محمد عبد الجابر
27-09-2005, 21:39
تابع
لكن لأن النصوص عند سفراء الغرب هي التوراة والأناجيل لا القرآن أو بصورة أدق القرآن عندهم هو النصوص الغربية في ظل عملية الإسقاط الدائمة ؛ لذا فقد أصبح التطور هو عقيدتهم وتفسيرهم للوجود والاجتماع بل والخلق في ظل التاريخ الغربي والمناهج الغربية المحشوة في أذهانهم "هم ينكرون عليها حقها في الحرية ويأبون عليها التطور الاجتماعي والسير على قانون النشوء والارتقاء" (أحمد لطفي السيد,المنتخبات,1/228)."أنتِ ثمرة ألف مليون سنة من التطور" (سلامة موسى , المرأة ليست لعبة الرجل,ص7) .بناءً على ذلك كان طبيعياً أن يفسَّر حجاب المرأة وعدم مخالفتها للرجال بأنه أثر من آثار الأمم الوحشية ونتيجة لتطور وظهور نظام العائلة ودخول المرأة فيه ووقوعها بذلك تحت سيطرة الرجل , وهو التفسير الذي ذكره كل مَن تكلم من الرواد عن تحرير المرأة (قاسم أمين , سلامة موسى , إسماعيل مظهر) , وجعلوه محور المسألة ومحطة البداية وإنشاء القضية وتحديد حلها في تشابه وتطابق محير وكأنهم ينقلون واحداً من الآخر أو كأنهم جميعاً ينقلون من مصدر واحد دون أن يذكروه ! .أما هذا المصدر الواحد الذي سرقوا منه جميعاً هذا التفسير الوضعي التطوري الذي جعلوه عقيدة يؤمنون بها وبديهة ينطلقون منها ومحوراً للمسألة كلها - فهو كتاب "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" الصادر عام 1884م لفريدريك إنجلز رفيق ماركس - والذي كان أكثر أمانة من رواد التزوير سفراء الغرب , فذكر أنه استقى تفسيره هذا من أبحاث العالِم الإنكليزي في الأنثروبولوجيا "لويس مورجان" والتي نشرها في كتابه "المجتمع القديم" الذي صدر في لندن عام 1877م وكل ما ذكره قاسم أمين في "المرأة الجديدة" عن مسألة التطور ونشوء العائلة وأصل احتجاب المرأة وكذلك عن مراحل المدنية الأربع وعن الزواج الأخلاقي القائم على التوافق ومساواة المرأة للرجل في الطبقات الدنيا (البروليتاريا) والهوة التي بينهما في الطبقات المتمدنة (البورجوازية) - كل ذلك سرقة من كتاب إنجلز , لفظاً ومعنى وشرحاً تفسيراً واستدلالاً !! .
إذا كانت المرأة على صورتها في المجتمع المسلم هي المرحلة الأدنى في سلم التطور فقد أصبحت الدرجة الأرقى - بداهة - هي المرحلة التي تلت ذلك في سلم التطور الأوروبي .مع ملاحظة أن التطور الغربي كان مسيرة طبيعية تلقائية ولم تحدد فيها درجات السلم إلا لاحقاً بعد استقرار الوضع الجديد في مرحلة التنظير والتفلسف والتفسير , أما الطبعة المزورة فهي سلم "مبرمج" ودرجاته ومحطته النهائية مخططة ومعدة سلفا , وتُدفع إليه المرأة والمجتمع دفعاً وتغير أوضاعها قسراً لقطع هذه الدرجات والوصول للمحطة النهائية (التمدن) .2- اللادينية (العلمنة) والوضعية :"لما كان العلم في أول نشأته .. كانت قوة العلم ضعيفة بجانب قوة الدين فتغلَّب الفقهاء على رجال العلم وزجوا بأنفسهم في المسائل العلمية وانتقدوها .. أخذوا يؤولون الكتاب والأحاديث تأويلات استنبطوا منها أدلة على فساد المذاهب العلمية .. ومازالوا يطغون على رجال العلم ويرمونهم بالزندقة والكفر حتى نفر الكل من دراسة العلم وهجروه" (كل هذا الكلام عن عالم الإسلام لا النصرانية الكنسية !!)
.
