المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرطي المصرف


عسل
26-12-2002, 18:07
إنها غريبة حتى أعماق أعماقها أجنبية ، (مورا)!!.

كانت تنفر من هذه الكلمة قبل أن تعرف معناها الذي كانت تقرؤه على وجوه


الأسبان إنما يقصدون بتلك الكلمة المسلم العربي الدخيل المحتقر! ولا فرق لدى

القوم بين الغريب من دول العالم الثالث و بين المحتقر فالمعاني الأربعة في

أذهان العامة متشابهة عندما تقع أعينهم على امرأة يدل ملبسها على إسلامها..

كانت ملتفة بلباسها الذي يميزها عن الناس في هذا البلد، خاملة مستثقلة خطاها

وهي تبحث في ذلك الصباح البارد عن المصرف وكلما خطت خطوة خيل إليها

أنها انتهت لتوها من صعود جبل من الجبال.

لم يكن مرض رئتها ليرحمها، إنها مريضة وما تفتأ تحاول الهرب من هذا المرض،

لكنه يحاصرها بعنف وإصرار، ويشلها عن المضي في طريق الحياة كما تريده هي وتحبه.

ومنذ توفي زوجها بقيت وحيدة مع طفلين هما في أمس الحاجة إلى أم قوية، نشطة، توفر لهما الأمن والأمان.

وأخيرا وصلت إلى المصرف وقرأت جملة اللوحات التي تعلقها المصارف عادة للتعريف بنفسها.

فهمت نصف ما قرأت، ثم رفعت رأسها متحدية نظرات كل الذين يؤذونها نظراتهم صباحا ومساءا ثم دفعت الباب وخلت المصرف.

ألقت تحية على الشرطي الواقف خلف الباب، والذي لم تنتبه إلى وجوده إلا لدى

دخولها إلى المصرف، واتجهت إلى منضدة جانبية، كتب على لوحة معلقة عليها

استعلامات سألت الموظف بأدب جم ولغة سيئة ركيكة، كيف يمكنها أن تصرف

الراتب الشهري الذي عينوه لها بعد وفاة زوجها ، وبأدب جم كما هو شأن

معظم موظفي المصارف مع وجه جلط بارد يفيض بالازدراء- أشار عليها أن تذهب

إلى منضدة أخرى معدة لبحث أمور الأجانب المصرفية ولم يعطها الرجل أية

فرصة لتخبره أن زوجها عندما توقي كان قد حصل على الجنسية الإسبانية ولم

يعد أجنبيا.

وانصرف الموظف إلى أوراقه، و أشاح بوجهه عنها، ذهبت إلى المنضدة الأخرى

، وقفت لحظات ، ثم بدا لها أن تجيل النظر في الغرفة الزجاجية التي يصرف منها

الموظفون للناس رواتبهم أو الوصولات المالية التي يتقدمون بها.

رأت أن تصرف ذهنا عنه . لكنها رأته يشير إليها بإصبعه ضاحكا وهو يقول :

انظروا هذه العربية، إنها تلتف بملابسها كأنها سجادة قذرة ! وقهقه الجميع.

آلمتها كلماته وبقيت تحملق فيه بحنق متحد وهولا يراها , ولما التفت الرجل

وقعت عيناه عليها، فصمت، ويبدو أنه كانت لديه بقية من حياء، إذ بدا له أنها

فهمت ما يقول ، فأطرق برأسه وانكب على عمله وتحاشى النظر إليها.

بعد انتظار نصف ساعة ، مضافة إليها ساعة أخرى في الاستعلامات ، وأمور

الأجانب ، وإدارة المصرف ، جاء دورها ووجدت نفسها أمام الموظف الصغير عينه

ودون أن يرفع رأسه ، سألها بصوت لا يكاد يخرج من فمه عما تريد.

وبعد أن أخذت النقود، قالت له بلهجة فيها تحد واضح ... شكراُ.

وضعت النقود دون أن تعدها في حافظة نقودها ثم انصرفت, وعند باب المصرف -

ان يقف الشرطي، ودعته بالتحية المعروفة، وفتحت الباب وخرجت حزينة،

جريحة، كئيبة.


