هاني جبران
08-06-2006, 10:29
الشَّــتاءُ يَحْتــَرِقُ وَجْـدَا ً
بقلم: هاني جبران
--------------------------------------------------------------------------------
الشمسُ تتجسّسُ على ما يجري ، و على ما يوشك أنْ يجري عمّــا قريب . الريح الزمهريرية تعزف سيمفونيّـة حزينة ً ، لكأنها ترثي لما يحدث . الصمتُ يزمّــل الشفاه ، و وحدها القلوب تلفظ مخاوفها . العيون ترنو إليهما ، و الزمنُ يتنزّه في حديقة الساعة باتئاد .
الناس تحتشدُ ، يعلو ضجيج حزنهم الصامت . يتهامسُ البعض عمَّــا سيجري الآن أو في أيّـة لحظةٍ مقبلة ٍ . البعض يصدرُ أحكاما ً و يخمّـن فيما البعض الآخر يتمتم بدعوات ٍ سريّـة .
الضابط يقفُ على أرض ٍ ملغومة ٍ بالغضب ، و أمامه طفل ٌ كأرنب ٍ مبلل !!
يوجّــه بندقيته نحو الطفل ، و عيناه بركانيْـن ثائريْـن . طفل ٌ بوجه ٍ مغبَّــر بارتعاشة خوف ٍ طفوليّـة ٍ أمامه ، يترقبُ مصيره .
يعقد العزم على قتله . يحدّث نفسه بإلزاميّـة فعل ذلك ، من دون ريب . إذ بعد الذي اقترفه هذا الطفل لابدّ له من أنْ يموت .. لابدّ .
يهمَّ بذلك . الشمسُ ترتدي الغيوم معطفا ً ، السماء مشوّهة بروائح الدم . الناس يهربون إلى كهف الصمت . يصرخ الألم . تنتحبُ الأشياء .
لا زالَ هو عند رأيه بحتميَّـة وجوب موته . الأرنبُ ما فتئ ينتفض . ينتحبُ . لا مفرَّ له و لا مهرب . الجنود تحتوشه كما يحتوشه الوجل .
يحدّق في عينيّ الطفل . براءة تتدلى و غضاضة عمر . يصمتُ للحظة . يقلّبُ في عقله كاتلوج الموت ، ليختار طريقة ً لموت هذا الطفل . يفكر في الطريقة ، و يستشيرُ نادل الموت الأنيق . يبتسمُ هذا الأخير ماكرا ً . أيقتله رميا ً بالرصاص ، أم يشنقه ، أم يجرّه بسيارته في طريق عودته إلى مكتبه ، و يسلك خلال الطريق طريقا ً وعرا ً يزهق روحه ؟؟!!
تحدُّثه ذاكرته عن أولئك الذين جرَّبَ معهم هذه الطرائق . تعرض له نشرة ً موجزة ً سريعة ً مصوّرة ً لهم . الخبث فيه يبتسم . لأكثر من عشرين عاما ً و هو يقترف القتل . الإبادة الجماعية . يستعرض عضلاته القتليّــة .
كان كلما وصلته برقية أو هاتف ليذهب لمكان ٍ ما بغرض الإبادة و تفريق المتظاهرين تارة ً أو القيام بعمليّـات الإعتقالات الجماعيّـة و مداهمة البيوت طورا ً يهبُّ إليها . ينقضّ صقرا ً ، ليفترسَ أصواتا ً تنبضُ بالحريَّـة !!
شيءٌ ما بداخله يحفزه ، يقذفُ به إلى اقتراف ذلك ، عن وعي ٍ أم لا . لا يعلم . حالما تصدر الأوامر ينبري لها . بيـد أننا لا نستطيع القول أنه يفعل ذلك تنفيذا ً للواجب فقط ، و للعبارات الفضفاضة المهلهلة التي يتشدّق بها . نحن لا ننقاد إلى شيء إلاّ لموافقة ٍ سريّـة ٍ من قبلُ له ، و لا شيء يسوسنا إلاّ و ثمّــة اغراء خفيّ يقودنا إليه و الأمر نسبيّ . إذن فالتظاهر بأنَّـنا ننقاد إلى اقتراف الأمور ـ غالبا ً ـ دونما ارادة هو محض خرافة ٍ نصدّقها لإقناع ذواتنا بالمظلومية و قلّـة الحيلة!!!
إنه شيء داخليّ يحرّضه . الشرّ فينا نمرٌ يتضوّر حقدا ً ، إنْ أطلقناه من قفصه التهمنا !!
