المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحرير المراة.


محمد عبد الجابر
27-09-2005, 21:38
[size=3]yoyo :1b
إن قضية تحرير المرأة - كما عرفها المجتمع الإنساني المعاصر - شديدة الارتباط بتاريخ الغرب وعقائده وتطور رُؤَاه وكانت وليدة التمرد على النصوص المزيفة والتعاليم المنسوبة للإله زوراً وما تحمله من رؤية للوجود والإنسانية رجلاً وامرأة . فالتحرير على الجانب الغربي ثمرة تتدلَّى من فرع تفرع من أصل عميق الجذور في العالم الغربي - الحضارة اليهودية النصرانية - والشجرة التي أعطت هذا الفرع وهذه الثمرة وتغذيها هي التي أنبتت غيرها من الفروع والثمار التي تلتقي كلها في الأصل الواحد وتغتذي من التربة الواحدة .
فإذا انتقلنا إلى الجانب المسلم للبحث عن استعباد المرأة الذي تصبح القضية تحريرها منه - فلن نجد لها فرعاً ولا أصلاً ولا جذراً ولا أرضاً تنبت منها .وإنما تحرير المرأة في الشكل الذي أثيرت ووضعت فيه هو ثمرة نزعت من الفرع الذي تتدلى منه من الشجرة الغربية دون أصلها وجذورها وأعيد زرعها في تربة إسلامية ليست بالتي تقبلها ولا بالتي تغذيها .لذلك يتم تغذيتها دوماً - وباستمرار - من أصلها الغربي الذي لو انقطع مدده عنها لسقطت الثمرة , ومات الفرع من فوره , وهذا ما يفسر ارتباط قضية التحرير النسائي المزعومة بباقي فروع الشجرة الغربية وثمارها وما يفسر عدم قابليتها للنمو ولا الازدهار , بل مقابلتها بفتور ونفور في تربة فكرية اجتماعية إسلامية .
البدايات :
هبط الغرب على عالم الإسلام بجيوشه وجحافله وهو يعلم تمام العلم من دروس الحرب الصليبية ألا سبيل لتطويع هذا العالم ومحوه بالعسكرة والسلاح وفي تخطيطه أن هذه ليست إلا رأس جسر لدخول جحافل المنصِّرين الكنسيين واللادينيين - في توافق نادر بين الجهتين - لتكون مهمة هذه الجحافل هي تطويع هذا العلم المستعصي الشديد الرسوخ الشديد الثقة والإيمان بما عنده حتى وهو في أشد حالات ضعفه .تطويع هذا العالم من رأسه بتكوين رأس بديل أكثر ليونة ومرونة وأقل صلابة وعناداً , أقل ثقة وإيماناً وأكثر انبهاراً , رأس يتكون من عقول غربية في جماجم شرقية تقود جسم العالم الإسلامي - شاء أم أبى - في اتجاه الغرب وتُلحِقه به .وأقام الغرب تحت سطوة عساكره وعملائه - المدارس التي تدرس لغته وتاريخه وثقافته وتفصل من يتعلم فيها عن المصدر الذي يكتسب منه أبناء هذا العالم الغريب الصلابة والقوة ومجابهة أي دخيل عليه بثقة وعزيمة مَن يعرف أن عنده ما إن رجع إليه وتمسك به فلن يُهزم أبداً مهما كانت جحافل مَن يواجهه (وكانت المقاومة الصلبة العنيفة للحملة الفرنسية الصليبية النابُليونية في مجتمع كان يظنه - حين قدومه - شبه ميت صدمة مروعة أعادت تأكيد استحالة تطويع هذا العالم بالعسكرة والسلاح)
.