"وتوالت الاكتشافات العلمية .. ومن هذه الاكتشافات أخذ الكتاب والفلاسفة ما دعت إليه الحاجة ليعلموا الإنسان من أين أتى وإلى أين يذهب وما هو مستقبله ووضعوا أسس العلوم الأدبية والاجتماعية والسياسية .. التمدن الإسلامي بدأ وانتهى قبل أن يكشف الغطاء عن أصول العلوم" (المرأة الجديدة , ص117-118) .هذا نموذج مثالي على الإسقاط واختلاق تاريخ موهوم لا علاقة له بالتاريخ الحقيقي ولا وجود له إلا في ذهن مؤلفه , فأين في طول التاريخ الإسلامي وفي أي مكان داخل هذا التاريخ اصطدم الفقهاء بعلماء الطبيعة أو كفَّروهم أو رموهم بالزندقة ! هذا كله تاريخ صحيح في حالة واحدة هي نزع "الفقهاء" ووضع "البابوات" مكانها وبعد ذلك فهو نص مثالي لبيان كيف يعيد السفير الغربي إخراج المناهج والتاريخ الغربي محمولة على ساحة قضية التحرير .إن اللادينية (العلمنة) على الجانب الغربي هي إحلال العلم - في نموذجه الطبيعي - محل النص والإله في تفسير كل ما يحيط ويتصل بالإنسان وبناء عالم تحكمه مناهج العلم الطبيعي وبقوانين مثل قوانينه , وهو المعنى الذي أنتجه انتصار العلماء في صراعهم مع الكنيسة وكشف العلم الطبيعي لزيف النصوص (لاحظ أن كلمة "علمنة" الغربية تعني أصلاً "الانفصال عن الكنيسة" و"العلمانية" هي كل ما هو منفصل عن الكنيسة والرؤية اللاهوتية) .وبالتاريخ الغربي الذي يختزنه السفير في رأسه وبالذهن الغربي الذي يرى أن العلم الطبيعي هو الإله الجديد وتطبيق مناهجه على كل العلوم وقضايا الحياة الأخرى هو مطمعه للوصول فيها إلى نفس نتائج العلم الطبيعي - يصبح الربط بين قضية المرأة وبين العلم الطبيعي والتمرد على الفقهاء (البابوات) أمراً مفهوماً ويكون الدليل على أن حجاب المرأة هو من آثار العصور المتوحشة وأن التحرير هو في صورة المرأة الغربية المتمدنة التي يجب إقناع المجتمع قسراً بها أنه "يصعب على العقل أن يظن أن علماءهم الذين يجهدون أنفسهم كل يوم في اكتشاف أسرار الطبيعة , وأن هؤلاء الذين بحثوا عن الميكروبات ووجدوها وبينوا أنواعها ووصفوها بأدق أوصافها وربوها واستولدوها - غفلوا عن هذه العادة وأهملوها (المرأة الجديدة , ص142).فالمسألة الحقيقية والقضية الأصلية التي تتدسس وتتسرب في قضية التحرير هي "كون المرأة تتعلم أو لا تتعلم وتعيش مسجونة في البيت أو متمتعة بحريتها , وتخالط الرجال أو لا تخالطهم وما هي حقيقة الزواج والطلاق وماذا يكون شأنها في العائلة وفي الأمة فهذه أولاً مسألة اجتماعية فهي بذلك مسألة علمية" (أي الحكم فيها يكون للعلم الوضعي لا للحكم الشرعي) (المرأة الجديدة , ص144) .فرسالة السفير الغربي هي إخراج المسألة وكل المسائل الاجتماعية برمتها من كونها مسائل شرعية تعالَج في ضوء القرآن وأحكامه (النص عنده) - إلى مسألة وضعية تعالَج بالقوانين والنظريات التفسيرية الوضعية التي بُنيت ويغذيها العلم والأحكام العقلية في انفصال عن الشرع ورؤيته وتفسيره وأحكامه وعلمه الشامل المحيط .
فما يقوله السفير الغربي هو لب المنهج الوضعي الغربي الذي قام للتفسير والتشريع كبديل للنص الذي أطيح به في المجتمع الغربي وفي استقلال تام عنه .وأدل على إيمان المزور الرائد بالمذهب الوضعي الاجتماعي هو أنه حبذ نظام الزواج الذي يحلل الاجتماع بين الرجل والمرأة لا لكونه أمراً شرعياً أو حكماً قرآنياً ولكن لأنه أمر اقتضاه نظام العشيرة وكمال النفس الإنسانية (تحرير المرأة , ص110) , فكأنه جعل الزواج علاقة تواضع عليها البشر ونشأت مع العشيرة لا بالوضع الإلهي , وهو عين التفسير الغربي الوضعي لنشأة الزواج .المسألة هي أن السفراء الغربيين قد أصبح عندهم "العلم الحديث هو إنجيل الحضارة الحديثة" (إسماعيل مظهر , المرأة في عصر الديمقراطية , ص193) , "فالعلم الصحيح - أي العلم الاختباري - دين أيضاً" ! (شبلي شميل , النسائيات , ص176) .ومن هنا يمكن فهم لماذا ارتبطت قضية التحرير بالنخب الغربية (سفراء الغرب لدينا) باللادينية ومهاجمة "رجال الدين" ومن يريدون العودة بالمرأة إلى "القرون الوسطى" وبالربط بين سفور المرأة و"الحرية" و"عصر العلم" إلى آخر هذه المفردات التي يستدعونها من سجل المعركة بين عصر التنوير الغربي والكنيسة بسهولة شديدة ؛ لأنها كلها مزيج واحد تكوَّن وامتزج في البوتقة الغربية على نار التاريخ والصراعات الغربية .