فرَّ النمرُ إذن و ما عادَ بوسعه السيطرة عليه . هاهو يجوبُ أدغالَ فؤاده ، يفتك بكائنات الطيبة الأليفة .
في هذا الأوان أسرابُ الصور تجوب سماء ذاكرته .
صراخ ٌ ، دماء ، أشلاء ، ثيابٌ تنعى أصحابها ، و أرواح ٌ غرقت في قيعان الموت الأخير .حياة ٌ ترتدي الحداد ، و منازلٌ تئنّ حنينا ً .
على مقربة ٍ منه شخص ٌ يشخص ببصره إلى المنظر كله . يتابع و يترقبُ مع المترقبين ما سيؤول إليه الأمر .
أسرابُ الصور ما زالت مستمرة . رفيفها يستنطق ذاكرته المتخمة . لن يختلف مصيره عن مصيرهم . يقرّر ذلك في قرارة نفسه .
الهدف جاهز ، قريب ، و ليس عليه سوى أنْ يطلق ؛ استردادا ً لكرامته
المهانة ، و هيبته المخدوشة . قتله له يثبتُ أنـه يردّ الصفعة بزلزال ٍ يخترم صاحبها .
إذ ذاك تتعالى الأصوات بداخله : " اقتله .. اقتله .. اقتله !! "
يطفحُ تصميما ً .. يصوَّبُ باتجاهه .. يغمضُ إحدى عينيه ليسمحَ للأخرى بزاوية رؤية ٍ أكبر . يقذفُ سبّـابته تماما ً مثلما يقذف الهلع في أفئدة مَـنْ هم حوله . كبرياؤه ذو الخمس نجوم ٍ ، المزهوّ ببذلته العسكريّـة الأنيقة ، يأمره بالإسراع .
الطفلُ يتلوّى خوفا ً . يحاولُ الهرب . يمسك به بعض الجنود و يعيدوه .
الشمسُ تختفي في المعطف . الرياح تسكر . القلوبُ مؤثثة بفزع ٍ طاغ ٍ ، العيونُ تتجمَّــد . بيتُ الطفل يكبِّــله عجزه ، فيكتفي بترتيل دعوات ٍ و تعاويذ خفيَّــة .
الشتاءُ يحترقُ وَجْــدَا ً : حنينا ً لأرواح ٍ اغتالها الموتُ ، و حزنا ً عليهم و على
أمان ٍ غائب ٍ . الشتاءُ يشيخُ ، تنتحرُ قواه . ينزفُ نارا ً وقودها الدموع و الدماء المسفوكة . ينزفُ موتا ً !!
أقارب الطفل يرسلونَ الصوتَ العجوز رسولا ً لهم . يتلو عليه رسالة ايمان ٍ بالصفح عن قريبهم . أمّـــه في الداخل لا تدري ما يجري رغم أنين جدران البيت .
يصفعُ كلَّ ذلك بجدار اللامبالاة .
يعيدُ سؤاله :
" لماذا فعلتَ ما فعلتـه ؟"
يصمتُ الطفل . يعاودُ سؤاله ثانية ً . فثالثة ً و في المرة الرابعة أجابه . إذ ذاك انتفض و زأر . رددها في وجهه بأنه سيقتله . ينتحبُ الطفل . تضطرمُ حقول الحياة فيه نيرانا ً .
يكرّرُ باستمتاع ٍ أنه سيقتله . يتلكأ في ذلك . عبيرُ انتصار ٍ يضمخُ دهاليزَ روحه. أغان ٍ غجريَّــة ٍ تحتفلُ . يقضمُ فاكهة الفرحة .
الشخصُ الذي على مقربة ٍ منه يستفسرُ في ذاته عن علّـة اطالة الضابط لحياة الطفل ما دامَ قد قرَّرَ أنْ يقتله و بنفســه .
أهي رغبته الجامحة في استمتاعه بارتعاد الطفل في أوج ِ زمهرير الخوف ، و زفافه إلى الموت البشـع ؟؟
أم ليثبت لنفسه حجم قوّته و جبروته و هو إذ يشهدُ اقتلاع براعم الحياة من على وجه الطفل بيد الخوف الغليظة ؟؟!!
" أحيانا ً نعشق أنْ نجد أنفسنا أقوياء .. نخالُ أنفسنا أقوياء جدا ً .. جدا ً .. و لذا فإننا نتمنى لو أنَّ الوقت يتوقف .. يتسمَّـرُ مندهشا ً فلا يحفلُ لرحلته السرمديَّــة ،
و يشهد مزيدا ً من فصول مسرحيّـة قوّتنا العظيمة !! " . يقرِّرُ .
