عسل
26-12-2002, 18:07
إنها غريبة حتى أعماق أعماقها أجنبية ، (مورا)!!.
كانت تنفر من هذه الكلمة قبل أن تعرف معناها الذي كانت تقرؤه على وجوه
الأسبان إنما يقصدون بتلك الكلمة المسلم العربي الدخيل المحتقر! ولا فرق لدى
القوم بين الغريب من دول العالم الثالث و بين المحتقر فالمعاني الأربعة في
أذهان العامة متشابهة عندما تقع أعينهم على امرأة يدل ملبسها على إسلامها..
كانت ملتفة بلباسها الذي يميزها عن الناس في هذا البلد، خاملة مستثقلة خطاها
وهي تبحث في ذلك الصباح البارد عن المصرف وكلما خطت خطوة خيل إليها
أنها انتهت لتوها من صعود جبل من الجبال.
لم يكن مرض رئتها ليرحمها، إنها مريضة وما تفتأ تحاول الهرب من هذا المرض،
لكنه يحاصرها بعنف وإصرار، ويشلها عن المضي في طريق الحياة كما تريده هي وتحبه.
ومنذ توفي زوجها بقيت وحيدة مع طفلين هما في أمس الحاجة إلى أم قوية، نشطة، توفر لهما الأمن والأمان.
وأخيرا وصلت إلى المصرف وقرأت جملة اللوحات التي تعلقها المصارف عادة للتعريف بنفسها.
فهمت نصف ما قرأت، ثم رفعت رأسها متحدية نظرات كل الذين يؤذونها نظراتهم صباحا ومساءا ثم دفعت الباب وخلت المصرف.
ألقت تحية على الشرطي الواقف خلف الباب، والذي لم تنتبه إلى وجوده إلا لدى
دخولها إلى المصرف، واتجهت إلى منضدة جانبية، كتب على لوحة معلقة عليها
استعلامات سألت الموظف بأدب جم ولغة سيئة ركيكة، كيف يمكنها أن تصرف
الراتب الشهري الذي عينوه لها بعد وفاة زوجها ، وبأدب جم كما هو شأن
معظم موظفي المصارف مع وجه جلط بارد يفيض بالازدراء- أشار عليها أن تذهب
إلى منضدة أخرى معدة لبحث أمور الأجانب المصرفية ولم يعطها الرجل أية
فرصة لتخبره أن زوجها عندما توقي كان قد حصل على الجنسية الإسبانية ولم
يعد أجنبيا.
وانصرف الموظف إلى أوراقه، و أشاح بوجهه عنها، ذهبت إلى المنضدة الأخرى
، وقفت لحظات ، ثم بدا لها أن تجيل النظر في الغرفة الزجاجية التي يصرف منها
الموظفون للناس رواتبهم أو الوصولات المالية التي يتقدمون بها.
رأت أن تصرف ذهنا عنه . لكنها رأته يشير إليها بإصبعه ضاحكا وهو يقول :
انظروا هذه العربية، إنها تلتف بملابسها كأنها سجادة قذرة ! وقهقه الجميع.
آلمتها كلماته وبقيت تحملق فيه بحنق متحد وهولا يراها , ولما التفت الرجل
وقعت عيناه عليها، فصمت، ويبدو أنه كانت لديه بقية من حياء، إذ بدا له أنها
فهمت ما يقول ، فأطرق برأسه وانكب على عمله وتحاشى النظر إليها.
بعد انتظار نصف ساعة ، مضافة إليها ساعة أخرى في الاستعلامات ، وأمور
الأجانب ، وإدارة المصرف ، جاء دورها ووجدت نفسها أمام الموظف الصغير عينه
ودون أن يرفع رأسه ، سألها بصوت لا يكاد يخرج من فمه عما تريد.
وبعد أن أخذت النقود، قالت له بلهجة فيها تحد واضح ... شكراُ.
وضعت النقود دون أن تعدها في حافظة نقودها ثم انصرفت, وعند باب المصرف -
ان يقف الشرطي، ودعته بالتحية المعروفة، وفتحت الباب وخرجت حزينة،
جريحة، كئيبة.
