هاني جبران
12-07-2006, 07:52
.. بينما تنهمر الصواريخ على غزة ..
هذة الرسالة وصلتني من صديقة عزيزة من غزة هاشم وقمت بنشرها في صحيفة القدس العربي
بقلم: هاني جبران
هذه مقتطفات من يوميات مني الفرا، نشرتها في مدونتها. ومني الفرا طبيبة وناشطة حقوق الإنسان تعيش في مخيم اللاجئين في جباليا في قطاع غزة.
الجمعة 30 يونيو- الساعة الواحدة والنصف صباحا.. الكهرباء لا تزال مقطوعة.. تأتي وتنقطع بشكل غير منتظم، شركة الكهرباء تحاول نقل الكهرباء إلى مليون ونصف من السكان الذين تعودوا على الحصول على الكهرباء من المرفق الذي تدمر تماما .
الليلة هوجم مولد كهرباء آخر ودمر تماما حاولت أن أشرح لابنتي الصغيرة الآلية المعقدة لتوزيع الكهرباء، وكيف تحاول شركة الكهرباء بكل مشقة توفير الكهرباء لنا. ولكن البنت كانت قد أصابها الإحباط عندما علمت أننا سنحصل على الكهرباء في فترات متقطعة طوال ثلاثة أشهر على الأقل.
في هذه اللحظة يهاجم الإسرائيليون مدينة غزة وجباليا وبيت لاهيا، واستقبلت غرفة الطوارئ في مستشفي العودا سبعة أشخاص مصابين بإصابات متوسطة.
لقد أطلقوا ما لا يقل عن 15 صاروخا، وقطع هدير الطائرات النفاثة والطائرات العمودية نومي المتقطع أصلا. أنني في كامل يقظتي الآن، لم أحصل على كفايتي من النوم لأربع ليال متتالية.
السبت: أول يوليو
صديقتي هدي تعيش في بيت بجوار مبني وزارة الداخلية في غزة أطلق عليه صاروخان أمس. وقع الهجوم الساعة الثانية صباحا (معذرة لعدم دقتي في ضبط الوقت، قد بدأت أفقد متابعة الوقت، وكم عدد المرات التي نتعرض فيها للهجوم).
قالت لي هدى أن المبني كان يهتز ، خرجت وهي في ثياب النوم وجوه الأطفال نائمة، وكان بعضهم يبكي ويصرخ في هيستريا، وملأ اللهب المكان، ويقع بيتي على بعد 150 مترا من بيت هدي. لا أحد يشعر بالأمان.. ولا أحد محصن من الهجوم.
الكهرباء لا تزال مقطوعة، الليلة الماضية حظينا بثلاث ساعات من الكهرباء وتمكنت من شحن جهاز الكمبيوتر المحمول، والتليفون المحمول، وأجهز شيئا من الطعام. حال المستشفيات يقلقني جدا.. وقد نفد الوقود الذي يشغل مولدات الكهرباء، وأنخفض مخزون الأدوية والإمدادات الطبية، والماء شحيح أيضا. نحتاج تحديد استعمال المياه، نحن نقترب من كارثة إنسانية.
نسمع فرقعات عالية عندما تخترق الطائرات النفاثة حاجز الصوت. ونحن نعاني من هذه الغارات المريعة سبع مرات على الأقل ليلا ونهارا. كيف يمكن أن أنقل إليكم مشاعري أثناء هذه الغارات؟ وأنا نائمة يهتز الفراش هزات عنيفة، وتقفز ابنتي إلى فراشي وتلتصق بي وهي تنتفض من الخوف، وينتهي بنا الأمر أنا وهي على أرض الغرفة، وقلبي ينتفض في سرعة شديدة وعلى أن أهدئ روع ابنتي، والآن يشعر كل منا أننا نحتاج أن نهدئ الواحدة الأخرى، إنها تشعر بخوفي. إذا كنت مستيقظة أصرخ بصوت عال غصبا عني.. نعم، أنني طبيبة. وأنني أمرأة ناضجة في متوسط العمر لدي الكثير من الخبرة، كما أنني ناشطة أيضا، ولكن مع استمرار القصف تنتابني هستيريا، ففي النهاية نحن بشر ولكل منا قدرته على التحمل.