3- التراكم ونسبية الأخــلاق والشرائــع :
والنسبية خصوصاً في بداية اختلاق القضية ووضعها على بداية المسار الغربي لا تتبدَّى في النتائج والآثار بقدر تبدّيها في المنهج وطريقة التفكير التي هي المقصود الأصلي المحمول على قضية المرأة ويتم تسريبه من خلالها , هذه النسبية هي توأم فكرة التطور , وهما معاً خرجا من رحم سقوط المرجعية الثابتة وعصمة النص في الغرب .أصبح الإنسان - وحده بالعلم والعقل والتجريب - هو الذي يضع القوانين والتشريعات ويحدد الأخلاق الفاضلة (النافعة) والسيئة (الضارة) , والإنسان عقله وعلمه وتجاربه في تراكم دائم يؤدي إلى تغيُّر ما يأتي به من نتائج وآثار .والسفير الغربي يعلم تماماً أن ما وصل إليه المجتمع الغربي هو نتائج تراكمية لم تحدث دفعة واحدة (المرأة الجديدة , ص1) .ولأن القضية الموهومة قد دُفعت قسراً في الطريق الغربي كان المطلوب هو إحداث آثار ونتائج أولية يتم بها تحويل القضية الموهومة - في صورتها التي وُضعت فيها - إلى قضية واقعية ثم تحريكها وقد نتجت عنها حلول وآثار أياً كانت درجتها .فتصبح الخطوة الأولى في الطريق التراكمي هي مجرد جعل القضية الوهمية قضية حقيقية وما نتج عن هذا التحريك من أثر أو حل يصبح بداية بخطوة جديدة , وهكذا دون حد أقصى ولا سقف ؛ لأن المسألة كلها تسير في طريق تطوري يحكم مسيرتها فيه العلم والعقل والتجربة لا الشرائع الثابتة , حتى وإن اتفقا بالضرورة في الخطوة
الأولى .فالمزور الأول بدأ في "تحرير المرأة" الخطوة الأولى , فلا يفوت القارئ البصير أن في رأسه نتيجة محددة سلفاً يريد الوصول إليها ولكنه يجزئها وتقسيمها إلى نتائج متوالدة وآثار متراكمة , لذلك يحرص في كل مطلب يطلبه أن يضع كلمة "الآن" , التي تعني الاكتفاء بهذا الحد في المطلب وقت مطالبته به إلى آن آخر "ربما يتوهم ناظر أنني أرى (الآن) رفع الحجاب بالمرة .. إنني لا أقصد رفع الحجاب (الآن) دفعة واحدة والنساء على ما هن عليه اليوم .. وإنما أطلب (الآن) ولا أتردد في الطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي" (تحرير المرأة .. مواضع متفرقة) .وبالمسار والطريق الذي وضع المزور الأول القضية على أعتابه وبالاتجاه الذي دفعها فيه الخطوة الأولى - أصبحت نسبية الأوضاع وتراكم النتائج نهجاً ثابتاً لمسألة المرأة , فمن المطالبة برفع الحجاب إلى منع الحجاب ومن سفور الوجه إلى العري الفاضح ؛ لأن العري كان عيباً في الماضي , أما "الآن" فلم يعد عيباً - كما قال د.عبد القادر القط -في اجتماع اتحاد الكُتَّاب (المصري) لمناقشة مصادرة كتاب "النبي" للشاعر الراحل جبران خليل جبران , ومن المطالبة بالمساواة في التعليم إلى المطالبة بالمساواة في الميراث , وفي المطالبة بحريتها في الدخول والخروج والتنزُّه إلى المطالبة بحريتها في السفر وقضاء السنوات الطوال منفردة , وافق زوجها أو لم يوافق ! , وفي المطالبة بتقييد حق الرجل في التعدد إلى المطالبة بحقها هي في التعدد ثم حقها في أن يكون لها الصديق الذي ترتضيه !! , والذي أصبح موجوداً بالفعل في جامعاتنا التي أصبح مألوفاً فيها أن تخاصم طالبة "العلم" زميلتها ؛ لأنها تعاكس البوي فرند الذي يخصها!!.