وبعد أن يخرج ابن المدارس الغربية غربياً في هيئة عربي تفتح له جامعات الغرب أبوابها ليعود منها سفيراً لها , يفكر بعقل الغرب الذي تكوَّن بلغة الغرب وثقافته وتاريخه ويرى رؤاه ويعيش بعاداته ويرى ويحكم على كل شيء - علاقات ومجتمعات وسياسات - من خلال عينين عليهما منظار ينمّط كل شيء ويصبغه تلقائياً بصبغة الغرب , فيفكرون بعقله , ويرون بعيونه .فهؤلاء السفراء الغربيون حاملو أسماء المسلمين "يعرفون عن تاريخ إنكلترا وفرنسا أضعاف ما يعرفون عن تاريخ المسلمين أو العرب .. وهم يعرفون عن تاريخ الكنيسة الأوروبية وما بين مذاهبها من خلاف أكثر مما يعرفون عن تاريخ الفقه الإسلامي .. وهم يعرفون أعلام الفكر الأوروبي وشعراءه ولا يعرفون من أعلام الحضارة الإسلامية والعربية إلا قليلاً (الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر , د.محمد محمد حسين , 1/239).هؤلاء السفراء تصبح مهمتهم - تلقائياً - هي تحويل المجتمعات العربية الإسلامية التي قدِموا إليها إلى صورة من المجتمعات الغربية التي قدموا منها , وفي ظل الدماغ الغربي والنفسية الغربية , حيث يرون ويحكمون من خلالهما - تصبح المجتمعات العربية الإسلامية هي مجتمعات غربية في طورها المتخلف (الذي علموا تاريخه وتفاصيله) السابق للصورة التي رأوا فيها الغرب وعاشوا وتعلموا في جامعاته (طور المدنية والتقدم) .إذاً فرسالتهم المقدسة هي نقل هذه المجتمعات من هذه المرحلة المتخلفة التي هي نفسها المرحلة المتخلفة التي مر بها الغرب إلى المرحلة المتقدمة المتمدنة التي تليها , والتي هي حينئذ صورة مطبوعة في أذهانهم ستصل إليها هذه المجتمعات إليها عبر جهودهم كما وصل الغرب , إذ المدنية كما وضع تعريفها ووصفها وصفاتها الغرب - تسير في اتجاه واحد تتطور فيه من مرحلة إلى أخرى .فمسألة المرأة وباقي فروع الشجرة لكي يتم شتلها وإعادة زرعها لتصبح قضية تحتاج إلى حل هم يملكونه - تمر بمرحلتين :
المرحلة الأولى : اختراع القضية أو إعادة إنتاجها في الصورة الغربية:وإعادة إنتاج القضية يتم عبر عدة عمليات متتابعة ومترتبة إحداها على الأخرى في ذهن السفير الغربي ولا يظهر منها في النهاية إلا الجزء المرئي القابل للظهور وهو القضية نفسها :
1- الإسقاط :فالسفير الغربي لأنه غربي يعلم تماماً أوضاع المرأة في الغرب والمراحل التي مرت بها وكيف كانت محبوسة مستعبدة (حقيقة لا مجازاً) وليس لها أهلية ولا كيان ولا تعد إنساناً أصلاً إذا عُدت إنساناً متجوزاً (راجع ما ذكره قاسم أمين عن أوضاع المرأة في المجتمعات القديمة - الغربية - بكتابه "المرأة الجديدة" , ص13 , وأيضاً ما ذكره عن مسألة ما إذا كانت المرأة إنساناً أم لا والتي ناقشها مجمع ماكون عام 583م) .يقوم السفير بإسقاط ما يعلمه - وما هو مخزون في ذهنه عن المجتمع الغربي القديم - على المجتمع المسلم الذي وفد إليه من الغرب , فيرى في هذا المجتمع المسلم صورة حية من المجتمع الذي هدمه الغرب الجديد وقام على أنقاضه , في تجاهل تام للرؤية والأصول التي كانت أوضاع المرأة إفرازاً لها , سواء في الغرب القديم أو الجديد .
2- إعادة التفسير وخلق واقع وهميبعد إسقاط صورة المجتمع الغربي - الذي هُدم - على المجتمع المسلم يعاد رؤية وتفسير كل الأوضاع والجزئيات في ضوء هذا الإسقاط ومن خلال الصورة - المرشح - الغربية ويصبح كل شيء في المجتمع المسلم أو علاقة أو سلوك اجتماعي هو طبعة موهومة في ذهن السفير من الطبعة الأصلية التي يرى من خلالها .