الاثنين- 3 يوليو
نحن في غزة نواجه ضغوطا هائلة، ولمن يريد أن يتذكر، فمنذ بداية هذه الانتفاضة (في سبتمبر 2000) تأثر اقتصاد غزة بشكل فظيع بسبب الفظائع الإسرائيلية المستمرة. وسد الطرق ، وإغلاق الحدود، وتدمير المناطق الزراعية، وهدم البيوت، وحاليا وصل معدل البطالة إلى 50% وأغلبية العائلات الفلسطينية تعيش على المعونات الإنسانية. ويزداد عدد العائلات التي تعيش تحت خط الفقر. ومساحة غزة لا تزيد عن 360 كيلو متر مربع (أي حوالي 139 ميل مربع). وعدد السكان حوالي مليون ونصف، لذلك فالكثافة السكانية عالية جدا.. وبعد أربعة أشهر من العقوبات الاقتصادية نحن الذين نعمل في المجال الصحي نواجه نظاما صحيا منهارا. ليس لدينا المخزون الكافي من الأدوية ونضطر إلى إجراء العمليات الجراحية ذات الأولوية القصوى بسبب النقص في الإمدادات الطبية. وآخر شيء نحتاجه انقطاع التيار الكهربائي.
الأربعاء 5 يوليو الساعة 1:45 صباحا
انفجار كبير.. كبير جدا.. وصوت فرقعة عالي جدا.. أنني يقظى تماما.. لا نكاد نرى شيئا بسبب الظلمة الحالكة.. والانفجار وقع في مبني وزارة الداخلية. وتفيد أخبار الراديو.. أن الانفجار دمر المبني.. اتصلت بصديقتي هدى التي تعيش بجوار المبني، وسمعتها تصرخ في هستيريا وتئن من الألم ولا تتمكن من الحركة وقد أحاطت بها حطام النوافذ التي تحطمت، وجميع نوافذ شقتها تحطمت واللهب ملأ المكان. أنها تنتظر فريق الطوارئ لنجدتها وإخراجها من بيتها.. استطيع سماع صراخ جيرانها في التليفون.. أشعر أنني عاجزة عن عمل أي شيء ولا أدري ماذا أعمل .. أصيب خمسة من جيرانها، بعضهم من الأولاد الصغار المرتعبين الذين ذكرتهم في مدونتي السابقة.
عندما زرت هدي بعد أربع ساعات، كلانا كنا في حالة توتر، وطلب منا صديق ثالث أن نتكلم في أي شيء باستثناء السياسية، أو ما يحدث على الساحة الفلسطينية.. وحاولنا ولكننا لم نستطع.. ومشيت عائدة إلى بيتي.
لست أجد سببا.. ربما في امكانكم أن تساعدوني أن أفهم.. لماذا يهاجمون المبني وهو خال مرتين. هل هو حالة يأس، أو مجرد الرغبة في الانتقام. وليس هذا بسبب الجندي المخطوف، لقد اسقطوا الألوف من القنابل على غزة، التي قتلت النساء والأطفال وكبار السن حتى قبل أسره. فتح وحماس وقعا اتفاقا وطنيا يمكن أن يؤدي إلى مفاوضات مع إسرائيل.. ولكن على إسرائيل أن تتخلي عن أرضنا وثرواتنا.. أنهم يريدون تدمير حكومتنا، أنهم يريدون تدمير إرادتنا بحرماننا من حقوقنا. لنعيش حياة عادية على أرضنا.
3 صباحا.
ظلام دامس، لا يمكنني أن أذهب إلى فراشي، لا أعرف أين ابنتي هدي، تليفوني المحمول في حاجة إلى أن يشحن .. خارت قوي .. أنني لا أدري ماذا أفعل.. أنني قلقة ولا أجد من يساعدني وجهاز الكمبيوتر يلفظ أنفاسه الأخيرة هو الأخر.