4- زمنية ونسبية الشريعة :مع نسبية الأخلاق والقوانين والتشريعات تم تدشين نسبية الشريعة وزمنية الوحي القرآني , إذ هما وجهان متلازمان تلازُم وجهي العُملة , وهذا هو أحد أركان النظرية الوضعية الاجتماعية والقانونية التي نتجت في الغرب من سقوط النصوص - التوراة والأناجيل - إن التشريع بالرؤية اللاهوتية مرحلة تاريخية ناسبت عصرها وأدت غرضها وانتهت .فما خدع به البعض أن سفير الغرب بدأ في "تحرير المرأة" بإثبات أنه يريد إزالة ما علق بالشرع من عادات دخيلة وإعادة أوضاع المرأة إلى أوضاعها الشرعية الأصلية .
لكن الحقيقة أنه كان يؤكد على شرعية ما يدعو إليه ليضمن تحريك المسألة الخطوة الأولى ليتجاوزها بعد ذلك , فالشريعة تُستخدم - وما زالت تستخدم - كمرحلة تمهيدية تؤدي طبيعة المسار الغربي الذي تحرك فيه القضية إلى تجاوزها بعد ذلك ؛ لأنها لن تسعفه بعد ذلك ولن تصل معه إلى الصورة المحددة سلفاً التي يراد الوصول إليها . مثلاً بدأ السفير دعوته في تحرير المرأة تحت غطاء الشريعة بمنطق "إننا نطلب تخفيف الحجاب ورده إلى أحكام الشريعة الإسلامية , لا لأننا نميل إلى تقليد الأمم الغربية في جميع أطوارها وعوائدها à فإننا نتمسك بعوائدنا الإسلامية ونحترمها , وإنما نطلب ذلك لأننا نعتقد أن لرد الحجاب إلى أصله الشرعي مدخلاً عظيماً في حياتنا" (تحرير المرأة , ص92-93) .فالمسألة بدأت من الشريعة وبها ولها لا لتقليد الغرب أو وضعه كنموذج يراد الوصول إليه لتصبح في الخطوة التالية "هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوروبيين ونشيد بتقليدهم وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوروبية" (المرأة الجديدة , ص126) .وبعد أن كان البدء من الشريعة والاحتكام إليها أصبحت نقطة البدء هي صورة المرأة الغربية المتمدنة وهي أيضاً محطة النهاية التي يجب أن تصل إليها المرأة المسلمة , وما بينهما هو طريق التقليد الذي ينبغي علينا أن نسير فيه . وبعد أن كانت الشريعة هي المحرك والدافع وهي المقصد أرجعت خطوة إلى الوراء مثلاً لتُستخدم كغطاء تبريري , إلا أنها - ولو كغطاء - ما زالت موجودة (رسالة رشيد رضا مثلاً) ثم حدث ما حتمه الطريق واتجاه السير انتقلت الشريعة من كونها غطاءً للاستتار به والحركة في حمايته إلى تحويلها لتاريخ ورؤية زمنية تجاوزها التطور.
فبعد خمسين عاماً من خطوتي المحرر الأول اللتين تحدد بهما الاتجاه والهدف وصلنا إلى "اعتبرت الشريعة المرأة نصف إنسان , فشهادة امرأتين بشهادة رجل ونصيب الرجل في الميراث بنصيب امرأتين , كان ذلك طفرة في العصر الذي نزلت فيه الشريعة الإسلامية بل إنه أكثر من طفرة à غير أن 15 قرناً من الزمان كافية في الواقع لأن تهيئ العقلية الإنسانية إلى خطوات أخرى في التشريع للمرأة" (إسماعيل مظهر , المرأة في عصر الديمقراطية , ص136-137) , ثم تصل الشريعة - بعد نصف قرن آخر - إلى أن تصبح هي الظلامية والرجعية والقرون الوسطى و"الجاهلية الأولى التي يريدون إعادتنا إليها" . (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة:49] .ما أريد أن أوجزه هو أن المسألة لم تكن أبداً المرأة ولا قضيتها ولا تحريرها , إنما القضية هي أن مسألة المرأة ساحة وميدان صراع بين عالمين ورؤيتين للوجود كله , رؤية جاء بها الإسلام ويحملها أبناؤه ورؤية كوّنها الغرب ويصدّرها إلينا عبر سفرائه .رؤية عقيدتها (لا إله إلا الله) , خلق الإنسان , والعلم والعقل هبة له , ولا يعلوان عليه - سبحانه - ورؤية وقودها (لا إله إلا العلم) والعقل , وما يأتي به الإنسان ! .[/size]