إنها غريبة حتى أعماق أعماقها ، أجنبية ، مورا !!! كانت تنفر من هذه الكلمة

قبل أن تعرف معناها الذي كانت تقرؤه على أولئك الذين كانوا ينادونها بها

في الشوارع كلما راحت وجاءت ، ثم تعلمت على مر الأيام أن الأسبان إنما

يقصدون بكلمة (مورو) المسلم العربي الغريب الدخيل المحتقر ولا فرق بين المسلم

والعربي ،ن وبين الغريب من دول العالم الثالث وبين المحتقر ! فالمعاني الأربعة

في أذهان العامة متشابه عندما تقع أعينهم على امرأة يدل لباسها على أنها

مسلمة.. أو على رجل تشير سحنته إلى صِلاته العرقية بشعوب شمالي أفريقيا.


ولعل لارتباط تلك المعاني بالإسلام في أذهان الأسبان تاريخية لا تدريها، ولكن

الذي تدريه هي- وهي التي لا تحب التفكير ولا الدراسة ولا حتى مجرد القراءة-

أن هؤلاء الأسبان لا يفهمون أنها تلبس هذا الجلباب وتضع هذا الحجاب لأنها

مسلمة متمسكة بدينها ، فهو في نظرهم دليل القهر والاستعباد قد أجبرها على

ارتدائه الأب أو الزوج مع العادات و التقاليد.

عادت إلى منزلها شبه محطمة ، ولما ضمها البيت ووقع نظرها على ولديها ،

استسلمت إلى البكاء كانت تكنس وتمسح وتعمل وهي تبكي حظها العاثر ،

وتشكو أمرها إلى الله.

تزوجت منذ خمس سنوات ، وتركت بلدها كشأن الكثيرات والكثيرين من أبناء

بلدها ، ولم يكن لها في ذلك البلد أحد ، فهي يتيمة تعيش عالة وخادمة في بيت

خال لها ، زوجها لأول خاطب .. فجاءت إلى أسبانيا ، آملة في مستقبل طيب مع

زوج أصبح بالنسبة إليها الأب و الأم ، وإن كان يقسو عليها حينا ، ويسيء

إليها أحيانا أخرى.

ثم مات في حادث عمل ، وتركها مع طفلين وراتب شهري لا يكاد يفي

بالضرورات ، ولقد ترك موته في نفسها فراغا هائلا، وإن لم تكن حياته من قبل

قد سدت في نفسها الفراغ الذي تجده كل امرأة في نفسها إلى أن تتزوج.

أين تذهب؟ .. وماذا تفعل؟ قررت البقاء حيث هي في أسبانيا فهي ممتنة

لأسبانيا التي استطاعت أن تعيش فيها حرة كريمة بقدر ما هي ساخطة على

الأسبان الذين لا يفهمون ، ولا يقدرون ، ولا يرحمون ولا يحترمون الآخرين ، ما

دام هؤلاء الآخرين من المغاربة المهاجرين.

فكرت في البحث عن عمل تقوم به يعينها على تربية ولديها شأنها كشأن

المئات من بنات بلدها اللاتي دفعهن الفقر و القهر والظلم والذل في بيوت

أهليهن إلى الهروب إلى أسبانيا وفضلن العمل خادمات في بيوت الأسبان

النصارى ، كما يقلن ، على البقاء في أسر لا توليهن الحب ولا الحنان ، أو عند

أزواج لا يعاملونهن على أنهن منن جنس البشر ، ولا يقدمون إليهن أدنى حاجات

الناس المتعارف عليها ، والعمل ومهما كان نوعه لا يعتبر عارا في هذه البلاد

كما هو الحال في بلدها ، وإن ما يتاح لها من فرص لتربية ولديها والعناية بهما

هنا ، ولا يتاح لها مثل عشرة ولا حتى واحد في المائة منه في بلادها.

وما دامت تحفظ نفسها ودينها فلا بأس عليها من البقاء في أسبانيا وهي التي

لا تكاد تجد ملجأ لها في بلدها.
******
في أول الشهر التالي تأهبت للذهاب إلى المصرف وعاد الموظف الصغير يحتل

مكانا في ذهنها ، وامتلأ صدرها بالحنق والكراهية والتحدي.


ولبست أحسن ثيابها واجتهدت في تنظيفها وكيها ونظرت إلى

نفسها في المرآة أكثر من مرة ، وحاولت أن تحفظ جيدا ما الذي يجب عليها

قوله في المصرف كيلا تكون مدعاة للسخرية مرة ثانية.

