ أي‏:‏ هـــذه الفضائـــل
المتكاثـرة المذكـورة فـي هـذه السـور التــي كــل واحــدة منهــا أعظــم مــن ملــك الدنيــا بحذافيرهــا فاشتغــل
أنـــت بعبـــادة ربـــك إمـــا بالنفــــس وهــــو قولــــه ‏)‏فصــــل لربــــك‏(‏ وإمــــا بالمــــال وهــــو قولــــه ‏)‏وانحــــر‏(‏ وإمــــا
بإرشـاد العبـاد إلـى الأصلــح وهــو قولــه‏:‏ ‏)‏قُــل يــا أَيُهــا الكافــرون لا أَعبــدُ مــا تعبــدون‏(‏ فثبــت أن هــذه
السورة كالمتممة لما قبلها
وأمــا كونهــا كالأصــل لمــا بعدهــا فهـــو‏:‏ أنـــه تعالـــى يأمـــره بعـــد هـــذه أن يكـــف عـــن أهـــل الدنيـــا جميعـــاً
بقولـه‏:‏ ‏)‏قُـل يـا أَيُهــا الكافــرون‏(‏ إلــى آخــر الســورة ويبطــل أذاهــم وذلــك يقتضــى نصرهــم علــى أعدائهــم
لـأن الطعـن علـى الإنسـان فـي دينـه أشـد عليـه مـن الطعـن فــي نفســه وزوجــه وذلــك ممــا يجبــن عنــه كــل
أحـد مـن الخلــق فــإن موســى وهــارون أرســلا إلــى فرعــون واحــد فقــالا‏:‏ ‏)‏إِنــا نخــاف أن يفــرط علينــا
أو أن يطغــى‏(‏ ومحمــد صلــى اللــه عليــه وسلــم مرســل إلــى الخلــق جميعــاً فكــان كــل واحــد مـــن الخلـــق
كفرعــون بالنسبــة إليــه فدبــر اللـــه فـــي إزالـــة الخـــوف الشديـــد تدبيـــراً لطيفـــاً بـــأن قـــدم هـــذه الســـورة
وأخبــر فيهــا بإعطائــه الخيــر الكثيــر ومــن جملتـــه أيضـــاً‏:‏ الرئاســـة ومفاتيـــح الدنيـــا فـــلا يلتفـــت إلـــى مـــا
بأيديهــم مــن زهــرة الدنيــا وذلــك أدعــى إلــى مجاهدتهــم بالعــداوة والصلــح بالحــق لعــدم تطلعـــه إلـــى مـــا
بأيديهم
===
ثــم ذكــر بعــد ســورة الكافريــن ســورة النصــر فكأنــه تعالــى يقــول‏:‏ وعدتــك بالخيــر الكثيــر وإتمــام أمــرك
وأمرتــــك بإبطــــال أديانهــــم والبــــراءة مــــن معبوداتهــــم فلمــــا امتثلــــت أمــــري أنجــــزت لــــك الوعــــد بالفتــــح
والنصر وكثرة الأتباع بدخول الناس في دين الله أفواجاً
ولمـا تـم أمـر الدعـوة والشريعـة شـرع فــي بيــان مــا يتعلــق بأحــوال القلــب والباطــن وذلــك أن الطالــب إمــا
أن يكــون طلبــه مقصــوراً علــى الدنيــا فليــس لــه إلا الــذل والخســارة والهــوان والمصيــر إلــى النـــار وهـــو
المـــراد مـــن ســـورة تبـــت وإمـــا أن يكـــون طالبـــاً للآخـــرة فأعظـــم أحوالـــه أن تصيـــر نفســـه كالمـــرآة التـــي
تنتقش فيها صور الموجودات
وقـد ثبـت أن طريـق الخلـق فـي معرفـة الصانـع علـى وجهيـن‏:‏ منهـم مـن قـال‏:‏ أعــرف الصانــع ثــم أتوســل
بمعرفته إلى معرفة مخلوقاته وهذا هو الطريق الأشرف ومنهم من عكس وهو طريق الجمهور
ثـم إنـه سبحانــه ختــم كتابــه المكــرم بتلــك الطريقــة التــي هــي أشــرف فبــدأ بذكــر صفــات اللــه وشــرح
جلالـه فـي سـورة الإخلـاص ثـم أتبعـه بذكـر مراتــب مخلوقاتــه فــي الفلــق ثــم ختــم بذكــر مراتــب النفــس
الإنسانيـة فـي النـاس وعنـد ذلـك ختـم الكتـاب فسبحـان مـن أرشـد العقــول إلــى معرفــة هــذه الأســرار
الشريفة في كتابه المكرم هذا كلام الإمام