مع حبى لكم جمعيا yoyo
الرسالة الاصلية كتبت بواسطة yoyo
[email]msm51130@yahoo.com[/email
لكن لأن النصوص عند سفراء الغرب هي التوراة والأناجيل لا القرآن أو بصورة أدق القرآن عندهم هو النصوص الغربية في ظل عملية الإسقاط الدائمة ؛ لذا فقد أصبح التطور هو عقيدتهم وتفسيرهم للوجود والاجتماع بل والخلق في ظل التاريخ الغربي والمناهج الغربية المحشوة في أذهانهم "هم ينكرون عليها حقها في الحرية ويأبون عليها التطور الاجتماعي والسير على قانون النشوء والارتقاء" (أحمد لطفي السيد,المنتخبات,1/228)."أنتِ ثمرة ألف مليون سنة من التطور" (سلامة موسى , المرأة ليست لعبة الرجل,ص7) .بناءً على ذلك كان طبيعياً أن يفسَّر حجاب المرأة وعدم مخالفتها للرجال بأنه أثر من آثار الأمم الوحشية ونتيجة لتطور وظهور نظام العائلة ودخول المرأة فيه ووقوعها بذلك تحت سيطرة الرجل , وهو التفسير الذي ذكره كل مَن تكلم من الرواد عن تحرير المرأة (قاسم أمين , سلامة موسى , إسماعيل مظهر) , وجعلوه محور المسألة ومحطة البداية وإنشاء القضية وتحديد حلها في تشابه وتطابق محير وكأنهم ينقلون واحداً من الآخر أو كأنهم جميعاً ينقلون من مصدر واحد دون أن يذكروه ! .أما هذا المصدر الواحد الذي سرقوا منه جميعاً هذا التفسير الوضعي التطوري الذي جعلوه عقيدة يؤمنون بها وبديهة ينطلقون منها ومحوراً للمسألة كلها - فهو كتاب "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" الصادر عام 1884م لفريدريك إنجلز رفيق ماركس - والذي كان أكثر أمانة من رواد التزوير سفراء الغرب , فذكر أنه استقى تفسيره هذا من أبحاث العالِم الإنكليزي في الأنثروبولوجيا "لويس مورجان" والتي نشرها في كتابه "المجتمع القديم" الذي صدر في لندن عام 1877م وكل ما ذكره قاسم أمين في "المرأة الجديدة" عن مسألة التطور ونشوء العائلة وأصل احتجاب المرأة وكذلك عن مراحل المدنية الأربع وعن الزواج الأخلاقي القائم على التوافق ومساواة المرأة للرجل في الطبقات الدنيا (البروليتاريا) والهوة التي بينهما في الطبقات المتمدنة (البورجوازية) - كل ذلك سرقة من كتاب إنجلز , لفظاً ومعنى وشرحاً تفسيراً واستدلالاً !! .
إذا كانت المرأة على صورتها في المجتمع المسلم هي المرحلة الأدنى في سلم التطور فقد أصبحت الدرجة الأرقى - بداهة - هي المرحلة التي تلت ذلك في سلم التطور الأوروبي .مع ملاحظة أن التطور الغربي كان مسيرة طبيعية تلقائية ولم تحدد فيها درجات السلم إلا لاحقاً بعد استقرار الوضع الجديد في مرحلة التنظير والتفلسف والتفسير , أما الطبعة المزورة فهي سلم "مبرمج" ودرجاته ومحطته النهائية مخططة ومعدة سلفا , وتُدفع إليه المرأة والمجتمع دفعاً وتغير أوضاعها قسراً لقطع هذه الدرجات والوصول للمحطة النهائية (التمدن) .2- اللادينية (العلمنة) والوضعية :"لما كان العلم في أول نشأته .. كانت قوة العلم ضعيفة بجانب قوة الدين فتغلَّب الفقهاء على رجال العلم وزجوا بأنفسهم في المسائل العلمية وانتقدوها .. أخذوا يؤولون الكتاب والأحاديث تأويلات استنبطوا منها أدلة على فساد المذاهب العلمية .. ومازالوا يطغون على رجال العلم ويرمونهم بالزندقة والكفر حتى نفر الكل من دراسة العلم وهجروه" (كل هذا الكلام عن عالم الإسلام لا النصرانية الكنسية !!)
.