حملت حافظة نقودها ومضت نحو المصرف رافعة رأسها تحاول إخفاء شعورها

بالنقص ، وهي لا تريد أ، يتسرب هذا الشعور إلى أعماقها لأنها تعتقد أنها

تعتقد أنها بدينها خير منهم جميعا ، وأنها لا بد داخلة الجنة .. ثم تتردد وهي

تذكر ذنوبا كثيرة لا تكا د نحصى ثم تذكر كذلك أن صلاة الفجر مازالت تفوتها

وهي تصليها عندما تستيقظ أو تجمعها مع صلاة الظهر أو مع صلاة العشاء ، ولا

تدري من الذي كان قد أفتى لها بجمع صلاتي الظهر والعصر فأصبحت تجمعهما

بعذر أ, بدون عذر! وهي لا تدري لماذا تبلد إحساسها إلى هذه الدرجة؟ هل هو

المرض الذي لزمها منذ وفاة زوجها ؟ أم هو البرد الذي تشتد وطأته في الوحدة

والغربة ، وبيت حقير قذر يتنفس أهله العفن مع الهواء اليتيم دون شمس ولا نور.


أم هو القلق الذي يؤخر نومها حتى ساعات السحر الأخيرة أم هو الطمع في مغفرة الله، والانكسار في بابه وهو الحنان المنان.

تذكر ذلك كله وتشعر أن الجنة بعيدة ن وكثيرا ما تساءلت بألم أيذهب كل هؤلاء إلى جهنم وأذهب وحدي إلى الجنة؟

كانت تتجاذبها هذه الأفكار عندما وجدت نفسها أمام باب المصرف، وقبل أن

تدخله رأت خلف زجاج بابه شرطي المصرف ينظر إليها ، لم تنظر في وجهه،

فهي لم تنظر قط في غير وجو زوجها من الرجال.


دفعت الباب وألقت عليه التحية بأدبها المعهود، وتقدمت إلى الصف الطويل وهي

تتحدى الوجوه التي رمقها أصحابه في احتقار وسخرية ثم أشاحوا وجوههم

وشغلوا بأنفسهم عنها.


التقت عيناها دون إرادة منها بعيني الموظف الصغير ، فشعرت بتقزز وقرف ،

وسألت الله في سرها أن لا تأتي دورها في النافذة التي يشغلها هذا المخلوق

لخدمة الناس وصرف حوالاتهم ، ثم خطر لها خاطر فحدجته بنظرة غضب ، وأدرك

الرجل الذي أحرجه ان يعود لرؤيتها مرة أخرى ، إنها ما تزال غضبى ، و أنها

تنظر إليه في غاية الغيظ ، فلم يرفع رأسه ولم يعاود النظر إليها.

جاءت بنظرها في أرجاء المصرف شعرت أن أحدا ينظر إليها ، وقعت عيناها

فجأة على الشرطي، فوجدته يحملق فيها بنظرات غريبة ، لم تبال به ، خاصة

وأ، كل امرأة مسلمة في هذا البلد


معرضة لمثل هذه النظرات صباح ومساء، وتشاغلت عنه بم هي فيه من تحد و

مغاضبة للذي سخر منها ومن لباسها ودينها.

وجاء دورها رغم أنفها عند نافذة خصمها، ألقت عليه تحيتها المعتادة بأنفة

وكبرياء جريحين ، ولم يجرؤ الرجل على النظر إليها ، كان شعوره نحوها مزيجا

من الضيق والاحتقار والحياء ، ولم يكن وجه الطفولي يخفي شيئا من هذه

المشاعر.

تسلمت المبلغ الضئيل الذي ستضطر إلى الحضور بسببه أول كل شهر إلى هذا

المصرف لتعاني ما عانته في مثل هذا اليوم العصيب من ضيق وكرب ومضت إلى

بيتها محملة بالآلام.

مضت الأشهر ، وألفت المرأة وجه الرجل الصغير ، وألفت الانتظار في الرتل ،

وألفت نظرات الشرطي التي تلاحقها بلطف وإصرار ، ولم تغير شيئا من عاداتها

في إلقاء التحية على الشرطي ، وعلى الموظفين ، وفي تقديم كلمة الشكر

عقب الانتهاء من صرف راتبها.


