Salamat
24-08-2005, 22:49
أكلات تتنازع عليها الشعوب
لمن تعود «ملكية» الحمص والفلافل والكباب؟
تعالوا لنرى
شرح دانيل استرين، من جامعة بن غوريون في صحراء النقب، انه بعد تأسيس اسرائيل في 1948، اشتهرت ابو غوش، في ضواحي القدس بالحمص. وقال ان الاسرائيليين الليبراليين، الذين كانوا يريدون كسب العرب، خلطوا بين ذلك وأكل حمص ابو غوش. وبعد نصف قرن، اشتهرت شركة «تزابار» الاسرائيلية بصناعة وتصدير الحمص، لكنها لم تنس مصدره، ولهذا صنعت نوعا خاصا سمته «حمص ابو غوش». وفي نقاش في جريدة «هآرتس» الاسرائيلية عن اول من عرف الحمص، قال مدير الشركة: «نحن تبنينا طعام اولاد اعمامنا. تاريخ الحمص مرتبط بتاريخ ارض اسرائيل او فلسطين او سمها ما شئت. نعم سمك «جفلت» يهودي، جاء الى هنا مع اليهود من شرق اوروبا، لكن الحمص كان هنا، في ارض كنعان، عندما جاء اليها النبي ابراهيم».
لكن علاء هلال، كاتب ومخرج افلام في حيفا، قال ان «الاسرائيليين يحاولون احتقار المسلمين ليكون الحمص ملكا لهم، ناسين جذوره الثقافية. انهم يذهبون الى بائع الحمص ويشترون منه الحمص، ويحاولون التلطف معه، لكنهم لا يسألونه عن آرائه السياسية فيهم». اما جوان ناثان، مؤلفة كتاب «اطعمة اسرائيل اليوم»، بعد ان اعتبرت الحمص اسرائيليا، اضافت اليه الفلافل، وقالت انها «طعام من ايام التوراة. انها من هذه الارض التي تعود الى ايام ابراهيم، ولم يسرقها اليهود من احد». لكن كلوديا رودين، يهودية ولدت في مصر، والفت كتاب «الطعام اليهودي»، وكتبا اخرى، قالت ان الفلافل لم تكن يهودية في الماضي، لكن يهود مصر وسورية اكلوها عندما كانوا هناك. واشارت موسوعة «كيبديا»، الى الجدل حول اصل «كباب الشية» او «الكباب المشوي»، وقالت ان اكثر من شعب يدعي انه اول من عرفه. يسميه الاتراك «سيس كباب»، وفي المانيا يسمى «دونر كباب»، وفي اميركا يسمي «شيش كباب»، وهو عادة، من لحم الضأن او البقر. وفي المانيا واميركا يستخدم لحم الخنزير، ايضا، المحرم على المسلمين. و«دونر كباب» معناها «اللحم الذي يدور» (على شواية رأسية). واليونانيون يعدونه بطريقة مماثلة، ويسمونه «سوفلاكي»، او «كلاماكي». وفي اميركا يسمى «جيروز». بينما يسمى «شاورمة» في سورية ولبنان والاردن، وبلاد عربية اخرى.
ويدعي الايرانيون، انهم اول من عرفه، ويقولون انه «اكل ملوك الفرس المفضل، ولم يكن عامة الناس يأكلونه الا في عيد النوروز». ويسميه الايرانيون «شيلو كباب»، ويأكلونه مع الارز بالزعفران. بينما يفضل الباكستانيون اسم «برياني كباب»، عندما يضيفون اليه الارز، ويفضلون لحم الدجاج على لحم الضأن والبقر. واضاف الاميركيون، مؤخرا، «كباب الديك الرومي» و «كباب الخضروات» و«كباب التوفي» (المصنوع من فول الصويا). ويعتقد ان اول من كتب عن «الكباب» هو ابن سيار الوراق، مؤلف «كتاب الطبيخ»، في بغداد، في القرن العاشر الميلادي، وسماه «كباب خالص»، اشارة الى اختيار احسن انواع اللحوم له. قالت ثلما برايارشتاين، خبيرة الطعام الكندية، ومؤلفة كتاب «انت تأكل ما انت»، ان المصريين اول من خبزوا الخبز وصنعوا البيرة، والعراقيين اول من آلفوا الضان، واللبنانيين اول من عصروا الزيتون وخمروا العنب، والصينيين اول من زرعوا الارز. والهنود الحمر، قبل اكتشاف اميركا، اول من زرعوا الذرة والبطاطس والطماطم والشطة والتبغ.