فمثلاً ينظر السفير إلى المرأة , فيراها محجبة , ولا تختلط بالرجال أو يرى زوجها يحرص على مرافقتها أو يغار عليها أن يحادثها غيره من الرجال فينتقل من هذه السلوكيات والأوضاع إلى مثيلاتها الغربية القديمة ثم يعود بتفسيرها الغربي إلى الأوضاع الإسلامية التي بدأت بها حركة ذهنه ويقوم بتركيب التفسير الذي عاد به عليها فتصبح المسألة أن الرجل يخاف من المرأة ولا يأتمنها وهو غير مطمئن إليها وهو يجدها لأنه لا يثق فيها مخافة أن تلوث شرفه وعرضه (المرأة الجديدة , ص48) , فإعادة التفسير عملية ذهنية غير مرتبطة بالواقع الحقيقي ولكنها مرتبطة بالمعنى الذي يحمله هذا الواقع في صورته الغربية في ذهن السفير .وهو ما يجعل الواقع الذي يعالجه وينتقده واقعاً موهوماً ؛ لأن السفير وهو يركب التفسير الذي جاء به ذهنه من الواقع الغربي على الواقع الإسلامي - يفكك جزئياته ويعيد ضمها ونظمها وتركيبها ويضع عليها من "الرتوش" والزيادات اللاصقة بذهنه من الواقع الغربي ما يجعله نسخة من هذا الواقع الغربي والذي يطمح إلى تغييره ويرى نفسه من خلاله فولتير وديدرو وروسو ! .أما التفسير الحقيقي للواقع الحقيقي الذي لا يراه - وإنما يرى صورة موهومة منه - فلن يرد على عقله أبداً , إذ كيف يمكن للابس منظار أزرق لا يدري أنه يلبَسه أن يدرك أن ما يراه ليس هو الأشياء على حقيقتها ولكنها لأشياء موهومة وملونة بالمنظار الذي على عينيه .ويمكن إدراك مدى وهم الواقع الذي يخلقه (يختلقه) السفير الغربي في ذهنه والتفسير الذي يفسر به هذا الواقع الموهوم إذا علمنا كيف أن باحثة راهبة غربية تمكنت بالمقارنة ومن خلال وعي يقظ وإدراك سليم وفهم عميق لأصول القضية (على الجانب الغربي على الأقل) - تمكنت من تخليص الواقع الإسلامي من الواقع الغربي وتفسير كل منهما التفسير الصحيح في إطار الفصل التام بين الواقعين والرؤيتين والتاريخين , فكارين أرمسترونغ الراهبة الغربية أدركت ورأت ما لم يستطع إدراكه ورؤيته كل "المحررين" المزورين في بلاد الإسلام , وهو أن رجال الغرب النصراني حين حبسوا نساءهم ومنعوهن من مخالطة الرجال ووضعوهن في غرف منعزلة في جوف البيوت إنما فعلوا ذلك لأنهم يكرهونهن ويخافونهن ولا يأمنون لهن ويرون الخطيئة والغواية كامنة فيهن , فهم يخرجونهن من الحياة بهذا الحبس إلى خارجها أو هامشها بينما حجز المسلمون نساءهم في البيوت ولم يخرجوهن إلى الشوارع تقديراً لهن ولأنهم يعتبرون زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم حرماً خاصاً وذاتاً مصونة وجواهر مقدسة يصونونهن ويحملون عنهن عبء الامتهان في الأسواق والطرق , وأكبر دلالة وأكثر طرافة في تأكيد اختلاف هذا الواقع الموهوم بإعادة التفسير بالرتوش والإضافات والزوائد الغربية التي يلحقها السفير بالواقع الحقيقي داخل ذهنه هو السفير نفسه , فسفير الغرب الذي رأى المرأة في الواقع الموهوم داخل عقله "مغمورة في شؤون ليس لها في ميله - زوجها - نصيب حتى أنها في الأمور التي هي من عملها وترى أنها خلقت لأجلها لا يرى منها زوجها ما يروق نظره ؛ فأكثر النساء لم يتعودن تسريح شعورهن كل يوم ولا الاستحمام أكثر من مرة في الأسبوع ولا يعرفن استعمال السواك ولا يعتنين بما يلي البدن من الملابس (!!)" (تحرير المرأة , ص57) . وهذه المرأة المنفرة القذرة هي التي كان يراها - قبل دخول عامل حفاز أخرج كل أثار الغرب فيه - أقرب شكلاً إلى العادية منها إلى الجميلة ولكنها تتميز بوجه عام وخصوصاً في نضارة الشباب بجمال ممتاز يذكر في انسجام الأعضاء وقوة الجسم - وأنه حقيقة مقتنعة بمنظر ترتاح له العين عندما نراها تمشي معتدلة صدرها إلى الأمام وخصر ملفوف وعيون يشع منها السحر والشيء الملحوظ فيها بصفة خاصة هو عيون سوداء واسعة فيها نعومة جذابة كأنها عيون الملائكة , وفيها تعبير يفهمه الإنسان قبل أن تتكلم (المصريون , ص68) فأي الصورتين الواقع وأيها الوهم أم هو واقع حوّله إلى صورة موهومة في ذهنه؟.