يتابعُ ما يجري ، و قلبه يكتبُ مرثيــة الطفل الحزين .
غير بعيد ٍ منه ، على مسافة ِ فكرة ٍ جاهزة ، ما فتئ الضابط مشهرا ً الموتَ في وجه الطفل المختنق رعبا ً . تتساقط الصورُ نيازكا ً على ذاكرته . تخترقه أصواتٌ غريبة ٌ و هو يحدِّقُ في عينيّ الطفل النابضتيْن براءة ً . أصواتٌ غريبة ٌ
تدخلُ قلبه .
الشخصُ القريبُ منه يستنتجُ : " يحدثُ أنْ نتعثرَ بشيء ٍ ما يبعثُ الفوضى ، يجعلنا نختنق بغبار أشياء ٍ منسيَّـة \ متناساة ، و بعدها فلنا حريَّـة القرار ، بديموقراطيَّـة ٍ ، بين أنْ نعاودَ اعتناق تلكم الأشياء أو نخنقها بغبار ٍ
آخر / بتناس ٍ قاس ٍ !! "
الفوضى تجتاحه ، تبعثره ، عبثا ً يحاولُ لملمة اتزانه . يحدِّقُ ثانية ً . يمتطيه ارتباك ٌ غريب . يكبو به . يصلُ إلى قراره الأخير .
كم نحنُ بحاجة ٍ إلى الفوضى لتعيدَ ترتيبَ و تأثيث حيواتنا !!
ها هو ذا الطفل الذي رماه بحجر ٍ شَجَّ رأسه حينما داهمَ بيته ، و اعتقلَ أخويْـه ، أمامه الآن في انتظار مصيره ، و الكلّ من حوله ينتظر .
تقتربُ أصابعه من الزناد ، رويدا ً رويدا ً تقترب . تبتعدُ . تقتربُ . ثمَّ في لحظة ولادة قرار ٍ أخير ٍ بعد فوضى أخرى أشدّ وطأة يـ.....
بغتة ً انقطعت الكهرباء ، و لم يستطع عبدالله الذي يتابع الفيلم منذ أكثر من ساعة ٍ من معرفة النهاية . و هو الذي التصقَ بالمشاهد ِ التصاقا ً .
خلصَ إلى أنّــه ربما يقتله و ربما لا يفعل .. فمَـنْ يدري ؟؟!!
هاني جبران
بقلم: هاني جبران
--------------------------------------------------------------------------------
الشمسُ تتجسّسُ على ما يجري ، و على ما يوشك أنْ يجري عمّــا قريب . الريح الزمهريرية تعزف سيمفونيّـة حزينة ً ، لكأنها ترثي لما يحدث . الصمتُ يزمّــل الشفاه ، و وحدها القلوب تلفظ مخاوفها . العيون ترنو إليهما ، و الزمنُ يتنزّه في حديقة الساعة باتئاد .
الناس تحتشدُ ، يعلو ضجيج حزنهم الصامت . يتهامسُ البعض عمَّــا سيجري الآن أو في أيّـة لحظةٍ مقبلة ٍ . البعض يصدرُ أحكاما ً و يخمّـن فيما البعض الآخر يتمتم بدعوات ٍ سريّـة .
الضابط يقفُ على أرض ٍ ملغومة ٍ بالغضب ، و أمامه طفل ٌ كأرنب ٍ مبلل !!
يوجّــه بندقيته نحو الطفل ، و عيناه بركانيْـن ثائريْـن . طفل ٌ بوجه ٍ مغبَّــر بارتعاشة خوف ٍ طفوليّـة ٍ أمامه ، يترقبُ مصيره .
يعقد العزم على قتله . يحدّث نفسه بإلزاميّـة فعل ذلك ، من دون ريب . إذ بعد الذي اقترفه هذا الطفل لابدّ له من أنْ يموت .. لابدّ .
يهمَّ بذلك . الشمسُ ترتدي الغيوم معطفا ً ، السماء مشوّهة بروائح الدم . الناس يهربون إلى كهف الصمت . يصرخ الألم . تنتحبُ الأشياء .
لا زالَ هو عند رأيه بحتميَّـة وجوب موته . الأرنبُ ما فتئ ينتفض . ينتحبُ . لا مفرَّ له و لا مهرب . الجنود تحتوشه كما يحتوشه الوجل .