"وتوالت الاكتشافات العلمية .. ومن هذه الاكتشافات أخذ الكتاب والفلاسفة ما دعت إليه الحاجة ليعلموا الإنسان من أين أتى وإلى أين يذهب وما هو مستقبله ووضعوا أسس العلوم الأدبية والاجتماعية والسياسية .. التمدن الإسلامي بدأ وانتهى قبل أن يكشف الغطاء عن أصول العلوم" (المرأة الجديدة , ص117-118) .هذا نموذج مثالي على الإسقاط واختلاق تاريخ موهوم لا علاقة له بالتاريخ الحقيقي ولا وجود له إلا في ذهن مؤلفه , فأين في طول التاريخ الإسلامي وفي أي مكان داخل هذا التاريخ اصطدم الفقهاء بعلماء الطبيعة أو كفَّروهم أو رموهم بالزندقة ! هذا كله تاريخ صحيح في حالة واحدة هي نزع "الفقهاء" ووضع "البابوات" مكانها وبعد ذلك فهو نص مثالي لبيان كيف يعيد السفير الغربي إخراج المناهج والتاريخ الغربي محمولة على ساحة قضية التحرير .إن اللادينية (العلمنة) على الجانب الغربي هي إحلال العلم - في نموذجه الطبيعي - محل النص والإله في تفسير كل ما يحيط ويتصل بالإنسان وبناء عالم تحكمه مناهج العلم الطبيعي وبقوانين مثل قوانينه , وهو المعنى الذي أنتجه انتصار العلماء في صراعهم مع الكنيسة وكشف العلم الطبيعي لزيف النصوص (لاحظ أن كلمة "علمنة" الغربية تعني أصلاً "الانفصال عن الكنيسة" و"العلمانية" هي كل ما هو منفصل عن الكنيسة والرؤية اللاهوتية) .وبالتاريخ الغربي الذي يختزنه السفير في رأسه وبالذهن الغربي الذي يرى أن العلم الطبيعي هو الإله الجديد وتطبيق مناهجه على كل العلوم وقضايا الحياة الأخرى هو مطمعه للوصول فيها إلى نفس نتائج العلم الطبيعي - يصبح الربط بين قضية المرأة وبين العلم الطبيعي والتمرد على الفقهاء (البابوات) أمراً مفهوماً ويكون الدليل على أن حجاب المرأة هو من آثار العصور المتوحشة وأن التحرير هو في صورة المرأة الغربية المتمدنة التي يجب إقناع المجتمع قسراً بها أنه "يصعب على العقل أن يظن أن علماءهم الذين يجهدون أنفسهم كل يوم في اكتشاف أسرار الطبيعة , وأن هؤلاء الذين بحثوا عن الميكروبات ووجدوها وبينوا أنواعها ووصفوها بأدق أوصافها وربوها واستولدوها - غفلوا عن هذه العادة وأهملوها (المرأة الجديدة , ص142).فالمسألة الحقيقية والقضية الأصلية التي تتدسس وتتسرب في قضية التحرير هي "كون المرأة تتعلم أو لا تتعلم وتعيش مسجونة في البيت أو متمتعة بحريتها , وتخالط الرجال أو لا تخالطهم وما هي حقيقة الزواج والطلاق وماذا يكون شأنها في العائلة وفي الأمة فهذه أولاً مسألة اجتماعية فهي بذلك مسألة علمية" (أي الحكم فيها يكون للعلم الوضعي لا للحكم الشرعي) (المرأة الجديدة , ص144) .فرسالة السفير الغربي هي إخراج المسألة وكل المسائل الاجتماعية برمتها من كونها مسائل شرعية تعالَج في ضوء القرآن وأحكامه (النص عنده) - إلى مسألة وضعية تعالَج بالقوانين والنظريات التفسيرية الوضعية التي بُنيت ويغذيها العلم والأحكام العقلية في انفصال عن الشرع ورؤيته وتفسيره وأحكامه وعلمه الشامل المحيط .
فما يقوله السفير الغربي هو لب المنهج الوضعي الغربي الذي قام للتفسير والتشريع كبديل للنص الذي أطيح به في المجتمع الغربي وفي استقلال تام عنه .وأدل على إيمان المزور الرائد بالمذهب الوضعي الاجتماعي هو أنه حبذ نظام الزواج الذي يحلل الاجتماع بين الرجل والمرأة لا لكونه أمراً شرعياً أو حكماً قرآنياً ولكن لأنه أمر اقتضاه نظام العشيرة وكمال النفس الإنسانية (تحرير المرأة , ص110) , فكأنه جعل الزواج علاقة تواضع عليها البشر ونشأت مع العشيرة لا بالوضع الإلهي , وهو عين التفسير الغربي الوضعي لنشأة الزواج .المسألة هي أن السفراء الغربيين قد أصبح عندهم "العلم الحديث هو إنجيل الحضارة الحديثة" (إسماعيل مظهر , المرأة في عصر الديمقراطية , ص193) , "فالعلم الصحيح - أي العلم الاختباري - دين أيضاً" ! (شبلي شميل , النسائيات , ص176) .ومن هنا يمكن فهم لماذا ارتبطت قضية التحرير بالنخب الغربية (سفراء الغرب لدينا) باللادينية ومهاجمة "رجال الدين" ومن يريدون العودة بالمرأة إلى "القرون الوسطى" وبالربط بين سفور المرأة و"الحرية" و"عصر العلم" إلى آخر هذه المفردات التي يستدعونها من سجل المعركة بين عصر التنوير الغربي والكنيسة بسهولة شديدة ؛ لأنها كلها مزيج واحد تكوَّن وامتزج في البوتقة الغربية على نار التاريخ والصراعات الغربية .