وذكر كتاب «تاريخ القهوة»، الذي اصدرته شركة «ستارباك»، ان الاثيوبيين، قبل الف سنة، عرفوا البن، وكانوا يطحنونه ويأكلونه وكانوا، ايضا، يصنعون منه خمرا. لكن اليمنيين هم اول من حمصوه وطحنوه وصنعوا منه القهوة. ولم يعرف الغربيون القهوة الا قبل خمسمائة سنة. وقال مصدر آخر ان يهوديا تركيا صنع اول قهوة عربية في اكسفورد في بريطانيا، في 1650، وسماها «المكلا»، اشارة الى ميناء اليمن الذي صدرت منه. وقالت شركة «ستارباك»، التي بدأت من مقهي في «بايك ماركت»، في مدينة سياتل الاميركية، في 1971، ان مديرها، هوارد شولتز، خطط توسعاتها العالمية الحالية حتى اصبح لها اليوم اكثر من 1500 فرع في ثلاثين دولة. واذا فتحت «ستارباك» فرعا في اليمن، تكون القهوة دارت دورة كاملة بعد خمسمائة سنة. مثلما دارت «البيتزا» الايطالية، التي نقلها المهاجرون الايطاليون الى اميركا، دورة كاملة، بعد ثلاثمائة سنة، عندما فتحت شركة «بيتزا هت» الاميركية اول فرع في ايطاليا قبل عشر سنوات.
الخطوة الاولى في تاريخ الطعام كانت تخصص كل بلد او منطقة، بسبب عوامل جغرافية وتاريخية، في نوع معين من انواع الطعام. والخطوة الثانية كانت انتقال هذه الانواع من بلد الى آخر، مع موجات المكتشفين والمهاجرين والمحاربين.
ولخص هذا التاريخ جون كيتز، الشاعر البريطاني في القرن الثامن عشر، عندما قال في قصيدة عن تمتع حبيبته بكل انواع الراحة والترف «واحضر لها تفاحا وخبزا وتمرا من فاس وسمرقند وارز لبنان». وكتب افلاطون، فيلسوف القرن الخامس قبل الميلاد في اليونان، عن حفلات النبيذ والجبنة هناك، وسماها «سمبوسيوم«، لكن الاسم تحول اليوم واصبح معناه «حلقات دراسية». واول من كتب عن الطعام خارج اوروبا كان هيرودوتس، «ابو التاريخ اليوناني»، في القرن الخامس قبل الميلاد. وصف خبز وفول وتمر وبيرة المصريين، ووصف لبن وعنب وخمر الفرس. وقال فيليب ارمستو، مؤلف كتاب «قرب ألف مائدة: تاريخ الطعام»، ان «سيادة المسلمين في العلوم والطب (عندما كانت اوروبا في القرون الوسطي) شملت، ايضا، السيادة في «علوم الطعام»، مثل زراعة المحاصيل والفواكه، لأن طبخ الطعام مثل الكيمياء، يحول اللحوم والنباتات الى متعة ورفاهية».
قال ان فردريك الثاني، امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة، الذي اشترك في الحروب الصليبية، وحكم القدس لفترة قصيرة، نقل الى اوروبا الشي في العراء. وان بيتر الاول، امبراطور الباستيلا، قبيل سقوط الخلافة الاسلامية في الاندلس، فصل طباخيه المسيحيين، وفضل عليهم الطباخين المسلمين، الذين حماهم ضد موجة كراهية المسلمين في ذلك الوقت.
وانه، في القرن العاشر، ظهر في بغداد مجلد «طباخ بغداد» عن كيفية «تقطيع اللحم الى قطع فاتحة وغامقة، ورصها مثل قطع ذهبية الى جانب قطع فضية». وبعد ذلك بثلاثمائة سنة ظهر كتاب عبد اللطيف البغدادي عن «قدرة المصريين على طبخ الدجاج والفراخ باللوز والفستق والبندق».