واعتادت رؤية الشرطي كلما راحت وجاءت أمام المصرف ، بل صارت تلاحظ أنه

ينظر إليها نظرات غير عادية ، مما جعله تتحرج حرجا شديدا من الانتظار في رتل

المنتظرين، ولكنها كانت تتناساه، وهي تعد نفسها لمقابلة خصمها ، ولم يغير

مرور الأشهر شيئا من شعورها بالتحدي والقرف تجاه هذا المخلوق ، بل زادت

إليهما عاطفة الإشفاق ، ولم يتغلب عليها ، لا عقلها ، ولا حتى أنوثتها لتنسى

شيئا من هذه المشاعر!


دخلت في ذلك اليوم المصرف ، لتصرف كفاءة استثنائية وصلتها بسبب أعياد

الميلاد ، وكانت تصحب ولديها هذه المرة، فدخلت بسرعة، وكان ارتباكها

واضحا ، خافت أن يحدث ولداها جلبة تزيدها قلقا وارتباكا ففي ظنها أن ما

يحدثه لباسها من إثارة فضول الأسبان من حولها ، كاف لإرباك مدينة كاملة!.


وبينما كانت تصرف المكافأة، كانت ترقب بقلق بالغ انشغال الشرطي بالحديث

إلى ولديها ومداعبتها لهما.


نادت على الطفلين وهمت بالخروج مسرعة تريد الانفلات من المصرف كما لو أن

الشياطين كانت تتجاذبها في داخله.


عندما وصلت إلى الباب، مد الشرطي يده وفتحه لها خرجت وقد زاد ارتباكها ولم

تنبس ببنت شفة فقال لها الرجل بأدب واحترام :
- إلى اللقاء يا سيدة.

كانت هذه تحية أهل البلد، ولكن صوت الرجل وتعابير وجهه يدلان على أكثر من تحية!




















يتبع

تفا حه
28-12-2002, 01:46
عسوله متى راح تكمليها :( :bad:

عسل
28-12-2002, 07:03
إن الله عطانا عمر وياك غد أو بعد غد


:1b

عسل

تفا حه
29-12-2002, 03:41
اوكي عسوله في الإ نتظار :1b

عسل
29-12-2002, 04:24
استدارت إليه مندهشة ... ولأول مرة منذ زمن طويل شعرت بشيء مجهول،

وخوف هائل ، وطرق قلبها بعنف، وبقيت تحملق في وجهه ثوان ... لم تر فيها

شيئا، ثم ولت هاربة من شيء لا تدري ما هو!.

هدأ اضطراب أنفاسها في صدرها عندما أصبحت بعيدة عن المصرف، وشدت

على يدي ولديها تستمد منهما القوة ، والأمن ، وبحثت في وجوه المارة عن

إجابة، عن سؤال، عن شيء ينسيها نفسها وما هي فيه ... لكنها لم تجد في

وجوه الناس غير الاستغراب والإنكار والاحتقار.. إنها بالنسبة إلى هؤلاء مجرد

جسد ملفوف بالملابس، لا تنتمي إلى بني الإنسان، ولا تشعر بشعورهم ، ولا

يخفق قلبها مثل قلوبهم، ولا حق لها في الحياة.. ولا التنفس مثلهم !! إنها غريبة

عن نفسها ، وعنهم ، تحس غربتها في عيونهم كما تحسها في عيون صغارها

في كل حين.



وصلت بيتها حزينة ، خائفة مذعورة ، خجلى من نفسها كان أول ما فعلته أن

توضأت ثم صلت ، ولم تفقه شيئا من صلاتها ، ثم بدأت بتحضير الطعام، أفكارها

مضطربة، عواطفها ثائرة ، كيف تسمح لنفسها بالنظر إلى وجه الرجل ؟ ..

وكيف استطاعت أن تحملق في وجهه مثل هذه المدة الطويلة التي حبستها

قرونا ! إنها لا تستحي ! و لا تخجل ! إنه رجل اسباني ... غريب ، إنها لم تفكر

قط بالنظر في وجه رجل سوى زوجها ، فضلا عن أن يكون رجلا إسبانيا ،

غريبا عنها من ألف وجه.


كانت تطعم ولديها وعيناه مغرورقتان بالدموع ، وكانت تسمع أحاديثهما العذبة

، وتنظر في عيونهما اليتيمة، وترى أن عيونهما أشد يتما منهما.


استغفرت الله في سرها كثيرا جداُ ، كانت دائما مشغولة بالموظف الذي يثير

اشمئزازها وغضبها، ولم تأبه كثيرا بهذا الشرطي الذي كان شيئا مألوفا

وعاديا عند باب المصرف.