إنها غريبة حتى أعماق أعماقها ، أجنبية ، مورا !!! كانت تنفر من هذه الكلمة
قبل أن تعرف معناها الذي كانت تقرؤه على أولئك الذين كانوا ينادونها بها
في الشوارع كلما راحت وجاءت ، ثم تعلمت على مر الأيام أن الأسبان إنما
يقصدون بكلمة (مورو) المسلم العربي الغريب الدخيل المحتقر ولا فرق بين المسلم
والعربي ،ن وبين الغريب من دول العالم الثالث وبين المحتقر ! فالمعاني الأربعة
في أذهان العامة متشابه عندما تقع أعينهم على امرأة يدل لباسها على أنها
مسلمة.. أو على رجل تشير سحنته إلى صِلاته العرقية بشعوب شمالي أفريقيا.
ولعل لارتباط تلك المعاني بالإسلام في أذهان الأسبان تاريخية لا تدريها، ولكن
الذي تدريه هي- وهي التي لا تحب التفكير ولا الدراسة ولا حتى مجرد القراءة-
أن هؤلاء الأسبان لا يفهمون أنها تلبس هذا الجلباب وتضع هذا الحجاب لأنها
مسلمة متمسكة بدينها ، فهو في نظرهم دليل القهر والاستعباد قد أجبرها على
ارتدائه الأب أو الزوج مع العادات و التقاليد.
عادت إلى منزلها شبه محطمة ، ولما ضمها البيت ووقع نظرها على ولديها ،
استسلمت إلى البكاء كانت تكنس وتمسح وتعمل وهي تبكي حظها العاثر ،
وتشكو أمرها إلى الله.
تزوجت منذ خمس سنوات ، وتركت بلدها كشأن الكثيرات والكثيرين من أبناء
بلدها ، ولم يكن لها في ذلك البلد أحد ، فهي يتيمة تعيش عالة وخادمة في بيت
خال لها ، زوجها لأول خاطب .. فجاءت إلى أسبانيا ، آملة في مستقبل طيب مع
زوج أصبح بالنسبة إليها الأب و الأم ، وإن كان يقسو عليها حينا ، ويسيء
إليها أحيانا أخرى.
ثم مات في حادث عمل ، وتركها مع طفلين وراتب شهري لا يكاد يفي
بالضرورات ، ولقد ترك موته في نفسها فراغا هائلا، وإن لم تكن حياته من قبل
قد سدت في نفسها الفراغ الذي تجده كل امرأة في نفسها إلى أن تتزوج.
أين تذهب؟ .. وماذا تفعل؟ قررت البقاء حيث هي في أسبانيا فهي ممتنة
لأسبانيا التي استطاعت أن تعيش فيها حرة كريمة بقدر ما هي ساخطة على
الأسبان الذين لا يفهمون ، ولا يقدرون ، ولا يرحمون ولا يحترمون الآخرين ، ما
دام هؤلاء الآخرين من المغاربة المهاجرين.
فكرت في البحث عن عمل تقوم به يعينها على تربية ولديها شأنها كشأن
المئات من بنات بلدها اللاتي دفعهن الفقر و القهر والظلم والذل في بيوت
أهليهن إلى الهروب إلى أسبانيا وفضلن العمل خادمات في بيوت الأسبان
النصارى ، كما يقلن ، على البقاء في أسر لا توليهن الحب ولا الحنان ، أو عند
أزواج لا يعاملونهن على أنهن منن جنس البشر ، ولا يقدمون إليهن أدنى حاجات
الناس المتعارف عليها ، والعمل ومهما كان نوعه لا يعتبر عارا في هذه البلاد
كما هو الحال في بلدها ، وإن ما يتاح لها من فرص لتربية ولديها والعناية بهما
هنا ، ولا يتاح لها مثل عشرة ولا حتى واحد في المائة منه في بلادها.
وما دامت تحفظ نفسها ودينها فلا بأس عليها من البقاء في أسبانيا وهي التي
لا تكاد تجد ملجأ لها في بلدها.
******
في أول الشهر التالي تأهبت للذهاب إلى المصرف وعاد الموظف الصغير يحتل
مكانا في ذهنها ، وامتلأ صدرها بالحنق والكراهية والتحدي.