ولأكثر من خمسمائة سنة جمع الاتراك، ثم نشروا، مختلف انواع اطعمة الشعوب التي حكموها. وقال كتاب «تاريخ الطعام»، ان مطبخ قصر توكابي كان اكبر مطبخ في التاريخ وعمل فيه، في فترة معينة، 1370 طباخا. وكانت تنقل اليه كل يوم، شحنات من البلح والاجاص من مصر، والعسل من رومانيا، وزيت الزيتون من اليونان، والزبدة من ساحل البحر الاسود، داخل جلود الابقار، ومائة رأس ضأن، ومائة حمل، بالاضافة الى اربعة ابقار لطعام الخصيان».
وصل الروس الارثوذكس، في القرن التاسع عشر، الى آسيا الوسطى، بعد ان هزموا الاتراك والفرس في الجنوب، وبعد ان كانوا هزموا الاسكندنافيين في الشمال، واصبح سوق طشقند مثل سوق اسطنبول، خليطا من طعام الشرق والغرب، فيه مثلا، الملفوف والخس من بحر البلطيق، وبهارات الكاري من الهند. وخلال نفس الفترة، كان الاميركيون يتوسعون نحو الغرب والجنوب الغربي، ونقلوا اليهما الارز والقمح والشعير، وعادوا بالشطة والفول الاسود والفول الاحمر والفول الاسمر.
وخلال نفس الفترة، كان الاسبان يتوسعون في اميركا الجنوبية، ونقلوا اليها طعام الاندلس العربي، مثل القهوة وارز «الباييا»، وزيت الزيتون والزعفران. ونقل البريطانيون «البيفستيك» الى الهند ومصر، ونقل الفرنسيون «الكسروله» الى ساحل العاج والجزائر، ونقل الهولنديون صلصة «الهولانديز» الى اندونيسيا. ثم هاجر ابناء المستعمرات السابقة الى عواصم الدول التي استعمرتهم، وفتحوا في لندن مطاعم الكاري والفول المصري، وفي باريس مطاعم الكسكس، وفي امستردام مطاعم «الساتي» الاندونيسي.
وهجرت هولندا اندونيسيين الى جنوب افريقيا، للمساعدة في بناء خطوط السكة الحديدية، فنقلوا معهم الارز المطبوخ في صلصة جوزة الهند (كوكونت)، وعرف هناك بانه «ارز رمضان»، لأن الاندونيسيين كانوا يفطرون به في رمضان. ومنذ القرن الماضي بدأ الاميركيون، الذين جمعوا اطعمة الشرق والغرب، يعيدون توزيعها شرقا وغربا، بفضل الافلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، وبفضل شركات «كوكا كولا» و«ماكدونالد»، وبفضل الجنود الاميركيين الذين وزعوا الشوكولاته، وطبخوا الهامبورغر في المانيا وايطاليا واليابان وكوريا وفيتنام والكويت وافغانستان والعراق.
ورغم انتقال انواع الطعام من بلد الى آخر عبر التاريخ، يحتفظ كل شعب بهوية غذائية تميزه عن غيره. ولا تخفي شعوب هرولتها نحو اطعمة شعوب اخرى، ولا تخفي شعوب تقززها من اطعمة شعوب اخرى.