هاني جبران
فلسطين
القدس العربي
هذة الرسالة وصلتني من صديقة عزيزة من غزة هاشم وقمت بنشرها في صحيفة القدس العربي
بقلم: هاني جبران
هذه مقتطفات من يوميات مني الفرا، نشرتها في مدونتها. ومني الفرا طبيبة وناشطة حقوق الإنسان تعيش في مخيم اللاجئين في جباليا في قطاع غزة.
الجمعة 30 يونيو- الساعة الواحدة والنصف صباحا.. الكهرباء لا تزال مقطوعة.. تأتي وتنقطع بشكل غير منتظم، شركة الكهرباء تحاول نقل الكهرباء إلى مليون ونصف من السكان الذين تعودوا على الحصول على الكهرباء من المرفق الذي تدمر تماما .
الليلة هوجم مولد كهرباء آخر ودمر تماما حاولت أن أشرح لابنتي الصغيرة الآلية المعقدة لتوزيع الكهرباء، وكيف تحاول شركة الكهرباء بكل مشقة توفير الكهرباء لنا. ولكن البنت كانت قد أصابها الإحباط عندما علمت أننا سنحصل على الكهرباء في فترات متقطعة طوال ثلاثة أشهر على الأقل.
في هذه اللحظة يهاجم الإسرائيليون مدينة غزة وجباليا وبيت لاهيا، واستقبلت غرفة الطوارئ في مستشفي العودا سبعة أشخاص مصابين بإصابات متوسطة.
لقد أطلقوا ما لا يقل عن 15 صاروخا، وقطع هدير الطائرات النفاثة والطائرات العمودية نومي المتقطع أصلا. أنني في كامل يقظتي الآن، لم أحصل على كفايتي من النوم لأربع ليال متتالية.
السبت: أول يوليو
صديقتي هدي تعيش في بيت بجوار مبني وزارة الداخلية في غزة أطلق عليه صاروخان أمس. وقع الهجوم الساعة الثانية صباحا (معذرة لعدم دقتي في ضبط الوقت، قد بدأت أفقد متابعة الوقت، وكم عدد المرات التي نتعرض فيها للهجوم).
قالت لي هدى أن المبني كان يهتز ، خرجت وهي في ثياب النوم وجوه الأطفال نائمة، وكان بعضهم يبكي ويصرخ في هيستريا، وملأ اللهب المكان، ويقع بيتي على بعد 150 مترا من بيت هدي. لا أحد يشعر بالأمان.. ولا أحد محصن من الهجوم.
الكهرباء لا تزال مقطوعة، الليلة الماضية حظينا بثلاث ساعات من الكهرباء وتمكنت من شحن جهاز الكمبيوتر المحمول، والتليفون المحمول، وأجهز شيئا من الطعام. حال المستشفيات يقلقني جدا.. وقد نفد الوقود الذي يشغل مولدات الكهرباء، وأنخفض مخزون الأدوية والإمدادات الطبية، والماء شحيح أيضا. نحتاج تحديد استعمال المياه، نحن نقترب من كارثة إنسانية.
نسمع فرقعات عالية عندما تخترق الطائرات النفاثة حاجز الصوت. ونحن نعاني من هذه الغارات المريعة سبع مرات على الأقل ليلا ونهارا. كيف يمكن أن أنقل إليكم مشاعري أثناء هذه الغارات؟ وأنا نائمة يهتز الفراش هزات عنيفة، وتقفز ابنتي إلى فراشي وتلتصق بي وهي تنتفض من الخوف، وينتهي بنا الأمر أنا وهي على أرض الغرفة، وقلبي ينتفض في سرعة شديدة وعلى أن أهدئ روع ابنتي، والآن يشعر كل منا أننا نحتاج أن نهدئ الواحدة الأخرى، إنها تشعر بخوفي. إذا كنت مستيقظة أصرخ بصوت عال غصبا عني.. نعم، أنني طبيبة. وأنني أمرأة ناضجة في متوسط العمر لدي الكثير من الخبرة، كما أنني ناشطة أيضا، ولكن مع استمرار القصف تنتابني هستيريا، ففي النهاية نحن بشر ولكل منا قدرته على التحمل.