ولبست أحسن ثيابها واجتهدت في تنظيفها وكيها ونظرت إلى
نفسها في المرآة أكثر من مرة ، وحاولت أن تحفظ جيدا ما الذي يجب عليها
قوله في المصرف كيلا تكون مدعاة للسخرية مرة ثانية.
حملت حافظة نقودها ومضت نحو المصرف رافعة رأسها تحاول إخفاء شعورها
بالنقص ، وهي لا تريد أ، يتسرب هذا الشعور إلى أعماقها لأنها تعتقد أنها
تعتقد أنها بدينها خير منهم جميعا ، وأنها لا بد داخلة الجنة .. ثم تتردد وهي
تذكر ذنوبا كثيرة لا تكا د نحصى ثم تذكر كذلك أن صلاة الفجر مازالت تفوتها
وهي تصليها عندما تستيقظ أو تجمعها مع صلاة الظهر أو مع صلاة العشاء ، ولا
تدري من الذي كان قد أفتى لها بجمع صلاتي الظهر والعصر فأصبحت تجمعهما
بعذر أ, بدون عذر! وهي لا تدري لماذا تبلد إحساسها إلى هذه الدرجة؟ هل هو
المرض الذي لزمها منذ وفاة زوجها ؟ أم هو البرد الذي تشتد وطأته في الوحدة
والغربة ، وبيت حقير قذر يتنفس أهله العفن مع الهواء اليتيم دون شمس ولا نور.
أم هو القلق الذي يؤخر نومها حتى ساعات السحر الأخيرة أم هو الطمع في مغفرة الله، والانكسار في بابه وهو الحنان المنان.
تذكر ذلك كله وتشعر أن الجنة بعيدة ن وكثيرا ما تساءلت بألم أيذهب كل هؤلاء إلى جهنم وأذهب وحدي إلى الجنة؟
كانت تتجاذبها هذه الأفكار عندما وجدت نفسها أمام باب المصرف، وقبل أن
تدخله رأت خلف زجاج بابه شرطي المصرف ينظر إليها ، لم تنظر في وجهه،
فهي لم تنظر قط في غير وجو زوجها من الرجال.
دفعت الباب وألقت عليه التحية بأدبها المعهود، وتقدمت إلى الصف الطويل وهي
تتحدى الوجوه التي رمقها أصحابه في احتقار وسخرية ثم أشاحوا وجوههم
وشغلوا بأنفسهم عنها.
التقت عيناها دون إرادة منها بعيني الموظف الصغير ، فشعرت بتقزز وقرف ،
وسألت الله في سرها أن لا تأتي دورها في النافذة التي يشغلها هذا المخلوق
لخدمة الناس وصرف حوالاتهم ، ثم خطر لها خاطر فحدجته بنظرة غضب ، وأدرك
الرجل الذي أحرجه ان يعود لرؤيتها مرة أخرى ، إنها ما تزال غضبى ، و أنها
تنظر إليه في غاية الغيظ ، فلم يرفع رأسه ولم يعاود النظر إليها.
جاءت بنظرها في أرجاء المصرف شعرت أن أحدا ينظر إليها ، وقعت عيناها
فجأة على الشرطي، فوجدته يحملق فيها بنظرات غريبة ، لم تبال به ، خاصة
وأ، كل امرأة مسلمة في هذا البلد
معرضة لمثل هذه النظرات صباح ومساء، وتشاغلت عنه بم هي فيه من تحد و
مغاضبة للذي سخر منها ومن لباسها ودينها.
وجاء دورها رغم أنفها عند نافذة خصمها، ألقت عليه تحيتها المعتادة بأنفة
وكبرياء جريحين ، ولم يجرؤ الرجل على النظر إليها ، كان شعوره نحوها مزيجا
من الضيق والاحتقار والحياء ، ولم يكن وجه الطفولي يخفي شيئا من هذه
المشاعر.
تسلمت المبلغ الضئيل الذي ستضطر إلى الحضور بسببه أول كل شهر إلى هذا
المصرف لتعاني ما عانته في مثل هذا اليوم العصيب من ضيق وكرب ومضت إلى
بيتها محملة بالآلام.