وخلال الحربين العالميتين، الاولى والثانية، تقزز الجنود الاميركيون، الذين حرروا فرنسا من احتلال المانيا من الامعاء المحشية والضفادع المقلية التي وجدوا الفرنسيين يفضلونها. واستغرب الفرنسيون لقطع لحم البقر «ستيك» العملاقة المشوية التي شاهدوا الاميركيين يأكلونها بدون بهارات وبدون زبدة وبدون صلصة نبيذ. واستغربوا اكثر للاميركيين الذين يأكلون «رير ستيك»، الذي لا يطبخ طبخا كاملا، ويكاد الدم يسيل منه. لكن الجنود الاميركيين عادوا من فرنسا بالبطاطس المقلية، «فرنش فرايز». والاسم اشارة الى شرائح البطاطس التي تقلى بالطريقة الفرنسية. وقبل سنتين، عندما عارضت فرنسا التدخل الاميركي في العراق، غضب بعض اعضاء الكونغرس، وغيروا اسم «فرنش فرايز» الى «فريدوم فرايز» (بطاطس الحرية)، رغم ان الحرية ليست طريقة لقلي البطاطس. ولم يهتم كثير من الفرنسيين بما قال اعضاء الكونغرس. ولم يفهم الفرنسيون الصلة بين البطاطس المقلية وغزو العراق. وثانيا، يعرفون ان الاميركيين لا يحبون طعامهم. وثالثا، كما قال كتاب «تاريخ الطعام»، «يعتقدون ان الاميركيين يحتاجون الى تحليل نفسي». ورابعا، «يغضبون لأن البرابرة (اميركيين وغير اميركيين) لا يريدون الاعتراف باستعلاء الطعام الفرنسي على غيره». لكن البريطانيين، مثل الاميركيين، لا يعترفون بهذا «الاستعلاء». منذ ايام جون ويلموت، شاعر القرن السادس عشر الساخر، وصديق الملك تشارلز الثاني، الذي قال: «لسنا من الذين يحبون طعام الفرنسيين المنمق، و«الراغو» (طبيخ لحم)، و«الفريكاس« (طبيخ لحم آخر)، والشمبانيا». اشاد بالطعام البريطاني، وقال: «سهولنا تملأها الثيران، وبطوننا يملأها لحم الثيران».
ورغم ان كتاب «تاريخ الطعام» اكد ان المصريين اول من خبزوا الخبز وخمروا البيرة، شكك في مصرية «الكشري»، وقال ان الجنود البريطانيين، ايام استعمار بريطانيا لمصر والهند، نقلوه من الهند، حيث كان يسمى «كتشري». قال كتاب «انت تأكل ما انت» ان اليهود يعتبرون انهم اول من عرف اللبن والعسل، لأن التوراة اشارت الى الاثنين (في سفر الخروج). لكن اليونانيين يقولون ان العسل كان طعام آلهتهم على جبل اولمبيا، وكان يسمى «امبروسا». ويقول الرومان ان آلهتهم عرفت العسل، وان «ميلونا» كانت ملكة النحل، وان «بريجيد» كانت تسكر بالنحل المخمر، وان النحل بنى معبد «ابولو». اذا كانت ارض كنعان (التى امتدت من صيدا الى غزة الى نهر الاردن) اول من عرف العسل، يقدر العرب على ان يقولوا انهم اول من عرفه، ايضا. وفي الجانب الآخر، ما دامت الاكتشافات الاثرية في مصر وجدت ان الفراعنة اول من عرفوا الفول المدمس والطعمية، يقدر اليهود على ان يقولوا انهم عرفوه، ايضا، عندما كانوا في مصر، قبل الخروج منها.
ويعتقد ان البرغل سوري الاصل، وان الخضروات المحشية تركية الاصل، وان العدس سوري الاصل (عرف قبل الميلاد بسبعة الاف سنة، في حفريات اثرية في تل المريبط على نهر الفرات، قبل الفي سنة من وجوده مع آثار الفرعون رمسيس في طيبة، في مصر). وان التفاح كازاخستاني الاصل (عرف هناك قبل الميلاد بثمانية آلاف سنة، رغم انه عرف في ارض كنعان بعد ذلك بالفي سنة). وان الفستق لبناني الاصل (عرف هناك قبل الميلاد بسبعة آلاف سنة).
وكان يعتقد ان البطيخ آسيوي الاصل، حتى اكتشف الاسكوتلندي ديفيد ليفنغستون، في القرن التاسع عشر، بطيخا بدائيا وسط احراش افريقيا. وكان يعتقد ان الثوم مصري او صيني الاصل (منذ خمسة آلاف سنة)، حتى اكتشف، في القرن الماضي، ثوم بدائي في كازاخستان وأوزبكستان.
ورغم ان اللبن قديم قدم الحيوانات الاليفة، يعتقد ان اهل كازاخستان هم اول من خمره لاستخراج اللبنة والزبادي، رغم ان قدور «المش» اكتشفت وسط آثار الفراعنة. وربما لن يقتنع الفرنسيون بأن نبيذ «حاجي فيروز» في ايران هو اول نبيذ اكتشف، قبل سبعة آلاف سنة، حتى قبل ان يعرفه الفراعنة والأغريق والفينيقيون.