لماذا فتح لها الباب؟ ولماذا ودعها بهذه العبارة؟ ولماذا لم يفعل ذلك من قبل ؟

بل انتظر حتى رآها مع طفلين يتيمين ، وكيف تحدث إليها بهذه الطريقة وهي

الغريبة بدينها ولغتها ولباسها، ونادرا ما يتحدث رجل إسباني إلى امرأة

أجنبية من المسلمات إلا لضرورة قصوى ، أو من باب المعاكسة والأذى.

ولما أوت إلى فراشها لم تستطع النوم ، وكانت تفكر وتفكر ، إنها غير جميلة

دون شك ، ولقد ذوت آخر جذوة من نضارة كانت في وجهها منذ توفي زوجها.

لماذا؟ لماذا يحدثها وينظر إليها؟ وكيف ستجرؤ على الذهاب إلى المصرف مرة

أخرى؟


لكنها لم تغفر لنفسها أبدا أن تنفلت أفكارها للتوغل إلى هذا الحد في حقيقة

الإنسان بين جبينها، فصارت تبكي بمرارة، بكت زوجها والأيام السعيدة الشقية

التي قضتها معه، بكت وحدتها وغربتها وطفليها ، ولم تدرٍ كم من الوقت بقيت

تبكي وتبتهل إلى الله أن يرحمها ويغفر لها ، ويقيها من شرور نفسها، قبل أن

تداركها الله برحمته فاستلمت إلى النوم.




بعد أيام وهي تبتاع بعض الحاجات قرب المصرف، وجدت نفسها تبحث عن الرجل

الواقف خلف باب المصرف الزجاجي ، ولأول مرة تفرست في وجهه كمن يحاول

معرفة المجهول ليتقي شره! إنه رجل طيب كما يبدو، وفيه شيء خفي يشدها

إليه.


كانت تقاوم نفسها وعواطفها مقاومة مستميتة, وأمضيت ليالي طويلة شاقة، لا

تغفر لنفسها ما فعلت، ولا تسامح عقلها في استرساله مع تلك الأفكار التي

باتت تؤرقها.


تساءلت .. أية حماقة عظيمة تجر امرأة مثلها إلى حال كهذه ؟ أليس هذا خيانة

لزوجها وأولاها ولينها وإسلامها ، كانت ترفض الاعتراف لنفسها بأنها بشر مثل

كل البشر الذين خلقهم الله، لديه روح وقلب وإحساس وشعور، وصارت تقاوم

بعنف وقسوة حتى أقنعت نفسها بأن الأمر ليس إلا ضربا من وساوس الشياطين،

وساعدها اجتهادها في البحث عن عمل على الاقتناع أخيرا بأفكارها هذه ،

والتي أراحتها من عناء الشعور بالذنب، والقلق والآلام وأيقنت أن الله عز وجل

قد استجاب لها ورحمها.

فهي وإن كانت إنسانة ذات قلب وروح ، لكنها امرأة واعية ، ولا ينبغي أن

تترك لنفسها زمام أمرها ، فإن صويحباتها من بنات بلدها حدثنها أن الكثيرات

منهن كن قد سقطن فريسة النفس الأمارة بالسوء ، والانسياق وراء وسواس

الشياطين... ولا يجوز لمثلها وهي التي تعتبر بالنسبة لمواطناتها قدوة ومثلا

يحتذى في العفاف و الأخلاق وطهر السيرة والالتزام بالدين، لا يجوز لمثلها أن

تسمح لنفسها أن تتغلب عليها بأي شكل من الأشكال.