مضت الأشهر ، وألفت المرأة وجه الرجل الصغير ، وألفت الانتظار في الرتل ،
وألفت نظرات الشرطي التي تلاحقها بلطف وإصرار ، ولم تغير شيئا من عاداتها
في إلقاء التحية على الشرطي ، وعلى الموظفين ، وفي تقديم كلمة الشكر
عقب الانتهاء من صرف راتبها.
واعتادت رؤية الشرطي كلما راحت وجاءت أمام المصرف ، بل صارت تلاحظ أنه
ينظر إليها نظرات غير عادية ، مما جعله تتحرج حرجا شديدا من الانتظار في رتل
المنتظرين، ولكنها كانت تتناساه، وهي تعد نفسها لمقابلة خصمها ، ولم يغير
مرور الأشهر شيئا من شعورها بالتحدي والقرف تجاه هذا المخلوق ، بل زادت
إليهما عاطفة الإشفاق ، ولم يتغلب عليها ، لا عقلها ، ولا حتى أنوثتها لتنسى
شيئا من هذه المشاعر!
دخلت في ذلك اليوم المصرف ، لتصرف كفاءة استثنائية وصلتها بسبب أعياد
الميلاد ، وكانت تصحب ولديها هذه المرة، فدخلت بسرعة، وكان ارتباكها
واضحا ، خافت أن يحدث ولداها جلبة تزيدها قلقا وارتباكا ففي ظنها أن ما
يحدثه لباسها من إثارة فضول الأسبان من حولها ، كاف لإرباك مدينة كاملة!.
وبينما كانت تصرف المكافأة، كانت ترقب بقلق بالغ انشغال الشرطي بالحديث
إلى ولديها ومداعبتها لهما.
نادت على الطفلين وهمت بالخروج مسرعة تريد الانفلات من المصرف كما لو أن
الشياطين كانت تتجاذبها في داخله.
عندما وصلت إلى الباب، مد الشرطي يده وفتحه لها خرجت وقد زاد ارتباكها ولم
تنبس ببنت شفة فقال لها الرجل بأدب واحترام :
- إلى اللقاء يا سيدة.
كانت هذه تحية أهل البلد، ولكن صوت الرجل وتعابير وجهه يدلان على أكثر من تحية!
يتبع
كانت تنفر من هذه الكلمة قبل أن تعرف معناها الذي كانت تقرؤه على وجوه
الأسبان إنما يقصدون بتلك الكلمة المسلم العربي الدخيل المحتقر! ولا فرق لدى
القوم بين الغريب من دول العالم الثالث و بين المحتقر فالمعاني الأربعة في
أذهان العامة متشابهة عندما تقع أعينهم على امرأة يدل ملبسها على إسلامها..
كانت ملتفة بلباسها الذي يميزها عن الناس في هذا البلد، خاملة مستثقلة خطاها
وهي تبحث في ذلك الصباح البارد عن المصرف وكلما خطت خطوة خيل إليها
أنها انتهت لتوها من صعود جبل من الجبال.
لم يكن مرض رئتها ليرحمها، إنها مريضة وما تفتأ تحاول الهرب من هذا المرض،
لكنه يحاصرها بعنف وإصرار، ويشلها عن المضي في طريق الحياة كما تريده هي وتحبه.
ومنذ توفي زوجها بقيت وحيدة مع طفلين هما في أمس الحاجة إلى أم قوية، نشطة، توفر لهما الأمن والأمان.
وأخيرا وصلت إلى المصرف وقرأت جملة اللوحات التي تعلقها المصارف عادة للتعريف بنفسها.
فهمت نصف ما قرأت، ثم رفعت رأسها متحدية نظرات كل الذين يؤذونها نظراتهم صباحا ومساءا ثم دفعت الباب وخلت المصرف.
ألقت تحية على الشرطي الواقف خلف الباب، والذي لم تنتبه إلى وجوده إلا لدى
دخولها إلى المصرف، واتجهت إلى منضدة جانبية، كتب على لوحة معلقة عليها
استعلامات سألت الموظف بأدب جم ولغة سيئة ركيكة، كيف يمكنها أن تصرف
الراتب الشهري الذي عينوه لها بعد وفاة زوجها ، وبأدب جم كما هو شأن
معظم موظفي المصارف مع وجه جلط بارد يفيض بالازدراء- أشار عليها أن تذهب
إلى منضدة أخرى معدة لبحث أمور الأجانب المصرفية ولم يعطها الرجل أية
فرصة لتخبره أن زوجها عندما توقي كان قد حصل على الجنسية الإسبانية ولم
يعد أجنبيا.