لمن تعود «ملكية» الحمص والفلافل والكباب؟
تعالوا لنرى
شرح دانيل استرين، من جامعة بن غوريون في صحراء النقب، انه بعد تأسيس اسرائيل في 1948، اشتهرت ابو غوش، في ضواحي القدس بالحمص. وقال ان الاسرائيليين الليبراليين، الذين كانوا يريدون كسب العرب، خلطوا بين ذلك وأكل حمص ابو غوش. وبعد نصف قرن، اشتهرت شركة «تزابار» الاسرائيلية بصناعة وتصدير الحمص، لكنها لم تنس مصدره، ولهذا صنعت نوعا خاصا سمته «حمص ابو غوش». وفي نقاش في جريدة «هآرتس» الاسرائيلية عن اول من عرف الحمص، قال مدير الشركة: «نحن تبنينا طعام اولاد اعمامنا. تاريخ الحمص مرتبط بتاريخ ارض اسرائيل او فلسطين او سمها ما شئت. نعم سمك «جفلت» يهودي، جاء الى هنا مع اليهود من شرق اوروبا، لكن الحمص كان هنا، في ارض كنعان، عندما جاء اليها النبي ابراهيم».
لكن علاء هلال، كاتب ومخرج افلام في حيفا، قال ان «الاسرائيليين يحاولون احتقار المسلمين ليكون الحمص ملكا لهم، ناسين جذوره الثقافية. انهم يذهبون الى بائع الحمص ويشترون منه الحمص، ويحاولون التلطف معه، لكنهم لا يسألونه عن آرائه السياسية فيهم». اما جوان ناثان، مؤلفة كتاب «اطعمة اسرائيل اليوم»، بعد ان اعتبرت الحمص اسرائيليا، اضافت اليه الفلافل، وقالت انها «طعام من ايام التوراة. انها من هذه الارض التي تعود الى ايام ابراهيم، ولم يسرقها اليهود من احد». لكن كلوديا رودين، يهودية ولدت في مصر، والفت كتاب «الطعام اليهودي»، وكتبا اخرى، قالت ان الفلافل لم تكن يهودية في الماضي، لكن يهود مصر وسورية اكلوها عندما كانوا هناك. واشارت موسوعة «كيبديا»، الى الجدل حول اصل «كباب الشية» او «الكباب المشوي»، وقالت ان اكثر من شعب يدعي انه اول من عرفه. يسميه الاتراك «سيس كباب»، وفي المانيا يسمى «دونر كباب»، وفي اميركا يسمي «شيش كباب»، وهو عادة، من لحم الضأن او البقر. وفي المانيا واميركا يستخدم لحم الخنزير، ايضا، المحرم على المسلمين. و«دونر كباب» معناها «اللحم الذي يدور» (على شواية رأسية). واليونانيون يعدونه بطريقة مماثلة، ويسمونه «سوفلاكي»، او «كلاماكي». وفي اميركا يسمى «جيروز». بينما يسمى «شاورمة» في سورية ولبنان والاردن، وبلاد عربية اخرى.
ويدعي الايرانيون، انهم اول من عرفه، ويقولون انه «اكل ملوك الفرس المفضل، ولم يكن عامة الناس يأكلونه الا في عيد النوروز». ويسميه الايرانيون «شيلو كباب»، ويأكلونه مع الارز بالزعفران. بينما يفضل الباكستانيون اسم «برياني كباب»، عندما يضيفون اليه الارز، ويفضلون لحم الدجاج على لحم الضأن والبقر. واضاف الاميركيون، مؤخرا، «كباب الديك الرومي» و «كباب الخضروات» و«كباب التوفي» (المصنوع من فول الصويا). ويعتقد ان اول من كتب عن «الكباب» هو ابن سيار الوراق، مؤلف «كتاب الطبيخ»، في بغداد، في القرن العاشر الميلادي، وسماه «كباب خالص»، اشارة الى اختيار احسن انواع اللحوم له. قالت ثلما برايارشتاين، خبيرة الطعام الكندية، ومؤلفة كتاب «انت تأكل ما انت»، ان المصريين اول من خبزوا الخبز وصنعوا البيرة، والعراقيين اول من آلفوا الضان، واللبنانيين اول من عصروا الزيتون وخمروا العنب، والصينيين اول من زرعوا الارز. والهنود الحمر، قبل اكتشاف اميركا، اول من زرعوا الذرة والبطاطس والطماطم والشطة والتبغ.