3- التوصيف والتصنيف :بعد التفسير المزيف للواقع الوهمي الذي يخلقه السفير الغربي في ذهنه يبدأ في استخلاص نتائج هذا التفسير وبلورتها في ظل عملية الإسقاط المستمرة ليصف ما أصبح موجوداً ومستقراً في عقله ويكون توصيفه هذا هو عنوان القضية التي اخترعها في ذهنه. فالمرأة لا تخالط الرجال وترتدي الحجاب وتفسير ذلك كراهية الرجل لها وخوفه منها والخلاصة أن المرأة مستعبَدة مقيدة فاقدة الحرية ناقصة المدنية موضوعة في منزلة أدنى من الرجل وتحت سيطرته المطلقة .ثم تأخذ القضية شكلها النهائي من خلال تصنيف المرحلة التي هذه هي أوصافها وتحديد موقعها من التاريخ الذي هو حلقات متراكمة في ذهنه .فالمرأة مستعبَدة ناقصة الحرية والمدنية وأدنى من الرجل وهذا يصنف المرأة ويضعها في مرحلة ما قبل المدنية والتقدم التي هي المرحلة التي عايشها ولابسها السفير في الغرب .
ومن ثم تصبح رسالته المقدسة ودوره الطبيعي في ظل هذا الإنتاج للقضية في صورة أصلها الغربي - هي حل القضية بتسييرها قسراً في نفس الطريق الذي سارت فيه الطبعة الأصلية الحقيقية والوصول إلى نفس النتائج والصورة التي وصلت إليها والتي تكون حينئذ صورة ونتائج سابقة التجهيز معروفة سلفاً ومحددة القسمات والملامح ولن تكون المرأة القديمة جديدة إلا إذا بلغتها .وبذلك تصبح القضية داءً ليس له من دواء إلا أن نربي أولادنا على أن يعرفوا شئون المدنية الغربية ويقفوا على أصولها وفروعها وآثارها (المرأة الجديدة , ص125) .
المرحلة الثانية : إعادة إنتاج لكل ما هو غربي :لأن المسألة خضعت لعمليات تفسيرية وذهنية وصلت بها إلى أن أصبحت عند السفير صورة من القضية في طبعتها الأصيلة الحقيقية ومن ثم المرحلة التي تمر بها هذه الصورة هي نفس المرحلة من الطريق الذي كان يسير فيه الغرب فالحل البَدَهَي هو دفعها في هذا الطريق لتصل إلى المرحلة التالية والتي وصل إليها الغرب بالفعل .وتحديد الطريق واتجاه السير والهدف حدد الوسائل , فأصبحت قضية تحرير المرأة المسلمة ساحة يعاد فيها امتصاص وإفراز وإنتاج كل مناهج الغرب ونظرياته ورؤيته للوجود التي تكونت بالتراكم وصارت هي تاريخه وواقعه .فأصبح التحرير ذا وجهين , وكلاهما غربي :الأول : هو الصورة النهائية الغربية التي يجب إيصال المرأة والمجتمع كله إليها
.
والثاني : هو الوسائل والمناهج والعمليات التاريخية والرؤى الغربية التي يراد إيصال المرأة للصورة الغربية من خلالها:
1- التطور :
التطور هو الوصف التاريخي لما مر به الغرب وصار إليه وهو المفهوم الذي يعيد السفراء تفسير القضية من خلال وتحديد المرحلة التي هي فيها والمرحلة التي يجب دفعها إليها .الغرب - في ظل سقوط النص والكنيسة - وضع الإنسان مسيرته وتاريخه محل النص في تفسير كل ما يتصل بالإنسان فرداً أو جماعة , وذلك بافتراض سُلَّم تطوري تأتي فيه كل درجة أرقى من سابقة لها أدنى في ميزان العقل وأسبق منها زمنياً وأصبح التفسير التطوري لكل شيء هو العقيدة الجديدة للغرب التي لا يمكنه التخلي عنها ؛ لأنه لا بديل لها .وهكذا تم تفسير أصل الإنسان وأصل المجتمعات ومسيرتها وأصل العقائد وتطورها والأخلاق وتكونها في ضوء أنها جميعاً عمليات وضعية متراكمة بدأت بالصورة الدنيا ثم تطورت حلقة فحلقة حتى وصلت إلى صورتها الغربية المتمدنة .ومما صبغه التفسير التطوري - الذي صبغ كل شيء في الغرب - المرأة ومنشأ أوضاعها وكيفية استعبادها (على الجانب الغربي) الذي تطور إلى تحريرها في المرحلة اللاحقة .هذا التفسير التطوري الذي نما وازدهر على أنقاض النصوص التوراتية الإنجيلية في الغرب لا محل له في عالم الإسلام على الإطلاق في ظل التفسير القرآني للخلق والوجود ومسيرة البشر على الأرض إلا بعد مناطحة الطود القرآني المعصوم الراسخ الذي تندق أعناق من يناطحونه .

تابع
:1b :1b :1b