وانصرف الموظف إلى أوراقه، و أشاح بوجهه عنها، ذهبت إلى المنضدة الأخرى
، وقفت لحظات ، ثم بدا لها أن تجيل النظر في الغرفة الزجاجية التي يصرف منها
الموظفون للناس رواتبهم أو الوصولات المالية التي يتقدمون بها.
رأت أن تصرف ذهنا عنه . لكنها رأته يشير إليها بإصبعه ضاحكا وهو يقول :
انظروا هذه العربية، إنها تلتف بملابسها كأنها سجادة قذرة ! وقهقه الجميع.
آلمتها كلماته وبقيت تحملق فيه بحنق متحد وهولا يراها , ولما التفت الرجل
وقعت عيناه عليها، فصمت، ويبدو أنه كانت لديه بقية من حياء، إذ بدا له أنها
فهمت ما يقول ، فأطرق برأسه وانكب على عمله وتحاشى النظر إليها.
بعد انتظار نصف ساعة ، مضافة إليها ساعة أخرى في الاستعلامات ، وأمور
الأجانب ، وإدارة المصرف ، جاء دورها ووجدت نفسها أمام الموظف الصغير عينه
ودون أن يرفع رأسه ، سألها بصوت لا يكاد يخرج من فمه عما تريد.
وبعد أن أخذت النقود، قالت له بلهجة فيها تحد واضح ... شكراُ.
وضعت النقود دون أن تعدها في حافظة نقودها ثم انصرفت, وعند باب المصرف -
ان يقف الشرطي، ودعته بالتحية المعروفة، وفتحت الباب وخرجت حزينة،
جريحة، كئيبة.
إنها غريبة حتى أعماق أعماقها ، أجنبية ، مورا !!! كانت تنفر من هذه الكلمة
قبل أن تعرف معناها الذي كانت تقرؤه على أولئك الذين كانوا ينادونها بها
في الشوارع كلما راحت وجاءت ، ثم تعلمت على مر الأيام أن الأسبان إنما
يقصدون بكلمة (مورو) المسلم العربي الغريب الدخيل المحتقر ولا فرق بين المسلم
والعربي ،ن وبين الغريب من دول العالم الثالث وبين المحتقر ! فالمعاني الأربعة
في أذهان العامة متشابه عندما تقع أعينهم على امرأة يدل لباسها على أنها
مسلمة.. أو على رجل تشير سحنته إلى صِلاته العرقية بشعوب شمالي أفريقيا.
ولعل لارتباط تلك المعاني بالإسلام في أذهان الأسبان تاريخية لا تدريها، ولكن
الذي تدريه هي- وهي التي لا تحب التفكير ولا الدراسة ولا حتى مجرد القراءة-
أن هؤلاء الأسبان لا يفهمون أنها تلبس هذا الجلباب وتضع هذا الحجاب لأنها
مسلمة متمسكة بدينها ، فهو في نظرهم دليل القهر والاستعباد قد أجبرها على
ارتدائه الأب أو الزوج مع العادات و التقاليد.
عادت إلى منزلها شبه محطمة ، ولما ضمها البيت ووقع نظرها على ولديها ،
استسلمت إلى البكاء كانت تكنس وتمسح وتعمل وهي تبكي حظها العاثر ،
وتشكو أمرها إلى الله.
تزوجت منذ خمس سنوات ، وتركت بلدها كشأن الكثيرات والكثيرين من أبناء
بلدها ، ولم يكن لها في ذلك البلد أحد ، فهي يتيمة تعيش عالة وخادمة في بيت
خال لها ، زوجها لأول خاطب .. فجاءت إلى أسبانيا ، آملة في مستقبل طيب مع
زوج أصبح بالنسبة إليها الأب و الأم ، وإن كان يقسو عليها حينا ، ويسيء
إليها أحيانا أخرى.