وذكر كتاب «تاريخ القهوة»، الذي اصدرته شركة «ستارباك»، ان الاثيوبيين، قبل الف سنة، عرفوا البن، وكانوا يطحنونه ويأكلونه وكانوا، ايضا، يصنعون منه خمرا. لكن اليمنيين هم اول من حمصوه وطحنوه وصنعوا منه القهوة. ولم يعرف الغربيون القهوة الا قبل خمسمائة سنة. وقال مصدر آخر ان يهوديا تركيا صنع اول قهوة عربية في اكسفورد في بريطانيا، في 1650، وسماها «المكلا»، اشارة الى ميناء اليمن الذي صدرت منه. وقالت شركة «ستارباك»، التي بدأت من مقهي في «بايك ماركت»، في مدينة سياتل الاميركية، في 1971، ان مديرها، هوارد شولتز، خطط توسعاتها العالمية الحالية حتى اصبح لها اليوم اكثر من 1500 فرع في ثلاثين دولة. واذا فتحت «ستارباك» فرعا في اليمن، تكون القهوة دارت دورة كاملة بعد خمسمائة سنة. مثلما دارت «البيتزا» الايطالية، التي نقلها المهاجرون الايطاليون الى اميركا، دورة كاملة، بعد ثلاثمائة سنة، عندما فتحت شركة «بيتزا هت» الاميركية اول فرع في ايطاليا قبل عشر سنوات.
الخطوة الاولى في تاريخ الطعام كانت تخصص كل بلد او منطقة، بسبب عوامل جغرافية وتاريخية، في نوع معين من انواع الطعام. والخطوة الثانية كانت انتقال هذه الانواع من بلد الى آخر، مع موجات المكتشفين والمهاجرين والمحاربين.
ولخص هذا التاريخ جون كيتز، الشاعر البريطاني في القرن الثامن عشر، عندما قال في قصيدة عن تمتع حبيبته بكل انواع الراحة والترف «واحضر لها تفاحا وخبزا وتمرا من فاس وسمرقند وارز لبنان». وكتب افلاطون، فيلسوف القرن الخامس قبل الميلاد في اليونان، عن حفلات النبيذ والجبنة هناك، وسماها «سمبوسيوم«، لكن الاسم تحول اليوم واصبح معناه «حلقات دراسية». واول من كتب عن الطعام خارج اوروبا كان هيرودوتس، «ابو التاريخ اليوناني»، في القرن الخامس قبل الميلاد. وصف خبز وفول وتمر وبيرة المصريين، ووصف لبن وعنب وخمر الفرس. وقال فيليب ارمستو، مؤلف كتاب «قرب ألف مائدة: تاريخ الطعام»، ان «سيادة المسلمين في العلوم والطب (عندما كانت اوروبا في القرون الوسطي) شملت، ايضا، السيادة في «علوم الطعام»، مثل زراعة المحاصيل والفواكه، لأن طبخ الطعام مثل الكيمياء، يحول اللحوم والنباتات الى متعة ورفاهية».
قال ان فردريك الثاني، امبراطور الامبراطورية الرومانية المقدسة، الذي اشترك في الحروب الصليبية، وحكم القدس لفترة قصيرة، نقل الى اوروبا الشي في العراء. وان بيتر الاول، امبراطور الباستيلا، قبيل سقوط الخلافة الاسلامية في الاندلس، فصل طباخيه المسيحيين، وفضل عليهم الطباخين المسلمين، الذين حماهم ضد موجة كراهية المسلمين في ذلك الوقت.
وانه، في القرن العاشر، ظهر في بغداد مجلد «طباخ بغداد» عن كيفية «تقطيع اللحم الى قطع فاتحة وغامقة، ورصها مثل قطع ذهبية الى جانب قطع فضية». وبعد ذلك بثلاثمائة سنة ظهر كتاب عبد اللطيف البغدادي عن «قدرة المصريين على طبخ الدجاج والفراخ باللوز والفستق والبندق».