الاثنين- 3 يوليو
نحن في غزة نواجه ضغوطا هائلة، ولمن يريد أن يتذكر، فمنذ بداية هذه الانتفاضة (في سبتمبر 2000) تأثر اقتصاد غزة بشكل فظيع بسبب الفظائع الإسرائيلية المستمرة. وسد الطرق ، وإغلاق الحدود، وتدمير المناطق الزراعية، وهدم البيوت، وحاليا وصل معدل البطالة إلى 50% وأغلبية العائلات الفلسطينية تعيش على المعونات الإنسانية. ويزداد عدد العائلات التي تعيش تحت خط الفقر. ومساحة غزة لا تزيد عن 360 كيلو متر مربع (أي حوالي 139 ميل مربع). وعدد السكان حوالي مليون ونصف، لذلك فالكثافة السكانية عالية جدا.. وبعد أربعة أشهر من العقوبات الاقتصادية نحن الذين نعمل في المجال الصحي نواجه نظاما صحيا منهارا. ليس لدينا المخزون الكافي من الأدوية ونضطر إلى إجراء العمليات الجراحية ذات الأولوية القصوى بسبب النقص في الإمدادات الطبية. وآخر شيء نحتاجه انقطاع التيار الكهربائي.
الأربعاء 5 يوليو الساعة 1:45 صباحا
انفجار كبير.. كبير جدا.. وصوت فرقعة عالي جدا.. أنني يقظى تماما.. لا نكاد نرى شيئا بسبب الظلمة الحالكة.. والانفجار وقع في مبني وزارة الداخلية. وتفيد أخبار الراديو.. أن الانفجار دمر المبني.. اتصلت بصديقتي هدى التي تعيش بجوار المبني، وسمعتها تصرخ في هستيريا وتئن من الألم ولا تتمكن من الحركة وقد أحاطت بها حطام النوافذ التي تحطمت، وجميع نوافذ شقتها تحطمت واللهب ملأ المكان. أنها تنتظر فريق الطوارئ لنجدتها وإخراجها من بيتها.. استطيع سماع صراخ جيرانها في التليفون.. أشعر أنني عاجزة عن عمل أي شيء ولا أدري ماذا أعمل .. أصيب خمسة من جيرانها، بعضهم من الأولاد الصغار المرتعبين الذين ذكرتهم في مدونتي السابقة.
عندما زرت هدي بعد أربع ساعات، كلانا كنا في حالة توتر، وطلب منا صديق ثالث أن نتكلم في أي شيء باستثناء السياسية، أو ما يحدث على الساحة الفلسطينية.. وحاولنا ولكننا لم نستطع.. ومشيت عائدة إلى بيتي.
لست أجد سببا.. ربما في امكانكم أن تساعدوني أن أفهم.. لماذا يهاجمون المبني وهو خال مرتين. هل هو حالة يأس، أو مجرد الرغبة في الانتقام. وليس هذا بسبب الجندي المخطوف، لقد اسقطوا الألوف من القنابل على غزة، التي قتلت النساء والأطفال وكبار السن حتى قبل أسره. فتح وحماس وقعا اتفاقا وطنيا يمكن أن يؤدي إلى مفاوضات مع إسرائيل.. ولكن على إسرائيل أن تتخلي عن أرضنا وثرواتنا.. أنهم يريدون تدمير حكومتنا، أنهم يريدون تدمير إرادتنا بحرماننا من حقوقنا. لنعيش حياة عادية على أرضنا.
3 صباحا.
ظلام دامس، لا يمكنني أن أذهب إلى فراشي، لا أعرف أين ابنتي هدي، تليفوني المحمول في حاجة إلى أن يشحن .. خارت قوي .. أنني لا أدري ماذا أفعل.. أنني قلقة ولا أجد من يساعدني وجهاز الكمبيوتر يلفظ أنفاسه الأخيرة هو الأخر.
هاني جبران
فلسطين
القدس العربي