ثـم قـال فـي سـورة الفلـق‏:‏ سمعـت بعـض العارفيـن يقـول‏:‏ لمـا شـرح اللـه سبحانـه أمـر الإلهيــة فــي ســورة
===
فعالــم الأمــر كلــه خيــرات محضــة بريئــة عــن الشــرور والآفــات أمــا عالـــم الخلـــق فهـــو الأجســـام الكثيفـــة
والجثمانيات فلا جرم قال في المطلع‏:‏ ‏)‏قُل أَعوذُ برَبِ الفَلق مِن شَرِ ما خَلق‏(‏
ثــم الأجســام إمــا أبديــة وكلهــا خيــرات محضـــة لأنهـــا بريئـــة عـــن الاختلافـــات والفطـــور علـــى مـــا قـــال‏:‏
‏)‏مـا تـرى فـي خَلــقِ الرحمــن مِــن تفــاوت فارجِــع البصــر هــل تــرى مِــن فطــور‏(‏ وإمــا عنصريــة وهــي إمــا
جمـــادات فهــــي خاليــــة عــــن جميــــع القــــوى النفسانيــــة فالظالمــــات فيهــــا خالصــــة والأنــــوار عنهــــا زائلــــة
وهــو المــراد مــن قولــه‏:‏ ‏)‏ومِــن شَــرِ غاســقٍ إِذا وقــب‏(‏ وإمــا نبـــات والقـــوة العادلـــة هـــي التـــي تزيـــد فـــي
الطــول والعمــق معــاً فهــذه القــوة النباتيــة كأنهــا تنفــث فـــي العقـــدة وإمـــا حيـــوان وهـــو محـــل القـــوى التـــي
تمنـع الـروح الإنسانيـة عـن الانصبـاب إلـى عالــم الغيــب والاشتغــال بقــدس جلــال اللــه وهــو المــراد بقولــه‏:‏
‏)‏ومِن شَرِ حاسدٍ إِذا حسد‏(‏
ثــم إنــه لــم يبــق مــن السفليــات بعــد هــذه المرتبــة ســوى النفــس الإنسانيــة وهـــي المستفيـــدة فـــلا يكـــون
مستفـــاداً منهـــا فـــلا جـــرم قطـــع هـــذه الســـورة وذكـــر بعدهــــا فــــي ســــورة النــــاس مراتــــب ودرجــــات
النفس الإنسانية
ولــم يبيــن المراتــب المشــار إليــا وقــد بينهــا ابــن الزملكانــي فــي أســراره فقــال‏:‏ إضافــة رب إلــى النـــاس
تـؤذن بـأن المـراد بالنـاس‏:‏ الأطفـال لـأن الـرب مـن‏:‏ ربـه يربـه وهــم إلــى التربيــة أحــوج وإضافــة ملــك إلــى
===
تــؤذن بـــإرادة الشبـــاب بـــه إذ لفـــظ ملـــك يـــؤذن بالسياســـة والعـــزة والشبـــان إليهـــا أحـــوج وإضافـــة إلـــه
إلــى النــاس تـــؤذن بـــأن المـــراد بـــه الشيـــوخ لـــأن ذاتـــه مستحقـــة للطاعـــة والعبـــادة وهـــم أقـــرب وقولـــه‏:‏
‏)‏يوَســوسُ فــي صــدورِ النــاس‏(‏ يــؤذن بــأن المـــراد بالنـــاس‏:‏ العلمـــاء والعبـــاد لـــأن الوسوســـة غالبـــاً عـــن
الشبــه وقولــه‏:‏ ‏)‏مِــنَ الجِنَــةِ والنــاس‏(‏ يــؤذن بــأن المــراد بالنـــاس‏:‏ الأشـــرار وهـــم شياطيـــن الإنـــس الذيـــن
يوسوسون لهم والله تعالى أعلم

aLoNe
07-09-2006, 13:41
جزاكِ الله خيراً على هذا الموضوع القيم المبارك وهل لدينا افضل من القرآن لنتعلم اسراره وما يحوي من عجائب وتأملات ,,,
وفقني الله وإياكِ والمسلمين لما يحبه ويرضاه ,,,
دمت بخير وعافية ورضا من الرحمن ,,,

مريام المصري
07-09-2006, 14:59
جزاكِ الله خيراً على هذا الموضوع القيم المبارك وهل لدينا افضل من القرآن لنتعلم اسراره وما يحوي من عجائب وتأملات ,,,
وفقني الله وإياكِ والمسلمين لما يحبه ويرضاه ,,,
دمت بخير وعافية ورضا من الرحمن ,,,
جزآكم الله خيراً