ولأكثر من خمسمائة سنة جمع الاتراك، ثم نشروا، مختلف انواع اطعمة الشعوب التي حكموها. وقال كتاب «تاريخ الطعام»، ان مطبخ قصر توكابي كان اكبر مطبخ في التاريخ وعمل فيه، في فترة معينة، 1370 طباخا. وكانت تنقل اليه كل يوم، شحنات من البلح والاجاص من مصر، والعسل من رومانيا، وزيت الزيتون من اليونان، والزبدة من ساحل البحر الاسود، داخل جلود الابقار، ومائة رأس ضأن، ومائة حمل، بالاضافة الى اربعة ابقار لطعام الخصيان».
وصل الروس الارثوذكس، في القرن التاسع عشر، الى آسيا الوسطى، بعد ان هزموا الاتراك والفرس في الجنوب، وبعد ان كانوا هزموا الاسكندنافيين في الشمال، واصبح سوق طشقند مثل سوق اسطنبول، خليطا من طعام الشرق والغرب، فيه مثلا، الملفوف والخس من بحر البلطيق، وبهارات الكاري من الهند. وخلال نفس الفترة، كان الاميركيون يتوسعون نحو الغرب والجنوب الغربي، ونقلوا اليهما الارز والقمح والشعير، وعادوا بالشطة والفول الاسود والفول الاحمر والفول الاسمر.
وخلال نفس الفترة، كان الاسبان يتوسعون في اميركا الجنوبية، ونقلوا اليها طعام الاندلس العربي، مثل القهوة وارز «الباييا»، وزيت الزيتون والزعفران. ونقل البريطانيون «البيفستيك» الى الهند ومصر، ونقل الفرنسيون «الكسروله» الى ساحل العاج والجزائر، ونقل الهولنديون صلصة «الهولانديز» الى اندونيسيا. ثم هاجر ابناء المستعمرات السابقة الى عواصم الدول التي استعمرتهم، وفتحوا في لندن مطاعم الكاري والفول المصري، وفي باريس مطاعم الكسكس، وفي امستردام مطاعم «الساتي» الاندونيسي.
وهجرت هولندا اندونيسيين الى جنوب افريقيا، للمساعدة في بناء خطوط السكة الحديدية، فنقلوا معهم الارز المطبوخ في صلصة جوزة الهند (كوكونت)، وعرف هناك بانه «ارز رمضان»، لأن الاندونيسيين كانوا يفطرون به في رمضان. ومنذ القرن الماضي بدأ الاميركيون، الذين جمعوا اطعمة الشرق والغرب، يعيدون توزيعها شرقا وغربا، بفضل الافلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية، وبفضل شركات «كوكا كولا» و«ماكدونالد»، وبفضل الجنود الاميركيين الذين وزعوا الشوكولاته، وطبخوا الهامبورغر في المانيا وايطاليا واليابان وكوريا وفيتنام والكويت وافغانستان والعراق.
ورغم انتقال انواع الطعام من بلد الى آخر عبر التاريخ، يحتفظ كل شعب بهوية غذائية تميزه عن غيره. ولا تخفي شعوب هرولتها نحو اطعمة شعوب اخرى، ولا تخفي شعوب تقززها من اطعمة شعوب اخرى.