لزمت الاستغفار ليلا ونهارا، فوجدت في روحها نشوة وانطلاقا نحو الأعلى ،

وفي نفسها تحررا من أسر ما كانت فيه ارتكاس وانزعاجات وآلام، ووضعت

أملها في الله ، وصارت تتقلب في السحر وهي تدعوه أن يفرج عنها ما هي

فيه ، ويكرمها وأولادها بما يحفظ عليها دينها وعفتها وأمنها وإيمانها



وجدت عملا تخجل الكثيرات من ذكره أو التحدث عنه خاصة من نساء بلاد

المسلمين الشرقية، حيث معظم النساء هناك يعشن في هناء ورخاء، لا يعانين

إلا من تسلط الأزواج وتضييقهم عليهن في هناء ورخاء، لا يعانين إلا من تسلط

الأزواج وتضييقهم عليهن، أما اللقمة و الأمن فليسا بمشكلة يكاد شبح اختفائهما

يهدد الإنسان بالجنون . ماذا تفعل مثل هذه المرأة؟

جاهدت نفسها كل معاني الكرامة الزائفة، والاعتزاز بأنوثتها وبنفسها ، ثلاث

ساعات يوميا تقضيها في بيت إسباني تقوم بتنظيفه ليس عارا – في هذه البلاد

على الأقل -، وسيدة المنزل الذي ستعمل فيه امرأة مهذبة، ومثقفة ، ولا تهضم

الحقوق ، ولا تشعرها أنها أقل منها في شيء ، لقد حذرتها رفيقاتها في

المهنة من البحث عن عمل في بيوت أثرياء العرب في اسبانيا حيث تعامل

الخادمات في تلك البيوت معاملة العبيد.


إنها محظوظة إذ وجدت عملا في بيت امرأة تدفع لها من المال ما يساوي المبلغ

الذي تتقاضاه شهريا من التأمينات الاجتماعية، وما دام أولادها في وقت عملها

في المدرسة فلماذا لا تغتنم الفرصة وتتكل على الله.

إنها تشعر بغصة في حلقها ، مصدرها شعورها بأنها مسلمة تعمل في بيوت

الأسبان، شعورها هذا يجرح كرامتها على الرغم من أن معظم بنات بلدها يعملن

في هذا المجال في أسبانيا دون حرج ولا تأذٍ ، حتى أن الأسبان وفي مدريد

خاصة لا يفرقون بيم المسلمة والخادمة بل يظنون أن كل مسلمة يرونها بين

أظهرهم إنما هي عاملة مهاجرة، أتت لتخدم في البيوت!

لكن إيمانها فجر فيها من دون رفيقاتها معاني العزة بالإسلام والاستعلاء بخُلٌقه

وكون مستخدمتها امرأة تحترم الآخرين ماداموا بعملهم كما ينبغي هون عليها

من هذا الأمر فما دامت غير مهانة فلا بأس بالتنازل عن بعض من كرامتها من أجل

أولادها أن تضمن لهم لقمة شريفة و أمنا وطمأنينة.



جاء أول الشهر ، ذهبت بخطى ثابتة، وجأش قوي إلى المصرف.دفعت الباب و

ألقت التحية ، ولم تنظر لأحد ولم تسمع جوابا من أحد فشعرت بارتياح شديد

وانتظمت في الرتل ولم تستطع السيطرة على نفسها فاختلست نظرة ، لكنها

شعرت بما يشبه الخيبة لم يكن الرجل في مكانه! كان هنالك شرطي آخر!!

صحيح أنها لم تنظر في وجهه نظره تستطيع أن تتعرف إليه ولا تدري كيف

يحدث ذلك.

لماذا شعرت بالخيبة عندما لم تجده في مكانه ؟! إنها المصادفة والمفاجأة ولا

غير لقد ارتاحت تماما بل حمدت الله في ابتهال وشعور عميق بالامتنان.

قالت في نفسها لابد أن الرجل قد نقل من هذا المكان لقد انتهت المتاعب وانتهى الجنون .

أنهت صرف نقودها ولم تأبه إلى الموظف الصغير ولا بغيره وخرجت بتثاقل

وكآبه معتادين على الرغم من فرح كان يملأ جوانبها إنه فرح المؤمن بانتصاره

إنه سرور الروح وهي تنطلق من أسر الذنوب والهوى حتى لو كان مجرد تفكير

وحديث نفس.

إنها تحب أن تربي أولادها لتدخل الجنة مع النبي صلى الله عليه وسلم وهي

تعلم أن المستقبل غامض و مظلم ، ولكن الأمور كلها بيد الله وهو يفعل ما يشاء.

ومن هذا الذي ينظر إليها أو يأبه بها العجوز التي تختفي بين جنبيها تكذب

أعوامها السبعة والعشرين وموت زوجها مزقها وحطمها ووجودها مع أطفال

هي الوحيدة التي تناط بهم مهمة تربيتهم ، وتنشئتهم أفرادا يمكنهم الحياة

بسلام هذه حدثت المسؤولية الجسيمة أنهكتها ، لكنها ما تزال تقاوم ... حدثت

نفسها وهي تبتسم !! كم أنا حمقى؟ شرطي ؟ ونصراني ؟ واسباني؟

صارت تضحك من كل نفسها كيف سمحت لمثل هذا الموضوع أن يحتل تفكيرها.