3- التراكم ونسبية الأخــلاق والشرائــع :
والنسبية خصوصاً في بداية اختلاق القضية ووضعها على بداية المسار الغربي لا تتبدَّى في النتائج والآثار بقدر تبدّيها في المنهج وطريقة التفكير التي هي المقصود الأصلي المحمول على قضية المرأة ويتم تسريبه من خلالها , هذه النسبية هي توأم فكرة التطور , وهما معاً خرجا من رحم سقوط المرجعية الثابتة وعصمة النص في الغرب .أصبح الإنسان - وحده بالعلم والعقل والتجريب - هو الذي يضع القوانين والتشريعات ويحدد الأخلاق الفاضلة (النافعة) والسيئة (الضارة) , والإنسان عقله وعلمه وتجاربه في تراكم دائم يؤدي إلى تغيُّر ما يأتي به من نتائج وآثار .والسفير الغربي يعلم تماماً أن ما وصل إليه المجتمع الغربي هو نتائج تراكمية لم تحدث دفعة واحدة (المرأة الجديدة , ص1) .ولأن القضية الموهومة قد دُفعت قسراً في الطريق الغربي كان المطلوب هو إحداث آثار ونتائج أولية يتم بها تحويل القضية الموهومة - في صورتها التي وُضعت فيها - إلى قضية واقعية ثم تحريكها وقد نتجت عنها حلول وآثار أياً كانت درجتها .فتصبح الخطوة الأولى في الطريق التراكمي هي مجرد جعل القضية الوهمية قضية حقيقية وما نتج عن هذا التحريك من أثر أو حل يصبح بداية بخطوة جديدة , وهكذا دون حد أقصى ولا سقف ؛ لأن المسألة كلها تسير في طريق تطوري يحكم مسيرتها فيه العلم والعقل والتجربة لا الشرائع الثابتة , حتى وإن اتفقا بالضرورة في الخطوة
الأولى .فالمزور الأول بدأ في "تحرير المرأة" الخطوة الأولى , فلا يفوت القارئ البصير أن في رأسه نتيجة محددة سلفاً يريد الوصول إليها ولكنه يجزئها وتقسيمها إلى نتائج متوالدة وآثار متراكمة , لذلك يحرص في كل مطلب يطلبه أن يضع كلمة "الآن" , التي تعني الاكتفاء بهذا الحد في المطلب وقت مطالبته به إلى آن آخر "ربما يتوهم ناظر أنني أرى (الآن) رفع الحجاب بالمرة .. إنني لا أقصد رفع الحجاب (الآن) دفعة واحدة والنساء على ما هن عليه اليوم .. وإنما أطلب (الآن) ولا أتردد في الطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي" (تحرير المرأة .. مواضع متفرقة) .وبالمسار والطريق الذي وضع المزور الأول القضية على أعتابه وبالاتجاه الذي دفعها فيه الخطوة الأولى - أصبحت نسبية الأوضاع وتراكم النتائج نهجاً ثابتاً لمسألة المرأة , فمن المطالبة برفع الحجاب إلى منع الحجاب ومن سفور الوجه إلى العري الفاضح ؛ لأن العري كان عيباً في الماضي , أما "الآن" فلم يعد عيباً - كما قال د.عبد القادر القط -في اجتماع اتحاد الكُتَّاب (المصري) لمناقشة مصادرة كتاب "النبي" للشاعر الراحل جبران خليل جبران , ومن المطالبة بالمساواة في التعليم إلى المطالبة بالمساواة في الميراث , وفي المطالبة بحريتها في الدخول والخروج والتنزُّه إلى المطالبة بحريتها في السفر وقضاء السنوات الطوال منفردة , وافق زوجها أو لم يوافق ! , وفي المطالبة بتقييد حق الرجل في التعدد إلى المطالبة بحقها هي في التعدد ثم حقها في أن يكون لها الصديق الذي ترتضيه !! , والذي أصبح موجوداً بالفعل في جامعاتنا التي أصبح مألوفاً فيها أن تخاصم طالبة "العلم" زميلتها ؛ لأنها تعاكس البوي فرند الذي يخصها!!.