وخلال الحربين العالميتين، الاولى والثانية، تقزز الجنود الاميركيون، الذين حرروا فرنسا من احتلال المانيا من الامعاء المحشية والضفادع المقلية التي وجدوا الفرنسيين يفضلونها. واستغرب الفرنسيون لقطع لحم البقر «ستيك» العملاقة المشوية التي شاهدوا الاميركيين يأكلونها بدون بهارات وبدون زبدة وبدون صلصة نبيذ. واستغربوا اكثر للاميركيين الذين يأكلون «رير ستيك»، الذي لا يطبخ طبخا كاملا، ويكاد الدم يسيل منه. لكن الجنود الاميركيين عادوا من فرنسا بالبطاطس المقلية، «فرنش فرايز». والاسم اشارة الى شرائح البطاطس التي تقلى بالطريقة الفرنسية. وقبل سنتين، عندما عارضت فرنسا التدخل الاميركي في العراق، غضب بعض اعضاء الكونغرس، وغيروا اسم «فرنش فرايز» الى «فريدوم فرايز» (بطاطس الحرية)، رغم ان الحرية ليست طريقة لقلي البطاطس. ولم يهتم كثير من الفرنسيين بما قال اعضاء الكونغرس. ولم يفهم الفرنسيون الصلة بين البطاطس المقلية وغزو العراق. وثانيا، يعرفون ان الاميركيين لا يحبون طعامهم. وثالثا، كما قال كتاب «تاريخ الطعام»، «يعتقدون ان الاميركيين يحتاجون الى تحليل نفسي». ورابعا، «يغضبون لأن البرابرة (اميركيين وغير اميركيين) لا يريدون الاعتراف باستعلاء الطعام الفرنسي على غيره». لكن البريطانيين، مثل الاميركيين، لا يعترفون بهذا «الاستعلاء». منذ ايام جون ويلموت، شاعر القرن السادس عشر الساخر، وصديق الملك تشارلز الثاني، الذي قال: «لسنا من الذين يحبون طعام الفرنسيين المنمق، و«الراغو» (طبيخ لحم)، و«الفريكاس« (طبيخ لحم آخر)، والشمبانيا». اشاد بالطعام البريطاني، وقال: «سهولنا تملأها الثيران، وبطوننا يملأها لحم الثيران».
ورغم ان كتاب «تاريخ الطعام» اكد ان المصريين اول من خبزوا الخبز وخمروا البيرة، شكك في مصرية «الكشري»، وقال ان الجنود البريطانيين، ايام استعمار بريطانيا لمصر والهند، نقلوه من الهند، حيث كان يسمى «كتشري». قال كتاب «انت تأكل ما انت» ان اليهود يعتبرون انهم اول من عرف اللبن والعسل، لأن التوراة اشارت الى الاثنين (في سفر الخروج). لكن اليونانيين يقولون ان العسل كان طعام آلهتهم على جبل اولمبيا، وكان يسمى «امبروسا». ويقول الرومان ان آلهتهم عرفت العسل، وان «ميلونا» كانت ملكة النحل، وان «بريجيد» كانت تسكر بالنحل المخمر، وان النحل بنى معبد «ابولو». اذا كانت ارض كنعان (التى امتدت من صيدا الى غزة الى نهر الاردن) اول من عرف العسل، يقدر العرب على ان يقولوا انهم اول من عرفه، ايضا. وفي الجانب الآخر، ما دامت الاكتشافات الاثرية في مصر وجدت ان الفراعنة اول من عرفوا الفول المدمس والطعمية، يقدر اليهود على ان يقولوا انهم عرفوه، ايضا، عندما كانوا في مصر، قبل الخروج منها.
ويعتقد ان البرغل سوري الاصل، وان الخضروات المحشية تركية الاصل، وان العدس سوري الاصل (عرف قبل الميلاد بسبعة الاف سنة، في حفريات اثرية في تل المريبط على نهر الفرات، قبل الفي سنة من وجوده مع آثار الفرعون رمسيس في طيبة، في مصر). وان التفاح كازاخستاني الاصل (عرف هناك قبل الميلاد بثمانية آلاف سنة، رغم انه عرف في ارض كنعان بعد ذلك بالفي سنة). وان الفستق لبناني الاصل (عرف هناك قبل الميلاد بسبعة آلاف سنة).
وكان يعتقد ان البطيخ آسيوي الاصل، حتى اكتشف الاسكوتلندي ديفيد ليفنغستون، في القرن التاسع عشر، بطيخا بدائيا وسط احراش افريقيا. وكان يعتقد ان الثوم مصري او صيني الاصل (منذ خمسة آلاف سنة)، حتى اكتشف، في القرن الماضي، ثوم بدائي في كازاخستان وأوزبكستان.
ورغم ان اللبن قديم قدم الحيوانات الاليفة، يعتقد ان اهل كازاخستان هم اول من خمره لاستخراج اللبنة والزبادي، رغم ان قدور «المش» اكتشفت وسط آثار الفراعنة. وربما لن يقتنع الفرنسيون بأن نبيذ «حاجي فيروز» في ايران هو اول نبيذ اكتشف، قبل سبعة آلاف سنة، حتى قبل ان يعرفه الفراعنة والأغريق والفينيقيون.