كانت مسرورة وهي تحدث نفسها هذا الحديث أثناء دخولها مدرسة الأولاد

لاصطحابهم إلى البيت بعد يوم حافل بالهموم والمتاعب.



نام الأولاد باكرا في تلك الليلة الباردة وبدأت تنظيف المنزل وتحضير طعام اليوم

التالي عندما سمعت طرقا خفيفا على الباب! خفق قلبها خفقات مزعجة فمنذ

زمن لم يطرق بابها أحد غير صديقتها وغير جارتها الإسبانية التي ساعدتها في

البحث عن عمل لكنهما لم تطرقا بابها قط في مثل هذه الساعة المتأخرة ! نظرت

في منظار الباب دون أن تتبين أحدا بسبب الظلام ، وهدأ من روعها أنها عندما

نظرت في الساعة لم تجدها قد تجاوزت الثامنة والنصف لكن الشتاء ، والوحدة

والصمت ، وخيلت إليها أن الوقت جد متأخر قالت : من؟

جاءها الصوت عاديا وربما مألوفا: السلام عليكم

اطمأنت للصوت والتحية لبست حجابها وفتحت الباب ورددت من؟

توقفت عن الكلام ! وربما عن التنفس عندما رأته أمامها وجها لوجه !

حسبت أنها ارتاحت من المعاناة لتي أقضت مضجعها ليالي طويلة فإذا به

أمامها أمام منزلها!

إنه هو ... بنظراته العذبة الصادقة ، ووجهه الذي تظن أن نورا بدا يعلوه في تلك

اللحظة بل أكثر من ذلك, لقد اعتراها شعور عجيب نحوه لا تجرؤ على الاعتراف

به ولا معرفته ولا تسميته !.

تسمرت في مكانها وعقدت لسانها الدهشة والمفاجأة وشعر الرجل بحرجها

وارتباكها ، فبادر بإلقاء التحية مرة ثانية ... ولم ينتظر جوابا منها فأردف قائلا:



_ آسف جداُ يا سيدة لأنني تسببت لك في هذا الإزعاج

أنا شرطي المصرف، لقد أسلمت منذ زمن غير قصير وبعد أ، عرفت الشيء

الكافي عنك وعن حياتك من خلال بعض الاخوة في المسجد ... جئت إليك أعرض

عليك أن يعرف كل منا الآخر ، لعل الله يكتب لنا خيرا ونتساعد على تربية

أطفالك سويا!

لأول مرة في حياتها تشعر بأن الأرض قد كفت عن دورانها وأنها في حلم أن

يكون حقيقة!


ارتبك الرجل ثم قال:


آسف جدا فلم أجد أية طريقة أخرى لتقديم هذا العرض!




ثم صمت بانتظار ما تقول!


حملقت في وكأنها لم تسمع مما قاله شيئا، وسرت إليها نسمات باردة ثم مرت

لحظات ثقيلة جدا !

وفي الرجل ينظر إليها على استحياء ، دون أن يقول شيئا هو الآخر ثم شجعه

صمتها على الكلام فقال :



- سيدتي أراك في المسجد غدا إن شاء الله إن أردت ذلك !

ثم ألقى عليها التحية ولم يجد إلا أن يستدير ذاهبا.

ومضى بعد أن ترك في رأسه المتعب بسمته المهذبة، ونور الإسلام الذي يعلو

محياه ، وذكريات المصرف إياه... وما فتئ صوته يتردد في إذنيها أراك في

المسجد غدا ... إن شاء الله ... إن شاء الله....











من كتاب حكايات للكاتبة نوال السبعاوي

أتمنى أن تكون القصة أعجبتكم

تحياتي

عسل


:1b

تفا حه
03-01-2003, 21:07
قصه كتير جميله عسوله وأعجبني إعتزاز هذه المرأة بنفسها وبدينها

ورفضها لكل ماهم غير سوي من اجل حب الله ورسوله وكيف أن منيتقي الله

يجعل له مخرجا فقد بعث الله لها هذا الرجل لكي يساعدها ويساعد أبناءها

على هذه المعيشه التي تعيشها وهذا جزاء من صبر فإن الله لا يضيع أجر هم

وتسلمي عسل وتسلم الأ يادي التي أبدعت في نقل القصه إلنا ;) ;)

عسل
05-01-2003, 09:56
شكرا تفاحة


:)