4- زمنية ونسبية الشريعة :مع نسبية الأخلاق والقوانين والتشريعات تم تدشين نسبية الشريعة وزمنية الوحي القرآني , إذ هما وجهان متلازمان تلازُم وجهي العُملة , وهذا هو أحد أركان النظرية الوضعية الاجتماعية والقانونية التي نتجت في الغرب من سقوط النصوص - التوراة والأناجيل - إن التشريع بالرؤية اللاهوتية مرحلة تاريخية ناسبت عصرها وأدت غرضها وانتهت .فما خدع به البعض أن سفير الغرب بدأ في "تحرير المرأة" بإثبات أنه يريد إزالة ما علق بالشرع من عادات دخيلة وإعادة أوضاع المرأة إلى أوضاعها الشرعية الأصلية .
لكن الحقيقة أنه كان يؤكد على شرعية ما يدعو إليه ليضمن تحريك المسألة الخطوة الأولى ليتجاوزها بعد ذلك , فالشريعة تُستخدم - وما زالت تستخدم - كمرحلة تمهيدية تؤدي طبيعة المسار الغربي الذي تحرك فيه القضية إلى تجاوزها بعد ذلك ؛ لأنها لن تسعفه بعد ذلك ولن تصل معه إلى الصورة المحددة سلفاً التي يراد الوصول إليها . مثلاً بدأ السفير دعوته في تحرير المرأة تحت غطاء الشريعة بمنطق "إننا نطلب تخفيف الحجاب ورده إلى أحكام الشريعة الإسلامية , لا لأننا نميل إلى تقليد الأمم الغربية في جميع أطوارها وعوائدها à فإننا نتمسك بعوائدنا الإسلامية ونحترمها , وإنما نطلب ذلك لأننا نعتقد أن لرد الحجاب إلى أصله الشرعي مدخلاً عظيماً في حياتنا" (تحرير المرأة , ص92-93) .فالمسألة بدأت من الشريعة وبها ولها لا لتقليد الغرب أو وضعه كنموذج يراد الوصول إليه لتصبح في الخطوة التالية "هذا هو الذي جعلنا نضرب الأمثال بالأوروبيين ونشيد بتقليدهم وحملنا على أن نستلفت الأنظار إلى المرأة الأوروبية" (المرأة الجديدة , ص126) .وبعد أن كان البدء من الشريعة والاحتكام إليها أصبحت نقطة البدء هي صورة المرأة الغربية المتمدنة وهي أيضاً محطة النهاية التي يجب أن تصل إليها المرأة المسلمة , وما بينهما هو طريق التقليد الذي ينبغي علينا أن نسير فيه . وبعد أن كانت الشريعة هي المحرك والدافع وهي المقصد أرجعت خطوة إلى الوراء مثلاً لتُستخدم كغطاء تبريري , إلا أنها - ولو كغطاء - ما زالت موجودة (رسالة رشيد رضا مثلاً) ثم حدث ما حتمه الطريق واتجاه السير انتقلت الشريعة من كونها غطاءً للاستتار به والحركة في حمايته إلى تحويلها لتاريخ ورؤية زمنية تجاوزها التطور.
فبعد خمسين عاماً من خطوتي المحرر الأول اللتين تحدد بهما الاتجاه والهدف وصلنا إلى "اعتبرت الشريعة المرأة نصف إنسان , فشهادة امرأتين بشهادة رجل ونصيب الرجل في الميراث بنصيب امرأتين , كان ذلك طفرة في العصر الذي نزلت فيه الشريعة الإسلامية بل إنه أكثر من طفرة à غير أن 15 قرناً من الزمان كافية في الواقع لأن تهيئ العقلية الإنسانية إلى خطوات أخرى في التشريع للمرأة" (إسماعيل مظهر , المرأة في عصر الديمقراطية , ص136-137) , ثم تصل الشريعة - بعد نصف قرن آخر - إلى أن تصبح هي الظلامية والرجعية والقرون الوسطى و"الجاهلية الأولى التي يريدون إعادتنا إليها" . (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [المائدة:49] .ما أريد أن أوجزه هو أن المسألة لم تكن أبداً المرأة ولا قضيتها ولا تحريرها , إنما القضية هي أن مسألة المرأة ساحة وميدان صراع بين عالمين ورؤيتين للوجود كله , رؤية جاء بها الإسلام ويحملها أبناؤه ورؤية كوّنها الغرب ويصدّرها إلينا عبر سفرائه .رؤية عقيدتها (لا إله إلا الله) , خلق الإنسان , والعلم والعقل هبة له , ولا يعلوان عليه - سبحانه - ورؤية وقودها (لا إله إلا العلم) والعقل , وما يأتي به الإنسان ! .[/size]
مع حبى لكم جمعيا yoyo
الرسالة الاصلية كتبت بواسطة yoyo
[email]msm51130@yahoo.com[/email