يحدّق في عينيّ الطفل . براءة تتدلى و غضاضة عمر . يصمتُ للحظة . يقلّبُ في عقله كاتلوج الموت ، ليختار طريقة ً لموت هذا الطفل . يفكر في الطريقة ، و يستشيرُ نادل الموت الأنيق . يبتسمُ هذا الأخير ماكرا ً . أيقتله رميا ً بالرصاص ، أم يشنقه ، أم يجرّه بسيارته في طريق عودته إلى مكتبه ، و يسلك خلال الطريق طريقا ً وعرا ً يزهق روحه ؟؟!!
تحدُّثه ذاكرته عن أولئك الذين جرَّبَ معهم هذه الطرائق . تعرض له نشرة ً موجزة ً سريعة ً مصوّرة ً لهم . الخبث فيه يبتسم . لأكثر من عشرين عاما ً و هو يقترف القتل . الإبادة الجماعية . يستعرض عضلاته القتليّــة .
كان كلما وصلته برقية أو هاتف ليذهب لمكان ٍ ما بغرض الإبادة و تفريق المتظاهرين تارة ً أو القيام بعمليّـات الإعتقالات الجماعيّـة و مداهمة البيوت طورا ً يهبُّ إليها . ينقضّ صقرا ً ، ليفترسَ أصواتا ً تنبضُ بالحريَّـة !!
شيءٌ ما بداخله يحفزه ، يقذفُ به إلى اقتراف ذلك ، عن وعي ٍ أم لا . لا يعلم . حالما تصدر الأوامر ينبري لها . بيـد أننا لا نستطيع القول أنه يفعل ذلك تنفيذا ً للواجب فقط ، و للعبارات الفضفاضة المهلهلة التي يتشدّق بها . نحن لا ننقاد إلى شيء إلاّ لموافقة ٍ سريّـة ٍ من قبلُ له ، و لا شيء يسوسنا إلاّ و ثمّــة اغراء خفيّ يقودنا إليه و الأمر نسبيّ . إذن فالتظاهر بأنَّـنا ننقاد إلى اقتراف الأمور ـ غالبا ً ـ دونما ارادة هو محض خرافة ٍ نصدّقها لإقناع ذواتنا بالمظلومية و قلّـة الحيلة!!!
إنه شيء داخليّ يحرّضه . الشرّ فينا نمرٌ يتضوّر حقدا ً ، إنْ أطلقناه من قفصه التهمنا !!
فرَّ النمرُ إذن و ما عادَ بوسعه السيطرة عليه . هاهو يجوبُ أدغالَ فؤاده ، يفتك بكائنات الطيبة الأليفة .
في هذا الأوان أسرابُ الصور تجوب سماء ذاكرته .
صراخ ٌ ، دماء ، أشلاء ، ثيابٌ تنعى أصحابها ، و أرواح ٌ غرقت في قيعان الموت الأخير .حياة ٌ ترتدي الحداد ، و منازلٌ تئنّ حنينا ً .
على مقربة ٍ منه شخص ٌ يشخص ببصره إلى المنظر كله . يتابع و يترقبُ مع المترقبين ما سيؤول إليه الأمر .
أسرابُ الصور ما زالت مستمرة . رفيفها يستنطق ذاكرته المتخمة . لن يختلف مصيره عن مصيرهم . يقرّر ذلك في قرارة نفسه .
الهدف جاهز ، قريب ، و ليس عليه سوى أنْ يطلق ؛ استردادا ً لكرامته
المهانة ، و هيبته المخدوشة . قتله له يثبتُ أنـه يردّ الصفعة بزلزال ٍ يخترم صاحبها .
إذ ذاك تتعالى الأصوات بداخله : " اقتله .. اقتله .. اقتله !! "
يطفحُ تصميما ً .. يصوَّبُ باتجاهه .. يغمضُ إحدى عينيه ليسمحَ للأخرى بزاوية رؤية ٍ أكبر . يقذفُ سبّـابته تماما ً مثلما يقذف الهلع في أفئدة مَـنْ هم حوله . كبرياؤه ذو الخمس نجوم ٍ ، المزهوّ ببذلته العسكريّـة الأنيقة ، يأمره بالإسراع .
الطفلُ يتلوّى خوفا ً . يحاولُ الهرب . يمسك به بعض الجنود و يعيدوه .
الشمسُ تختفي في المعطف . الرياح تسكر . القلوبُ مؤثثة بفزع ٍ طاغ ٍ ، العيونُ تتجمَّــد . بيتُ الطفل يكبِّــله عجزه ، فيكتفي بترتيل دعوات ٍ و تعاويذ خفيَّــة .
الشتاءُ يحترقُ وَجْــدَا ً : حنينا ً لأرواح ٍ اغتالها الموتُ ، و حزنا ً عليهم و على
أمان ٍ غائب ٍ . الشتاءُ يشيخُ ، تنتحرُ قواه . ينزفُ نارا ً وقودها الدموع و الدماء المسفوكة . ينزفُ موتا ً !!