ثم مات في حادث عمل ، وتركها مع طفلين وراتب شهري لا يكاد يفي
بالضرورات ، ولقد ترك موته في نفسها فراغا هائلا، وإن لم تكن حياته من قبل
قد سدت في نفسها الفراغ الذي تجده كل امرأة في نفسها إلى أن تتزوج.
أين تذهب؟ .. وماذا تفعل؟ قررت البقاء حيث هي في أسبانيا فهي ممتنة
لأسبانيا التي استطاعت أن تعيش فيها حرة كريمة بقدر ما هي ساخطة على
الأسبان الذين لا يفهمون ، ولا يقدرون ، ولا يرحمون ولا يحترمون الآخرين ، ما
دام هؤلاء الآخرين من المغاربة المهاجرين.
فكرت في البحث عن عمل تقوم به يعينها على تربية ولديها شأنها كشأن
المئات من بنات بلدها اللاتي دفعهن الفقر و القهر والظلم والذل في بيوت
أهليهن إلى الهروب إلى أسبانيا وفضلن العمل خادمات في بيوت الأسبان
النصارى ، كما يقلن ، على البقاء في أسر لا توليهن الحب ولا الحنان ، أو عند
أزواج لا يعاملونهن على أنهن منن جنس البشر ، ولا يقدمون إليهن أدنى حاجات
الناس المتعارف عليها ، والعمل ومهما كان نوعه لا يعتبر عارا في هذه البلاد
كما هو الحال في بلدها ، وإن ما يتاح لها من فرص لتربية ولديها والعناية بهما
هنا ، ولا يتاح لها مثل عشرة ولا حتى واحد في المائة منه في بلادها.
وما دامت تحفظ نفسها ودينها فلا بأس عليها من البقاء في أسبانيا وهي التي
لا تكاد تجد ملجأ لها في بلدها.
******
في أول الشهر التالي تأهبت للذهاب إلى المصرف وعاد الموظف الصغير يحتل
مكانا في ذهنها ، وامتلأ صدرها بالحنق والكراهية والتحدي.
ولبست أحسن ثيابها واجتهدت في تنظيفها وكيها ونظرت إلى
نفسها في المرآة أكثر من مرة ، وحاولت أن تحفظ جيدا ما الذي يجب عليها
قوله في المصرف كيلا تكون مدعاة للسخرية مرة ثانية.
حملت حافظة نقودها ومضت نحو المصرف رافعة رأسها تحاول إخفاء شعورها
بالنقص ، وهي لا تريد أ، يتسرب هذا الشعور إلى أعماقها لأنها تعتقد أنها
تعتقد أنها بدينها خير منهم جميعا ، وأنها لا بد داخلة الجنة .. ثم تتردد وهي
تذكر ذنوبا كثيرة لا تكا د نحصى ثم تذكر كذلك أن صلاة الفجر مازالت تفوتها
وهي تصليها عندما تستيقظ أو تجمعها مع صلاة الظهر أو مع صلاة العشاء ، ولا
تدري من الذي كان قد أفتى لها بجمع صلاتي الظهر والعصر فأصبحت تجمعهما
بعذر أ, بدون عذر! وهي لا تدري لماذا تبلد إحساسها إلى هذه الدرجة؟ هل هو
المرض الذي لزمها منذ وفاة زوجها ؟ أم هو البرد الذي تشتد وطأته في الوحدة
والغربة ، وبيت حقير قذر يتنفس أهله العفن مع الهواء اليتيم دون شمس ولا نور.
أم هو القلق الذي يؤخر نومها حتى ساعات السحر الأخيرة أم هو الطمع في مغفرة الله، والانكسار في بابه وهو الحنان المنان.
تذكر ذلك كله وتشعر أن الجنة بعيدة ن وكثيرا ما تساءلت بألم أيذهب كل هؤلاء إلى جهنم وأذهب وحدي إلى الجنة؟
كانت تتجاذبها هذه الأفكار عندما وجدت نفسها أمام باب المصرف، وقبل أن
تدخله رأت خلف زجاج بابه شرطي المصرف ينظر إليها ، لم تنظر في وجهه،
فهي لم تنظر قط في غير وجو زوجها من الرجال.