أقارب الطفل يرسلونَ الصوتَ العجوز رسولا ً لهم . يتلو عليه رسالة ايمان ٍ بالصفح عن قريبهم . أمّـــه في الداخل لا تدري ما يجري رغم أنين جدران البيت .
يصفعُ كلَّ ذلك بجدار اللامبالاة .
يعيدُ سؤاله :
" لماذا فعلتَ ما فعلتـه ؟"
يصمتُ الطفل . يعاودُ سؤاله ثانية ً . فثالثة ً و في المرة الرابعة أجابه . إذ ذاك انتفض و زأر . رددها في وجهه بأنه سيقتله . ينتحبُ الطفل . تضطرمُ حقول الحياة فيه نيرانا ً .
يكرّرُ باستمتاع ٍ أنه سيقتله . يتلكأ في ذلك . عبيرُ انتصار ٍ يضمخُ دهاليزَ روحه. أغان ٍ غجريَّــة ٍ تحتفلُ . يقضمُ فاكهة الفرحة .
الشخصُ الذي على مقربة ٍ منه يستفسرُ في ذاته عن علّـة اطالة الضابط لحياة الطفل ما دامَ قد قرَّرَ أنْ يقتله و بنفســه .
أهي رغبته الجامحة في استمتاعه بارتعاد الطفل في أوج ِ زمهرير الخوف ، و زفافه إلى الموت البشـع ؟؟
أم ليثبت لنفسه حجم قوّته و جبروته و هو إذ يشهدُ اقتلاع براعم الحياة من على وجه الطفل بيد الخوف الغليظة ؟؟!!
" أحيانا ً نعشق أنْ نجد أنفسنا أقوياء .. نخالُ أنفسنا أقوياء جدا ً .. جدا ً .. و لذا فإننا نتمنى لو أنَّ الوقت يتوقف .. يتسمَّـرُ مندهشا ً فلا يحفلُ لرحلته السرمديَّــة ،
و يشهد مزيدا ً من فصول مسرحيّـة قوّتنا العظيمة !! " . يقرِّرُ .
يتابعُ ما يجري ، و قلبه يكتبُ مرثيــة الطفل الحزين .
غير بعيد ٍ منه ، على مسافة ِ فكرة ٍ جاهزة ، ما فتئ الضابط مشهرا ً الموتَ في وجه الطفل المختنق رعبا ً . تتساقط الصورُ نيازكا ً على ذاكرته . تخترقه أصواتٌ غريبة ٌ و هو يحدِّقُ في عينيّ الطفل النابضتيْن براءة ً . أصواتٌ غريبة ٌ
تدخلُ قلبه .
الشخصُ القريبُ منه يستنتجُ : " يحدثُ أنْ نتعثرَ بشيء ٍ ما يبعثُ الفوضى ، يجعلنا نختنق بغبار أشياء ٍ منسيَّـة \ متناساة ، و بعدها فلنا حريَّـة القرار ، بديموقراطيَّـة ٍ ، بين أنْ نعاودَ اعتناق تلكم الأشياء أو نخنقها بغبار ٍ
آخر / بتناس ٍ قاس ٍ !! "
الفوضى تجتاحه ، تبعثره ، عبثا ً يحاولُ لملمة اتزانه . يحدِّقُ ثانية ً . يمتطيه ارتباك ٌ غريب . يكبو به . يصلُ إلى قراره الأخير .
كم نحنُ بحاجة ٍ إلى الفوضى لتعيدَ ترتيبَ و تأثيث حيواتنا !!
ها هو ذا الطفل الذي رماه بحجر ٍ شَجَّ رأسه حينما داهمَ بيته ، و اعتقلَ أخويْـه ، أمامه الآن في انتظار مصيره ، و الكلّ من حوله ينتظر .
تقتربُ أصابعه من الزناد ، رويدا ً رويدا ً تقترب . تبتعدُ . تقتربُ . ثمَّ في لحظة ولادة قرار ٍ أخير ٍ بعد فوضى أخرى أشدّ وطأة يـ.....
بغتة ً انقطعت الكهرباء ، و لم يستطع عبدالله الذي يتابع الفيلم منذ أكثر من ساعة ٍ من معرفة النهاية . و هو الذي التصقَ بالمشاهد ِ التصاقا ً .
خلصَ إلى أنّــه ربما يقتله و ربما لا يفعل .. فمَـنْ يدري ؟؟!!
هاني جبران