دفعت الباب وألقت عليه التحية بأدبها المعهود، وتقدمت إلى الصف الطويل وهي
تتحدى الوجوه التي رمقها أصحابه في احتقار وسخرية ثم أشاحوا وجوههم
وشغلوا بأنفسهم عنها.
التقت عيناها دون إرادة منها بعيني الموظف الصغير ، فشعرت بتقزز وقرف ،
وسألت الله في سرها أن لا تأتي دورها في النافذة التي يشغلها هذا المخلوق
لخدمة الناس وصرف حوالاتهم ، ثم خطر لها خاطر فحدجته بنظرة غضب ، وأدرك
الرجل الذي أحرجه ان يعود لرؤيتها مرة أخرى ، إنها ما تزال غضبى ، و أنها
تنظر إليه في غاية الغيظ ، فلم يرفع رأسه ولم يعاود النظر إليها.
جاءت بنظرها في أرجاء المصرف شعرت أن أحدا ينظر إليها ، وقعت عيناها
فجأة على الشرطي، فوجدته يحملق فيها بنظرات غريبة ، لم تبال به ، خاصة
وأ، كل امرأة مسلمة في هذا البلد
معرضة لمثل هذه النظرات صباح ومساء، وتشاغلت عنه بم هي فيه من تحد و
مغاضبة للذي سخر منها ومن لباسها ودينها.
وجاء دورها رغم أنفها عند نافذة خصمها، ألقت عليه تحيتها المعتادة بأنفة
وكبرياء جريحين ، ولم يجرؤ الرجل على النظر إليها ، كان شعوره نحوها مزيجا
من الضيق والاحتقار والحياء ، ولم يكن وجه الطفولي يخفي شيئا من هذه
المشاعر.
تسلمت المبلغ الضئيل الذي ستضطر إلى الحضور بسببه أول كل شهر إلى هذا
المصرف لتعاني ما عانته في مثل هذا اليوم العصيب من ضيق وكرب ومضت إلى
بيتها محملة بالآلام.
مضت الأشهر ، وألفت المرأة وجه الرجل الصغير ، وألفت الانتظار في الرتل ،
وألفت نظرات الشرطي التي تلاحقها بلطف وإصرار ، ولم تغير شيئا من عاداتها
في إلقاء التحية على الشرطي ، وعلى الموظفين ، وفي تقديم كلمة الشكر
عقب الانتهاء من صرف راتبها.
واعتادت رؤية الشرطي كلما راحت وجاءت أمام المصرف ، بل صارت تلاحظ أنه
ينظر إليها نظرات غير عادية ، مما جعله تتحرج حرجا شديدا من الانتظار في رتل
المنتظرين، ولكنها كانت تتناساه، وهي تعد نفسها لمقابلة خصمها ، ولم يغير
مرور الأشهر شيئا من شعورها بالتحدي والقرف تجاه هذا المخلوق ، بل زادت
إليهما عاطفة الإشفاق ، ولم يتغلب عليها ، لا عقلها ، ولا حتى أنوثتها لتنسى
شيئا من هذه المشاعر!
دخلت في ذلك اليوم المصرف ، لتصرف كفاءة استثنائية وصلتها بسبب أعياد
الميلاد ، وكانت تصحب ولديها هذه المرة، فدخلت بسرعة، وكان ارتباكها
واضحا ، خافت أن يحدث ولداها جلبة تزيدها قلقا وارتباكا ففي ظنها أن ما
يحدثه لباسها من إثارة فضول الأسبان من حولها ، كاف لإرباك مدينة كاملة!.
وبينما كانت تصرف المكافأة، كانت ترقب بقلق بالغ انشغال الشرطي بالحديث
إلى ولديها ومداعبتها لهما.
نادت على الطفلين وهمت بالخروج مسرعة تريد الانفلات من المصرف كما لو أن
الشياطين كانت تتجاذبها في داخله.
عندما وصلت إلى الباب، مد الشرطي يده وفتحه لها خرجت وقد زاد ارتباكها ولم
تنبس ببنت شفة فقال لها الرجل بأدب واحترام :
- إلى اللقاء يا سيدة.
كانت هذه تحية أهل البلد، ولكن صوت الرجل وتعابير وجهه يدلان على أكثر من تحية!
يتبع